عرَّف مدير مركز حقوق الإنسان بفاس المغربية جمال الشاهدي التعذيب بأنه «عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما يقصد الحصول منه على معلومات أو اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يُشتبه في انه ارتكبه (...)».
جاء ذلك في الدورة التدريبية في مجال حقوق الإنسان لمنفذي القانون في وزارة الداخلية التي تنظمها الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان والمعهد العربي لحقوق الإنسان بالتعاون مع وزارة الداخلية لليوم الرابع بقسم التدريب بالإدارة العامة للمرور بحضور 40 مشاركا يمثلون وزارة الداخلية وقوة الدفاع والحرس الوطني والنيابة العامة واعتبر الكثيرون هذه الدورة بادرة هي الأولى من نوعها في المنطقة العربية مثمنين إنشاء لجنة لحقوق الإنسان بوزارة الداخلية برئاسة وكيل الوزارة.
وركزت الدورة في يومها الرابع على حقوق المتهم قبل المحاكمة وحقوق المتهم أثناء المحاكمة والتي تناولها أستاذ جامعة ليون الفرنسية ومدرب في مجال حقوق الإنسان بطاهر بوجلال وكذلك محاضرة عن المعايير الدولية للمحاكمة العادلة والتي ألقاها أستاذ جامعة الزقازيق رئيس قسم القانون والتاريخ في كلية الحقوق محمد نور فرحات.
وتحدث الشاهدي عن اتفاقات مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهنية وتحدث مسئول مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة أمين مكي مدن عن التقارير الدورية الموجهة إلى لجنة مناهضة التعذيب وألقى مدير إدارة الشئون القانونية بوزارة الداخلية المقدم علي البوعينين ورقة عن القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء.
وقد سرد الشاهدي في المحاضرة التي تم فيها مناقشة اتفاقات مناهضة التعذيب التطورات التاريخية لمبادئ حقوق الإنسان والتي شهدت تطورات كبيرة منذ عام 1945 الذي دخلت فيه حقوق الإنسان دائرة القانون الدولي وصدر فيه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبعدها توالت الاتفاقات والإعلانات والقرارات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وفي مقدمتها الاتفاقيتان الدوليتتان بشأن حقوق الإنسان المدنية والسياسية، وحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبروتكول الاختياري المحلق بالاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية.
وتطرق الشاهدي بعد ذلك العام 1987 الذي بدأ فيه النفاذ بالالتزام باتفاق مناهضة التعذيب وغيرها من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية والتي صدرت من الأمم المتحدة والتي عرَّفت في مادتها الأولى التعذيب بأنه «عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما يقصد الحصول منه على معلومات أو اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في انه ارتكبه (...)»، كما ألزمت المادة الثالثة من الاتفاق الدول باتخاذ إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو أية إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب في إقليم الدولة.
وقال الشاهدي إن «الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت قرارا بشأن مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن»، وذكر المبدأ الأول من هذه المبادئ والتي تنص على انه «يعامل جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن معاملة إنسانية وباحترام لكرامة الشخص الإنساني الأصيلة»، وأكد على أنه لا يجوز إلقاء القبض أو الاحتجاز أو السجن إلا مع التقيد الصارم بأحكام القانون وعلى يد موظفين مختصين أو أشخاص مرخص لهم بذلك.
وأكد الشاهدي أن رجال الشرطة والنيابة العامة أولى الناس من ناحية فهمها أو تطبيقها الصحيح لحقوق الإنسان وذلك لصلتهم الوثيقة بكل ما يمس الحريات العامة، ورأى من الضروري تدريس مادة مستقلة لحقوق الإنسان لما تلقاه قضية حماية الحقوق على الصعيد الوطني في المملكة اهتمام مطرد، وذلك تحصينا لحقوق المواطن والمقيم.
وأضاف الشاهدي إن انتهاك حقوق الإنسان مسئولية أفراد قبل أن تكون مسئولية نظام، وإن انتهاك حقوق أي مواطن يعيب النظام وعدم احترام أدميتهم يؤدي إلى فجوة بين نظام الحكم والمواطنين، مؤكدا أن مبادئ حقوق الإنسان لا يجب أن تُفهم على أن غايتها شل يد الأجهزة الأمنية أو تعطيلها، وإنما هي كفالة التزام هذه الأجهزة حدود مهمتها في حماية الحريات الشخصية وحياد الحقوق الإنسانية.
وأشار الشاهدي إلى أن أهداف الدراسة التي قام بها في مقارنة المعايير الدولية العشرة المستقاة من الاتفاقات والعهود الدولية، بما يطبقه رجال الشرطة من إجراءات تختص بالتعامل مع المقبوض عليهم، والمنصوص على أحكامها في الدستور البحريني والقوانين الأخرى كقانون الإجراءات والعقوبات والسجون والمحاماة والأمن العام، كما تهدف إلى رفع مستوى الوعي بين ضباط وأفراد الشرطة لحقوق المقبوض عليهم وخلق الوعي لدى رجال الشرطة بضرورة التمسك بحقوق الإنسان أثناء تطبيقه لإجراءات القانون.
عرَّفت الدورة التدريبية في مجال حقوق الإنسان لمنفذي القانون في وزارة الداخلية العقوبات البديلة على أنها «جزاءات قانونية على جرم أو مخالفة للقانون ارتُكب من قبل شخص ما، تحول دون حجزه داخل السجن».
وأشارت الدورة إلى أسباب اللجوء إلى مثل هذه العقوبات من أجل الحيلولة دون الآثار السلبية التي تنتج عن اختلاط السجناء مع بعضهم البعض وانتقال الخبرات السلبية بينهم أثناء فترة الحكم أو التوقيف والحفاظ على وجود مخالفي القانون ضمن مجتمعهم الأصلي وبالتالي الحيلولة دون وجود أعباء على الأُسر التي يزج أبناؤها أو أربابها في مؤسسات الإصلاح، بالإضافة إلى الحد من الآثار النفسية للأحكام السالبة للحرية في نفوس مرتكبي المخالفات وبالتالي الحد من حقدهم على مجتمعهم، ومن أهداف هذه العقوبات البديلة أيضا إمكان الاستفادة من المحكوم عليهم في إعادة تثقيف وتأهيل غيرهم بعد نجاحهم في تنفيذ العقوبات التي تُفرض عليهم، والتقليل من الكلفة المالية لإنشاء مؤسسات إصلاحية والإنفاق العالي على إدامتها.
ورد المحاضرون على سؤال إمكان استبدال العقوبة السالبة للحرية على جميع المخالفات القانونية قائلين إن «من خلال دراسة أثر الجرائم المرتكَبة وشدة خطورتها على المجتمع، يمكن أن تكون العقوبات البديلة ذات أثر فعال وناجح في مرتكبي كثير من الجرائم البسيطة، أما الجرائم الخطرة فالحال فيها مختلف ويجب أن تتناسب العقوبة المفروضة مع نوع وأثر الجرم المرتكَب ليكون عامل الردع موجودا».
وأشار المحاضرون إلى وجوب وجود شروط محددة قبل فرض العقوبات البديلة ومن هذه الشروط المنطقية والحياد والتناسب واستعداد المحكوم عليه لتنفيذها وقبوله لها واحترام النظم والثقافة والقوانين السائدة والأخذ بالحسبان التبعات المعنوية والنفسية والجسدية للمحكوم عليه.
ومن أنواع العقوبات البديلة أوامر الخدمة في المجتمع المحلي والغرامات المالية والأمر بأساليب وسيطة للمعالجة وإعادة التأهيل وعدم الابتعاد كليا أو جزئيا عن مكان ارتكاب الجرم
العدد 593 - الثلثاء 20 أبريل 2004م الموافق 29 صفر 1425هـ