فاديا كيوان - رئيسة معهد العلوم السياسية بجامعة القديس يوسف في بيروت، والمقال يُنشر بالتعاون مع «كوم
21 أبريل 2010
ساد جو من التهدئة والاسترضاء بين الزعماء السياسيين في لبنان منذ الانتخابات العامة في لبنان في يونيو/ حزيران الماضي، والتي أبقت تحالف 14 آذار الذي يدعمه الغرب والسعودية في السلطة وأتت بسعد الحريري إلى رئاسة الوزراء. يجب أن يُنظر إلى هذا المزاج السائد بين السياسيين على أنه نافذة من الفرص.
أبرزت التطورات البرلمانية والانتخابية خلال السنوات القليلة الماضية كما لم تفعل من قبل المدى الذي يرتكز عليه التعبير السياسي في لبنان على التمثيل الطائفي. وليس هذا وضعا عابرا في الشأن اللبناني وإنما أسلوب منهجي، فالسلطة عند الطائفة الشيعية تتواجد بشكل كامل تقريبا في أيدي ثنائي حزب الله - أمل، وتسيطر أسرة الحريري وحركة المستقبل التابعة لها على الطائفة السنية، ومازال وليد جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي التابع له على رأس الطائفة الدرزية. أما الجالية المسيحية فهي متأرجحة بين حزب القوات اللبنانية التابع لسمير جعجع (وهو جزء من تحالف 14 آذار) أو حركة الوطنيين الأحرار بقيادة ميشال عون (التابعة لتحالف 8 آذار بقيادة حزب الله).
وفي الوقت الذي أدى فيه هذا الاستقطاب إلى نزعة متزايدة نحو سياسة رضا متبادل بين الزعماء السياسيين، إلا أنها قامت كذلك وبشكل لا مناص منه بترسيخ السياسة الطائفية بشكل أعمق، نفسيا وعمليا على حد سواء. ويأتي هذا رغم حقيقة أن اتفاقية الطائف، التي وضعت حدا للحرب الأهلية التي استمرت 15 سنة في لبنان في العام 1990 وتشكل اليوم جزءا من الدستور اللبناني، تنادي بوضع حد للحكم الطائفي أو حكم المجموعة.
ينص الدستور (المادة 95 فقرة 2) على فترة انتقالية يتم فيها «تمثيل المجموعات الطائفية بأسلوب عادل ومتساوٍ عند تشكيل مجلس الوزراء». وبهذا يتوجب على أي حكومة أن تمثل المجموعات الطائفية الرئيسية الأربع، الشيعية والسنية والدرزية والمسيحية، حتى لو لم تشترك جميعها في الأجندة السياسية.
نتيجة لذلك تخضع جميع القرارات السياسية للتفاوض أو حتى المقايضة وعقد الصفقات، وتحكمها عملية تسوية ووصول إلى حلول وسطى. وتكمن المشكلة في أن غياب قدرة الحكومة على القيادة، من ناحية يحدّ من إمكانات الإصلاح ويجعل نشاط الحكومة يقتصر في أفضل الحالات على إدارة الأزمات.
يتوجّب على النخب وقادة المجموعات المختلفة أن يدركوا أنه في غياب إصلاحات بعيدة المدى، سوف تبقى الدولة اللبنانية غير قادرة على العمل. يتوجب على زعماء المجموعات هؤلاء أن يجتمعوا حول أجندة مشتركة وأن يطلقوا حملة إعلامية يُشركوا فيها وبشكل مباشر الزعماء السياسيين حول الضرورة المُلزِمة بتقوية المؤسسات السياسية للدولة وزيادة الوعي لدى الجمهور حول كلفة الاستمرار في طريق الشلل المنهجي.
ومن الأماكن الجيدة لمباشرة هذه العملية الإصلاح المعمّق للقطاع العام والقضاء، وذلك بمنع الشللية وتفضيل الأصدقاء والأقارب، والتشارك في السلطة بين الزعامات السياسية نيابة عن طائفة كل منهم. ويجب أن تكون الخطوة الثانية إصلاحا شاملا لقانون الانتخاب بهدف إيجاد نظام تصويت متناسب: تكون هناك في البداية جولة لانتخاب عضو واحد لكل منطقة انتخابية من المناطق الـ 128 القائمة حاليا، وهو العدد الحالي لأعضاء البرلمان، تليها جولة حاسمة تقسَم فيها الدولة إلى مناطق انتخابية ذات حجم متوسط، مكونة بشكل نسبي من ستة إلى ثمانية مقاعد، مع خيار ترتيب هؤلاء المرشحين حسب الأولوية أو الأفضلية.
يتمتع هذا القانون بمستويين من الفوائد، أولهما أن المواطنين اللبنانيين سوف يصوّتون على أسس سياسية وليس طائفية أو مجتمعية، وثانيهما أن هذا القانون سوف يخفف من أو يزيل السيطرة الخانقة للغالبية الدينية على أية مجموعة أو منطقة انتخابية. والواقع أن الجولة الأولى من التصويت سوف تضع الكرة بشكل واسع في ملعب الناخبين وستسمح لهم بالتصويت لصالح مرشحيهم المفضلين، بينما يترك النظام النسبي للمرحلة الثانية المجال لتحالفات سياسية غير طائفية في المناطق الانتخابية ذات الحجم المتوسط.
وكلما ازداد حجم المنطقة الانتخابية ازدادت احتمالات تفاعل المواطنين من طوائف مختلفة لإيجاد هدف مشترك. يتوجب بالضرورة على أي مرشح يحتاج لأن يفوز في مجال متنوع من الناخبين داخل منطقته (أو منطقتها) الانتخابية أن يتنازل عن الجدل الطائفي أو المجتمعي المحلي وأن يتحرك قدما نحو طرح وطني أكثر اتساعا.
بهذا الأسلوب سوف يسود المناخ التوافقي السائد ويضع أسس جمهورية ديمقراطية دائمة قادرة على البقاء.
العدد 2785 - الأربعاء 21 أبريل 2010م الموافق 06 جمادى الأولى 1431هـ