العدد 630 - الخميس 27 مايو 2004م الموافق 07 ربيع الثاني 1425هـ

أصول إحياء الفكر الديني... الشهيد الصدر أنموذجا

في «شبابي الوفاق»...

يعد الشهيد السيد محمد باقر الصدر من أبرز الشخصيات المجددة في الفكر الإسلامي الحديث، واستطاعت هذه المرجعية الفكرية بطرحها الراقي وقراءتها المتجددة للنص الديني استيعاب الحركة الإنسانية في شقها الثقافي والمعرفي، حتى أضحى نتاجه الفكري والفلسفي مرجعا في مختلف الجامعات والمكتبات العالمية الغربية فضلا عن الإسلامية.

من هنا اختار مركز البحرين الشبابي أن يستعرض فكر الشهيد الصدر ويجعله مدارا للبحث في موسمه الثقافي لهذا العام، فقد أقام المركز ندوة أصول إحياء الفكر الديني في ضوء نظرية الشهيد الصدر التي شارك فيها الشيخ شاكر الفردان في مساء يوم السبت بمقر المركز بجمعية الوفاق.

واستهل الفردان الندوة بقوله تعالى «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ» (آل عمران: 19).

من المعني بالخطاب الديني؟

ثم تناول الفردان نظرية التجديد والإحياء في الفكر الإسلامي التي تعتبر من ابرز خصوصيات الدين. في الواقع إن الدين الإسلامي هو دين متجدد، ولعل من ابرز النظريات في هذا السياق هي نظرية الثابت والمتغير. والإسلام يدعو إلى أن يكون العقل فاعلا لا منفعلا، فالعقل يطلق على مدركات الإنسان الواسعة والقادرة على التحدي والإبداع (...) وعندما نتحدث عن شخصية الشهيد محمد باقر الصدر الذي حاول أن يستثير مجموعة من الأسئلة، وسعى لتفسير النص الديني كمشاركة أداتية ومنهجية.

ومضى قائلا «والحديث عن أصول إحياء الفكر الإسلامي يجب أن يرتكز على ثلاث مقدمات، فنحن نسمع ونقرأ وتلامس عقولنا الكثير من الاصطلاحات مثل الإحياء، التجديد والحداثة أو حتى مصطلح «الإسلام المحمدي الأصيل»، ولكن متى يكون لهذه العبارة معنى؟ لا يمكن أن نتصور ذلك إلا عندما يكون الدين الذي نتحدث عنه دينا صالحا وقابلا للاستمرار، وهو دين يمتلك خصوصية البقاء؛ لأن الفكرة الدينية المحصورة في حدود الزمان والمكان يكون وجودها مرهونا بالبيئة التي تعايشها، وانتهاء هذه البيئة يعني نهاية هذه الفكرة، وهذا الأمر ينطبق على الأفكار الوضعية. وبما أن الدين الإسلامي هو خاتم الرسالات، فهذا يستلزم أن تكون له القابلية للتجدد.

والمقدمة الثانية التي أشار إليها الفردان ترتبط بالأولى، وتدور فلسفتها حول المعني بالدين، وإذا ما عرفنا الدين بأنه مجموعة من النصوص القرآنية أو ما ثبت عن المعصومين، يمكننا أن ندرك أن تلك الخطابات الدينية يراد بها مخاطبة خليفة الله في الأرض (الإنسان).

ويجب أن نعي أننا نريد مخاطبة البشرية التي من سماتها التحول المستمر، والمحكومة بقانون «التحول والتغير» الذي يجرى على الطبيعة، فإنسان اليوم يختلف عن إنسان الأمس في العادات والتقاليد بل في تحكمه في الطبيعة أيضا.

دين ثابت وإنسان متحول

ويثير الفردان تساؤلا كبيرا «هنا سؤال يطرح نفسه» دين من طبيعته البقاء، وإنسان من خصوصيته التحول، هل من المعقول أن ينسجما مع بعضهما بعضا؟ «فإما أن نهمل خصوصية التحول عند الإنسان، وإما نهمل الدين الثابت ونتجاوزه لنبحث عن متطلبات العصر. والنتيجة هي المزاوجة وخلق حال الانسجام بين الاثنين. وهذا الدين يجب أن يكون الأصلح للإنسان. والبشرية على مدار تاريخها جمعت خبرات الأديان وتراثها واختلقت الأفكار وسعت جاهدة لتحقيق النظام الذي تظن أنه سيقودها إلى السعادة».

مستدركا «لكنها تناست أن الإسلام يضع أقدامها على أعتاب هذه السعادة المنشودة. واثبات صحة هذا الادعاء مرهون بتوافر ثلاثة شروط أساسية: الشرط الأول أن يتوافر في ذات الإنسان ووجوده شيء ما غير قابل للتبديل، وهو ما نطلق عليه «الفطرة» في فكرنا الديني، وهو شرط ضروري، على اعتبار أن الفكرة الدينية التي نريد تقديمها يجب أن ترتبط بطبيعة الإنسان، والفطرة البشرية لا يتنكر لها أحد. والشرط الآخر أن يكون الدين المتميز بالبقاء يوجد حالة من الانسجام والتجانس مع الإنسان، وهو ما نعبر عنه شرعيا بدين الفطرة».

ويردف قائلا «والشرط الثالث أن يتمتع هذا الدين بدرجة من المرونة والشمولية، فهو في الوقت الذي يتسم بالثبات لا بد له أن ينسجم مع الجوانب المتغيرة في وجود الإنسان ويراعي احتياجاته الفردية والاجتماعية - أي انه قابل للإحياء والتجديد - وهذا ما نفتقده في غير الأطروحة الإسلامية».

التجديد في مشروع الصدر

ثم اسقط الفردان هذه النظرية على مشروع الشهيد الصدر قائلا: الشهيد الصدر بمشروعه المعرفي الكبير الذي بدأه بخطة ومنهجية منظمة وعقلانية زاوج فيه بين أمرين مهمين:

فالشهيد الصدر لم يكتف بالوقوف سدا أمام الغزو الفكري الخارجي، بل كان مشروعه أكبر من ذلك بكثير، فقد سعى إلى ممارسة عملية النقد الذاتي؛ لأنها مسألة مهمة جدا، فالمشروع التجديدي بحاجة إلى مزاوجة دقيقة ورقيقة في آن واحد، فالتراث الذي يمكن أن يتجاوزه الفرد في هذه العملية هو (التراث بمعناه الضيق) الذي يتضمن عناصر ميتة وأخرى مميتة قاتلة، بحيث أن مجرد إدخالها إلى المشروع سيقوده إلى الفشل.

والشهيد الصدر عندما عالج النقد الذاتي في البيئة الدينية، أو كما يطلق عليه الإمام الخميني (قدس) «التحجر المقدس»، ويقول الإمام الراحل في هذا الصدد «إن خطر المتحجرين في القداسة وفي الحوزات أشد خطورة من الخارج».

وأشار الفردان إلى ثلاث آفات قاتلة يوجد بعضها داخل البيئة الدينية تشكل خطورة قصوى على الدين: الآفة الأولى وهي آفة الجبابرة المتسلطين على السلطة، الذين يريدون أن يمسخوا الدين أو يختاروا منه ما يتناسب مع أهوائهم.

فيما تكمن الآفة الثانية في خطورة «التحجر المقدس» الذي يمثل دودة سرطانية إذا ما أضيفت إلى الاستبداد الديني فستنهي كل شيء. فتحول الأعراف إلى قداسة يعني نهاية الدين. ومن يتصدى للتجديد في النظرية الإسلامية لا بد أن يواجه بحزم هذه الآفة التي تواجه الدين باسم الدين. أما الآفة الثالثة فهي مشكلة الفكر التأويلي والالتقاطي، وهي تتجسد في بعض المجموعات التي تخضع الدين لواقعها أو ما يسمى بـ «أنسلة النص»... وخلص الفردان في ختام حديثه إلى القول: في الواقع أن عملية التجديد شائكة وصعبة ولها هواجسها. والشهيد الصدر يمثل حالة فريدة في هذا السياق، فهو يعد من أوائل الذين وضعوا الحل لهذه المشكلة في بطن الحوزة، من دون أن يلغي التراث أو يمسح النص. واستطاع الشهيد الصدر بمعوله الفكري أن يهدم جزءا من حضارة الاشتراكية، وكان مشروع استشهاد فضلا عن كونه مشروعا معرفيا، وهو القائل «إن دمي سيترجم شخصيتي أكثر مما كتبت»

العدد 630 - الخميس 27 مايو 2004م الموافق 07 ربيع الثاني 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً