العدد 599 - الإثنين 26 أبريل 2004م الموافق 06 ربيع الاول 1425هـ

لم يعد جدارا

الخروج على الاطار في اللوحة من خلال تجربة «الجداريات» يشبه الى حد كبير الخروج على «العلبة الايطالية» في المسرح،على رغم ان امتداد وترسخ الأولى في الكثير من الأعمال والتجارب تفوق الثانية بمراحل كثيرة.

«الجداريات» عودة الى حركة أنامل ورصد الانسان الأول. وتحديدا انسان الكهف ذلك الذي راح وبذاكرة بكْر يلتقط كثيرا من التفاصيل للحيوانات والطيور وكل ما يحيط ببيئته من مخلوقات، سرعان ما أمّن لنفسه طريقة تجنبه الانقراض عن طريق البحث عن حيل لمقاومتها وقتلها وفي أحيان ترويضها. عمد الى كل تلك المخلوقات التي ظلت عالقة بتفاصيلها في ذاكرته البكر فجسدها صورا وأشكالا ورموزا على جدران الكهوف. تلك كانت أولى جدارايات الانسان في التاريخ البشري دونما اتكاء على نواح جمالية أو معرفية في تلك التجسيدات بقدر ما هي تأكيد على ان تلك المخلوقات كانت هناك معه في بيئته سواء تعايش معها أم لم يتعايش. ذلك من جهة. من جهة أخرى أراد بتلك الاشارات والعلامات أو لنقل الجدارايات في الكهوف أن يعلن عن وجوده وعن حضوره وكأنها دليله الدامغ على انه كان أحد سكان الكوكب. كانت بمثابة جواز سفر يثبته كمرحلة أولى رقما وفي مراحل أخرى رقما صعبا في معادلة صراع البقاء، بحيث تنتقل جداريته تلك في صور من الانجاز البشري. جدارايات متنقلة أراد اثباتها في طرق متواصلة مع بني جنسه وفي بيئات مختلفة.

الفراعنة تركوا جدارايات لمعادلات رياضية ولنصوص دينية وتحذيرية في معابدهم كشفت عن التقدم الهائل والسبق الذي حققوه في المجالات المعرفية المختلفة، بحيث لم تتح لحضارة في التاريخ الانساني أن تظل الشغل الشاغل لعلماء الحضارات حتى الوقت الراهن كما أتيح للحضارة الفرعونية.

أن تحوّل جدارا الى «محترف فني» يزخر بالرؤية فذلك يعني انك تنفخ الروح في مكوناته بحيث يحلق بأجنحة من اللون والعلامات، وان لم يبرح مكانه. الأكيد انه لم يعد جدارا كأي جدار.

والذين يهبون جدرانهم لأولئك الفنانين يعيثون فيها تخريبا لجمودها وبلادتها وانتصابها البائس، هم بشر من طراز رفيع

العدد 599 - الإثنين 26 أبريل 2004م الموافق 06 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً