العدد 599 - الإثنين 26 أبريل 2004م الموافق 06 ربيع الاول 1425هـ

بعيدا عن الدونية والتراتبية والعادات البالية... لغة الشورى تأتي أولا

في رحلة البحث عن الإصلاحات الأكثر عمقا في سلك القضاء

خلافا للعادة، فإن الزوجات اللواتي يفكرن جديا في الطلاق، لكنهن يترددن في اتخاذ تدابير عملية لمواصلة المشوار الطويل عبر المحاكم الشرعية في البحرين، لأسباب كثيرة معلنة ومبطنة، يمكنهن الآن المضي في مشروع الطلاق بقدر وافر من الإحساس بالأمان والعدالة، مع التغيرات الأخيرة التي طالت المحاكم الشرعية وبدأ التوجه الجدي حكوميا وشعبيا لتوعية المرأة بحقوقها الشرعية وواجباتها بالمقابل.

مضمون هذا الحديث الذي لا يخلو من دعابة، طرح أخيرا في أحد المجالس النسائية من باب السخرية من واقع لم يخلُ من قتامة، آن له أن ينتهي، لتفتح بدلا منه صفحة بيضاء جديدة لواقع مشرق قادم، تتصاعد الآمال المنعقدة بصدده على الإصلاح، والإصلاح وحده مع تعيين عدد من القضاة الجدد، سجلهم لم يحفل إلا بما هو مشرف.

ففي 11 مارس/ آذار من العام 2004 سجل قرار متفرد هو الأول من نوعه، سابقة في تاريخ الجهاز القضائي في البحرين، بعد أعوام طويلة تعالت خلالها أصوات نسوة ورجال كثر طالبوا بقضاء أكثر نزاهة، بيد أن صدى تلك الأصوات سرعان ما كان يعود إلى أصحابها، من دون أي تقدم...

خطوة من هكذا نوعية، كانت لها مقدماتها ودواعيها، لكن شجاعة اتخاذها هي التي دعتنا إلى فتح «نافذة» اليوم على أكثر القضايا سخونة هذه الأيام، فالتطورات الأخيرة في ساحات القضاء وانعقاد ورشة عمل واقع المرأة في الأحكام الأسرية الموضوعة والإجرائية، تدعونا للعودة إلى الوراء، إلى العام 1988 عندما بعث مكتب وزير العدل والشئون الإسلامية خطابا عائما إلى وكيل المحكمة الكبرى الشرعية في الدائرة الجعفرية الشيخ عبدالأمير الجمري، هذا نصه: «حضرة الفاضل المكرم صاحب الفضيلة الشيخ عبدالأمير منصور الجمري، وكيل المحكمة الكبرى الشرعية الدائرة الجعفرية الموقر... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، إشارة للطلب المقدم من وزارة الداخلية لهذه الوزارة (وزارة العدل) لإجراء التحقيق معكم بشأن بعض الأمور التي تستدعي التحقيق، وتتعلق بأمن الدولة، استنادا للمادة 37 من المرسوم بقانون رقم 13 لسنة 1971 بشأن تنظيم القضاء... وبما أن إجراء ذلك التحقيق يتطلب بعض الوقت. لذا نأمل من فضيلتكم عدم مباشرة عملكم القضائي اعتبارا من 29 أغسطس 1988 لحين انتهاء التحقيق. وتفضلوا بقبول فائق التحية والاحترام... التوقيع عن وزير العدل والشئون الإسلامية».

تلك الإقالة أو التسريح أو الإعفاء أو أي مسمى آخر، كان إجراء لم يسبقه إجراء مماثل في ساحة القضاء، لما يتمتع به القضاة من حصانة قضائية تحول دون معاملتهم كباقي الأشخاص الآخرين لحين إعفائهم من المنصب الذي يشغلونه، على تلك الإقالة لم تترتب أية حقوق أو التزامات، وبقي الشيخ الجمري بعد سنوات النضال والمناداة بالإصلاح حبيس المرض.


ماضٍ عبر

عبرت السنوات سريعا، وبدأ مشروع الإصلاح يتخذ خطواته الفاعلة نحو التنفيذ والواقع، وما عاد الحال هو الحال ذاته، والقصص والحكايات التي كان يتناقلها الشارع هنا وهناك عن خروقات وتجاوزات واستغلال للسلطة والحصانة، وخصوصا بعد الزوبعة الإعلامية التي أثارتها العام الماضي لجنة العريضة النسائية، وكل الفضائح التي بودلت بين جبهتي المطلقات وقضاة القضاء الشرعي السني والجعفري، خفت بريقها ولا مساحة لممارستها الآن...

حتما، نحن لا نسعى إلى تجميل المستقبل الآتي، ولا نستبق الحوادث أو نصبغها بالفرضيات، غير أن المعطيات الحالية والتاريخ الطويل للعناصر الجديدة الداخلة توا على سلك القضاء الشرعي، وسعي الهيئات الحكومية والشعبية لتوعية الشرائح المجتمعية بشكل أكثر فاعلية من ذي قبل، يؤكد أن المستقبل لن يحتاج إلى عمليات تجميل أصلا...

فالترحيب الشعبي الواسع للتغيرات الأخيرة وإشادة القانونيين والمحامين وحتى القضاة أنفسهم بالخطوات التي اتخذها المجلس الأعلى للقضاء أخيرا، وبالتوازي معها تأتي جهود المجلس الأعلى للمرأة وبالتعاون مع جامعة البحرين في خلق فضاء لمناقشة الواقع وصوغ المقترحات للارتقاء به، كلها معطيات جديدة تشير بوضوح إلى أن استراتيجية الإصلاح تشرع لتطال كل الجوانب ابتداء من السياسة، مرورا بالثقافة وأخيرا وليس آخرا بالقضاء.


ورشة عمل

تعلق رئيسة المحكمة الابتدائية في المغرب زهور الحر التي تزور البحرين حاليا للتحاور مع عدد من المهتمين والناشطين والناشطات في مجال المطالبة بحقوق المرأة خلال ورشة عمل «واقع المرأة في الأحكام الأسرية» بالتعاون مع جامعة البحرين والتي اختتمت أعمالها أمس على تجربة البحرين لتقول: «هناك ثمة تشابه بين تجربة البحرين وتجربة المغرب، غير أننا في المغرب أصررنا أكثر على ربط حقوق المرأة بحقوق الإنسان، وأصررنا أكثر على التخلص من العراقيل القديمة البالية التي تحول دون توحدنا كمسلين، وفتحنا باب الاجتهاد أمام كل الطوائف والمذاهب، بعين تحدق في النص والأخرى تحدق في الواقع، لكننا انتقينا فقهاء يفقهون في الواقع المعاش مثلما يفقهون في الشريعة، فخرجنا بقانون ميسّر يستمد روحه من الشريعة الإسلامية».

وتضيف: «ما نحتاجه في كل الدول العربية وليس في البحرين فحسب هو فهم أعمق للواقع الاجتماعي بكل المرارة الأسرية التي تحملها طياته، نحتاج إلى مرجعية وإلى معالجة الحلول من الجذور».

وأصابت الحر عين الحقيقة عندما قالت: «إن يكون هناك قضاة جديرون ونصوصا رجعية أفضل آلاف المرات من نصوص متطورة وقضاة جامدين»، معرجة على التحولات الكثيرة التي طالت واقع الأسرة وجعلت من التغيير أمرا ملحا ولا خيار إلا هو، منها ظاهرة العنف والتطرف والإغراق في الذاتية وتغير الأدوار ودخول النساء كعنصر فعال في الإعالة الاقتصادية، مستشهدة بلغة الأرقام، إذ قالت: «إن 20 في المئة من الأسر المغربية تعولها النساء».


كيف نتطور؟

وردا على سؤال طرح نقطة محورية فيما نعاني في البحرين وهو: كيف استطاعت المغرب أن تتوصل إلى قانون موحد للأحوال الشخصية على رغم تشابه الواقع الاجتماعي بين البحرين والمغرب؟ طرحته الكاتبة منى غزال خلال النقاش قالت: «مررنا بمخاض عسير بدأ مع الاستقلال، غير أن الحركات النسائية ما انفكت تطالب بإصلاح قانون الأحوال الشخصية، إذ جمع أكثر من مليون توقيع يطالب بتحسين أحوال المرأة، وعقدت حلقات لنقاش معمق بين جميع الأطياف، وخرجت إلى الشارع المسيرات المؤيدة والمناهضة وكونت لجنة استشارية عملت لثلاث سنوات متواصلة وأدخل فيها متخصصون في غير الفقه والشريعة، ورجعنا إلى المواثيق الدولية من دون أن نحرّم الحلال ونحلِّل الحرام، ومن ثم راعينا السير ومضينا إلى واقع أفضل، بعد ما كانت المؤشرات تنبئ بارتفاع أعداد العائلات المتصدعة وتنامي نسب الطلاق».

وتزيد: «عشنا واقعا مرا ومقلقا دفعنا إلى الاجتهاد، فبعد ما كانت 41 ألف أسرة عائلة مغربية سنويا تعيش بؤس الطلاق، 60 في المئة منها كان يتم عبر الخلع، وصلنا عبر التشريع والقوانين الجديدة إلى واقع لا يدعو إلى القلق، بعدما أخذنا في الاعتبار كل المذاهب وانتهجنا ما هو أيسر للمسلم».

وفي سياق الحديث عن جمع التوقيعات، وعلى الصعيد المحلي، لايزال المجلس الأعلى للمرأة ومركز الدراسات والبحوث يعملان على دراسة استطلاعية لقياس الرأي العام بشأن تقنين أحكام الأسرة للتعرف على اتجاهات الرأي العام في المجتمع البحريني بفئاته كافة، ويتوقع أن تعلن النتائج في غضون الفترة المقبلة، إذا قُدِّر أن تستغرق ستة أشهر بدءا من نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 2003.


لوحة عاجية

وفي الوقت الذي فصّل القضاة المحاضرون حقوق المرأة في الأحكام الأسرية طبقا للمذهبين السني والجعفري رسمت صورة عاجية جميلة عن روح الإسلام وتقديسه لحقوق المرأة، كان المشاركون من الرجال (الأقل عددا) والمشاركات متلهفين لطرح مرارة الواقع الذي تظل فيه المرأة حبيسة مراجعات المحاكم لتطالب بحق الطلاق لسنوات تصل إلى العشر... مجمعين على أن التطبيق السليم لأحكام الشريعة يوازي في الأهمية سن القوانين وتعديلها.

والتقى المشاركون مع مطالبات لجنة العريضة النسائية ومطالبات شعبية «لم تبتعد عن المضمون ذاته في نقطة التقاء مهمة هي ضرورة إخضاع القضاة للتدريب المستمر والتشبع بثقافة حقوق الإنسان للمساهمة في إصدار نصوص حامية لحقوق الأسرة ككيان موحد، وليس مقسم لرجل وامرأة وطفل، والرجوع إلى حكم النص في ظل غياب الوازع الديني والالتزام الأخلاقي في شرائح المجتمع».

إلى ذلك، قالت الأمين العام في المجلس الأعلى للمرأة المحامية لولوة العوضي: إن الواقع ووفق الدراسات يؤكد أن المرأة البحرينية غير ملمة تماما بحقوقها، لذلك وجب توعيتها وتمكينها من حقوقها عبر تفعيل النصوص الدستورية وتعديل بعض الإجراءات التي تساعد الأسرة البحرينية من رجل وامرأة لأخذ دوريهما في التنمية، ولابد من الاستفادة من تجارب الدول العربية.

فيما أكد قاضي المحكمة الكبرى الشرعية في الدائرة السنية الشيخ فريد المفتاح - وأيده إلى حد بعيد رئيس المحكمة الكبرى الجعفرية الشيخ ناصر العصفور - إن قصور الوعي للحقوق والواجبات هو أكثر ما يعاني منه المجتمع البحريني الرجال قبل النساء، مفصلين في الحقوق التي كفلها الإسلام للمرأة ومعها الضمانات مع بيان الاختلافات الفقهية في ذلك.

ومن جانبها قالت الناشطة فضيلة المحروس: إن هناك ثمة هوة بين تعاليم الدين السمحاء وبين الممارسة على أرض الواقع، ما يعزز مطالبتنا بتعجيل إصدار قانون موحد للأحوال الشخصية، مشددة على عبارة «كفانا فرقة وكفانا تجزئة».

وشبّهت المحروس الزواج بـ «قيادة السيارة التي تحتاج إلى ساعات من التدريب يخضع بعدها السائق للامتحان وربما يخفق فيعاود الكرة، فما بالك بالزواج الذي هو أكثر تعقيدا من السيارة؟ (...) الزواج مشروع يقوم عليه المجتمع ولابد من أن تسبقه معرفة ودراية ومرحلة تحضيرية بعيدة عن الأحلام الوردية والمثاليات».

فيما طالبت المحامية شهربان عبدالحسين بأن تجرى تعديلات جذرية على وثيقة الزواج لتشمل الأمراض الوراثية والأملاك قبل الزواج وقائمة بالشروط المتداولة، وذلك حفظا للحقوق وتوثيقها جراء خجل ولي الأمر من الاشتراط حين العقد.

ربما لامست ورشة العمل كغيرها من الورش هموم الواقع المعاش، وحاولت صوغ توصيات ترفع إلى هنا وهناك، وربما سيدفع الإصلاح إلى واقع أفضل، لكن ذلك لن يتأتى إلا بالاستماع إلى بعضنا بعضا وقبول بعضنا بعضا عبر الوعي والوعي وحده

العدد 599 - الإثنين 26 أبريل 2004م الموافق 06 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً