حذر المرجع الديني السيّد محمد حسين فضل الله، من أن هناك استعمارا جديدا مبطنا للعالم العربي والإسلامي يتحرك في الدوائر السياسية حول ما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير وخطط الإصلاح. وانتقد الواقع العربي الذي تسيطر عليه الدكتاتوريات واصطفاف الجميع لركوب القطار الأميركي. كما انتقد عدم الاعتراف بالآخر في واقع شعوب المنطقة.
وأدان سماحته قتل وخطف المستأمنين والأجانب في البلاد العربية والإسلامية كما يحصل في السعودية والعراق، مؤكدا أن ما تصنعه «العناصر التكفيرية» يعمل على تشويه صورة الإسلام ويصادر القضايا المصيرية كقضية التحرير.
وفي جواب على سؤال في ندوته الأسبوعية عمَّا إذا كان الواقع العربي والإسلامي بحاجة حقيقية للإصلاح وأهداف الطروحات الأميركية بهذا الشأن، قال: «لعلّه ليس خافيا على أحد أنّ واقع العالم العربي والإسلامي هو واقع الأنظمة الديكتاتوريّة التي لا تسمح بأيّ نوع من التنوّع السياسي التنظيمي الذي يمارس دوره بحرّية، وأقصى ما تسمح به إيجاد بعض التنظيمات السياسية المرتبطة بعجلتها، وكذلك هو شأن المعارضة التي إذا قبلت الأنظمة بوجودها، فلأجل إعطاء النظام بعض الديكور الديمقراطي من دون أن يكون لكلّ ذلك أيّ أساس واقعي، حتى أنّ بعض الدول العربيّة المنفتحة كلبنان، الذي يملك حرّية فكرية وسياسية، إلا أنّها تبقى حرّية التعبير عن الرأي التي بدأت بالضعف أيضا، في الوقت الذي لا تملك فيه عمليّة التغيير؛ لأنّ الأخطبوط الذي يسيطر على الأوضاع الإقليمية والدوليّة يمنع أيّة عمليّةٍ للتغيير من خلال مبادرات الشعوب. ومن جهة أخرى نجد أنّ ثروات البلاد هي بيد مجموعة من الناس التي تفرض امتيازاتها الخاصّة على حساب الشعب، بالإضافة إلى مسألة الهدر والفساد لدى قرابة الحاكم العائليّة أو الحزبيّة أو ما إلى ذلك، في ظلّ غياب قانون المحاسبة الدقيقة للمواقع الكبيرة في الدول، وغياب تداول السلطة ضمن النُظم الطبيعيّة للتداول'.
وفي مسألة الصراع مع «إسرائيل» قال: «نلاحظ أنّ أغلب الأنظمة بدأت تنفتح على الكيان الصهيوني إمّا بشكل سافر ومعلن، كما في الدول التي صالحت «إسرائيل»، وإما من خلال فتح مكاتب تجاريّة، بالرغم من أنّ «إسرائيل» تزداد عنفا ضدّ الفلسطينيين، مما يدلّ على أنّ هناك إزدواجيّة عربيّة وإسلاميّة بين الخطابات المعلنة في مؤتمرات القمم أو على مستوى وزراء الخارجيّة وبين ما يُفعل وراء الكواليس».
وتابع: «وفي الوقت عينه نلاحظ غياب التخطيط الدقيق للعلاقات الدوليّة بقدر ما يتعلّق الأمر بالمنطقة التي تواجه الهيمنة الأميركية في كلّ المجالات، ونجد الجميع يصطفّون لركوب القطار الأميركي ويعملون على تنفيذ مخطّطاته. أمّا الطامّة الكبرى فهي في الجدل الذي يتحرّك في الدوائر السياسيّة العربيّة حول ما يسمّى بـ 'مشروع الشرق الأوسط الكبير'، هذا الجدل الذي دخلت فيه قمّة الثماني والاتّحاد الأوروبي، مما يعني أنّ هناك استعمارا جديدا مبطّنا للعالم العربي والإسلامي يهدف إلى صوغ هذا العالم على صورة العالم المستكبر، وخصوصا الولايات المتحدة، لا على صورة ما يحتاجه هذا العالم؛ لأنّنا نعرف انّ تلك المحاور الدوليّة لا تريد أن يعيش العالم العربيّ والإسلامي مرحلة المؤسّسات التي تعطي شعوبها كلّ الحريّة المسئولة في عمليّة التغيير، بل يُراد إيجاد حال من ديكور الحرّيات وحقوق الإنسان». وأضاف: «وإذا كنّا ننتقد الأنظمة، فإنّنا لا نجد على مستوى الظاهرة في واقع الشعوب اعترافا بالآخر، حتى على مستوى الأطر السياسيّة الحزبيّة أو الثقافيّة فيما تختلف فيه المذاهب والأديان، ولا نلاحظ أنّ الفرد يعيش في نفسه الحرّية، سواء في داخل البيت أو في إطار العائلة أو المدرسة أو في المجتمع الكبير، لجهة مراعاة حقوق الإنسان والعدالة والقيم الإنسانيّة. إن هذا الواقع هو المسئول بطريقة أو بأخرى عن إنتاج العناصر التكفيريّة المتخلّفة التي تفسّر الإسلام تفسيرا سيئا، ما يجعلها تتحرّك في خطّ العنف الإرهابي الذي لا يقرّه الإسلام، كما في قتل غير المسلمين من المُستأمَنين الذين لا علاقة لهم بما يجري في الواقع الإسلامي مما تقوم به إداراتهم السياسية والعسكرية والأمنية، كما حصل مؤخّرا في المملكة العربيّة السعودية من اختطافٍ لأكثر من رهينة، ثمّ قتلهم بشكل وحشيّ وهمجيّ، وكما حصل ويحصل في العراق، الأمر الذي يشوّه صورة الإسلام في العالم، ويعطي مبرّرات تحتاجها السياسة العدوانيّة الأميركية والإسرائيلية في مصادراتها للواقع العربي والإسلامي». وأردف فضل الله قائلا: «لقد عملت هذه الأحداث الإجراميّة على مصادرة القضايا المصيرية الحيوية، كقضية التحرير من الاحتلال الإميركي والإسرائيلي، الأمر الذي يجعل الذين يمارسون هذه الأعمال الوحشيّة خدّاما للمستكبرين من حيث يريدون أو لا يريدون. وفي موازاة ذلك نلاحظ أنّ الأنظمة العربية والإسلامية عموما قد تبنّت 'الحرب ضدّ الإرهاب' التي أطلقتها الإدارة الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول والتي هي موجّهة أصلا ضدّ العالم الإسلامي والعربي، لا من خلال تخطيط لمواجهة ظاهرة العنف غير المبرّر، بل من خلال التعليمات التي تمليها أجهزة المخابرات الأميركية التي تتدخّل بشكل مباشر في مراقبة كلّ الأوضاع السياسية والأمنيّة والاجتماعية وحتى الاقتصاديّة بما فيها حركة المصارف». وخلص إلى القول: «نتصوّر أنّ المسألة ليست في أنّه هل يُمارَس الإصلاح من الداخل أو الخارج؛ لأنّه بقدر ما يتّصل الأمر بمصالح المحاور الدوليّة والأنظمة، أنّ أقصى ما سيحدث أن يتوافق الداخل والخارج على إيجاد ديكور إصلاح على مستوى الشكل يقوم على أساس مصالح الاستكبار في المنطقة. وإنّنا في هذا الواقع العربيّ والإسلامي نحتاج إلى إصلاح، ولكنّه الإصلاح الذي يبدأ من الذات، وينطلق من خلال تغيير الواقع الفكريّ المتخلّف إلى أفق فكريّ رحب منفتح على القيم الإنسانيّة التي تحترم الإنسان، وتنطلق لتؤصّل حركة الاجتهاد الإسلامي في القضايا الكبرى
العدد 658 - الخميس 24 يونيو 2004م الموافق 06 جمادى الأولى 1425هـ