العدد 600 - الثلثاء 27 أبريل 2004م الموافق 07 ربيع الاول 1425هـ

حبه الأبدي وذكريات «أصيلة» الأليمة

بن عيسى يتذكر...

يكمل محمد بن عيسى ذكرياته عن «اصيلة» اذ يقول «كان موسم أصيلة يحمل بين طياته ذكريات سعيدة، فإنه يحمل أيضا بين ثناياه ذكريات مؤلمة».

«من الأشياء التي تؤلمني وأنا أتكلم عن ذكريات الموسم، هو أن بعض الإخوان الذين سيصبحون أصدقاء فيما بعد، كانوا يذهبون إلى باريس حيث كانت زمرة من النخبة العربية والصحافة العربية في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات، يحرضونهم على مقاطعة أصيلة. كنت التقي بهم وأقول لهم تعالوا وانظروا وعيشوا التجربة بأنفسكم. كانوا يتهموننا بأننا عملاء لوزير الداخلية، أو أننا عملاء للصهيونية، وهناك من اتهمنا بالعمالة للشيوعية. كل واحد كان يعطينا صفة من خياله ثم تحول الأمر بعد ذلك إلى مناهضة سياسية وذلك حين تأسس حزب التجمع الوطني للأحرار وكنت أحد مؤسسيه مع عصمان. ساعتها أصبحت طبعا متحزبا، هذا أيضا زاد من المعارضين للموسم. وعلى رغم كل شيء كنت مصرا على دعوة الجميع بمن في ذلك الذين يعارضون الموسم. كنت أدعو الجميع وكان بعضهم يعتذر».

أذكر مرة تحدثت طويلا مع احمد عبدالمعطي حجازي الذي كان مترددا في قبول الدعوة لحضور مواسم اصيلة، وبعد أن شرحت له حقيقة وطبيعة ما نريد تحقيقه طلب مني الأخ احمد أن أدعو عددا من الكتاب الأعضاء في اتحاد كتاب المغرب وأعطاني قائمة تضم بعض الأسماء. وقال حجازي «انهم يدعون انهم لا يتلقون دعوة منكم. إذا دعوتموهم ورفضوا قبول الدعوة آنذاك تسقط الحجة وسيكون ذلك شأنهم. وحينئذ لن يبقى لي مبرر لعدم قبول الدعوة». وبالفعل وجهت الدعوات لكل من يوجد في تلك القائمة وبعثت له بنسخ من تلك الدعوات. بعد ذلك قال لي «لقد بددت أي حرج وأنا شخصيا سأحضر إلى أصيلة».

كنت دائما أقول للناس الذين لهم تحفظات على الموسم من أحزاب المعارضة يا إخوان أنا احضر لكم جمهورا في مجال مفتوح لتقولوا ما تريدون. كان هناك أناس يعتقدون أن هذا الموسم عمل ثقافي من مستوى رفيع ويجب أن يسمع الناس إلى آرائهم كما عليهم أن يسمعوا إلى آراء الآخرين، كما كانت هناك فئة ترفض، على رغم أن الجميع في النهاية أدركوا مرامي الموسم.


الحب الأبدي

إضافة إلى إصرار بن عيسى على النجاح فإن حبه لبلدته أصيلة جعل مشروع موسمها الثقافي يتكلل بالنجاح.

وعن هذا الحب الذي يربطه بالمدينة يقول بن عيسى «أنا أحب مدينتي. عندما كنت طالبا في الولايات المتحدة كنت اجمع التبرعات وأبعثها إلى باشا حاكم المدينة، السيدمحمد الداودي أطال الله في عمره، ويقيم حاليا في تطوان، وبنينا بتلك التبرعات (الأموال) أول مكتبة في أصيلة حيث توجد مكتبة الأمير بندر بن سلطان. كانت المكتبة عبارة عن فضاء مربع كبير وسط حديقة، بناها احمد الشولي رحمه الله. وكان مهندس البلدية. كنت مع المليحي نتساءل إذا كان عندنا مال ماذا سنفعل به؟ كان عمرنا وقتها 12 سنة. كان المليحي يحلم بإقامة محترفات للرسم، وأنا ببناء مسرح ومكتبة. أعدنا الحديث عن هذا الحلم ونحن نتمشى على ضفاف نهر «التيبري» في روما سنة 1958، كنت في طريقي إلى القاهرة حيث كنت أتابع الدراسة. وكان المليحي وقتها طالبا له منحة في مدرسة الفنون الجميلة في روما. اخبرني المليحي انهم ينشئون في باريس استوديوهات للفنانين وهو ما اصبح الآن يسمى «المدينة الدولية للفنون» هذه الفكرة بقيت راسخة في ذهني إلى أن أقمنا ورشات أصيلة للفنون التشكيلية في «قصر الثقافة»، حيث يستضاف عشرات الفنانين كل سنة من مختلف أنحاء العالم. بما أن «الإنسان يولد بما فيه» كما يقال فإني أظن أن حب مدينتي ولد معي. ثم إن طفولتي بقيت لاصقة دائما في ذهني لذلك اهتم اهتماما خاصا بالطفل. كل شيء نقوم به في أصيلة يبدأ بالأساس من الطفل. كنت أقول للمليحي منذ بداية موسم أصيلة «ينبغي علينا حتى مشيتنا في الشارع أن نكون قدوة للأطفال».


طفولتي...

وعلى ذكر الطفولة «فقد كانت طفولتي ممتعة ولم تكن شقية. كان فيها جزء واحد اليتم حيث إنني فقدت والدي وعمري ست سنوات بحيث لم أعش حياة الأبوين. عشت مع والدتي وجدتي وأخوالي وخالاتي، وكانوا سبعة، ولكنني عشت عيشة جيدة في عائلة ميسورة بمقاييس ذلك الزمان، ودرست في احسن المدارس من أصيلة إلى العرائش المجاورة وتطوان وفاس، إلى أن انتقلت إلى القاهرة ثم الولايات المتحدة. الذي بقي في ذهني وكبر معي هو أنني آمنت دائما بأن كل فكرة إصلاحية لتكون ناجحة يجب أن تبدأ بالطفل. بدأنا بفكرة إصلاح أصيلة عبر تنظيف الشوارع لأننا اكتشفنا ان اكثر من يوسخ الشوارع في مدينتنا الأطفال. وقلنا لابد أن نربي كل طفل على الاعتناء بالبيئة، وترسيخ ذلك في ذهنه وأحاسيسه. وأعتقد أننا نجحنا في ذلك. فأصيلة اليوم بكل تواضع ربما هي انظف مدينة صغيرة في المملكة. كنت أؤمن بأن هناك جانبا لدى الطفل لا يُعتنى به كما يجب، وهو جانب الإبداع فيه. كل طفل له قدرة إبداعية إن في العين وإن الصوت أو اليد أو الذهن. كثيرا ما تترجم إلى الحرفة، ولكن ليس بالضرورة أن يصبح كل طفل فنانا وإنما إذا صقلت مواهبه وأحاسيسه منذ البداية فإن ذلك في حد ذاته طريق تفجير قدرات الإبداع فيه. وهذا ما أبقاني مصرا على المضي في مشروع أصيلة الثقافي».


مشروع عمري

أتذكر في العام 1982 زارني شخص كنت قرأت عنه مقالة طويلة في أسبوعية «نيويوركر»، هذا الشخص يدعى جنسنغ، صاحب متحف «لويزيانا» القريب من كوبنهاغن في الدانمارك. وسبق لي أن زرت هذا المتحف سنة 1971 أنا وزوجتي. كنت وقتها أعمل مع الأمم المتحدة وقمنا بزيارة الدول الاسكندنافية وتوقفنا في كوبنهاغن ثم زرنا متحف «لويزيانا» وأعجبت به. وفي مقالة «النيويوركر» قرأت نبذة طويلة عن حياة جنسنغ. كان أبواه من الأثرياء يصنعان الجبنة. وأثناء الحرب العالمية الثانية قررا - لإنقاذه - إرساله وتسجيله في كلية القانون في جامعة جنيف. لكنه لم يتابع دراسته بل بقي متمردا على آمال والديه، ومات والده فعاد إلى الدانمارك وباع ما كان يملكه، واشترى أرضا كانت بها مقبرة يهودية ومبنى، وحول كل شيء إلى متحف «لويزيانا». هذا الشخص التقيته ذات يوم وكنت خارجا من باب القصبة في مدينة أصيلة. وجدته في نقاش مع نادل يستفسره عن مسألة ما. تدخلت للمساعدة في الحديث فعرفت أنه يسأل عن مواعيد رحلات العبارة التي تربط بين طنجة وميناء الجزيرة الخضراء في إسبانيا. عندما علمت أنه من الدانمارك حدثته عن زيارتي لمتحف «لويزيانا» وفاجأني أنه هو صاحب المتحف. ودعوته إلى الغداء، وشرحت له فكرة الموسم وبعد ذلك قمنا بجولة في بعض مرافق المدينة وخصوصا رواق الفنون التشكيلية الذي كان مقره في الاصطبل العسكري أيام الإدارة الإسبانية في شمال المغرب، كان كل شيء بسيطا جدا، والتف إليّ جنسنغ، وقال لي كلمة لن أنساها «مشروعك هذا مشروع عمر».

مشروع عمري هذا «جعلني لم اشعر باليأس يوما في حياتي. فأنا متفائل دائما في كل شيء. وفي أحلك الظروف ظل التفاؤل هو القاعدة عندي»، فلم يحدث أن أحسست بالإخفاق. وبطبيعة الحال لن ازعم أنني كنت ناجحا دائما غير انه إذا كنت أؤمن بفكرة ترسخت في ذهني فإنني امضي قدما إلى أن أحقق ما استطعت منها. ومن ثم كنت دائما امزح وأنا موظف دولي وأتساءل لماذا لا نقيم «يونيسكو غير حكومية»، يونيسكو من نخبة من المبدعين والمفكرين والعلماء، ممن يمثلون أنفسهم ولا يمثلون الحكومات. وكنت أؤمن ومازلت بأن العمل الثقافي والإبداع عموما يجب أن تسقط عليه وصاية الحكومة أو الدولة لأن الحرية هي سماد الإبداع

العدد 600 - الثلثاء 27 أبريل 2004م الموافق 07 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً