أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمس (الأربعاء) أمر اعتقال ضد الرئيس السوداني عمر البشير بتهم ارتكاب ج
04 مارس 2009
وأمر الاعتقال هو الأول الذي تصدره محكمة دولية ضد رئيس في سلطة منذ إنشائها في العام 2002. ومن جهتها، أعلنت الحكومة السودانية رفضها التام للقرار الذي أثار ردود فعل عربية غاضبة. وقال وزير الدولة السوداني للشئون الخارجية علي كرتي إن الخرطوم «تعلن رفضها التام لقرار المحكمة لأن السودان ليس عضوا فيها وليست للمحكمة ولاية على السودان». وأضاف الوزير أن البشير سيحضر قمة الدوحة العربية ويقوم بمهماته وواجباته على رغم صدور المذكرة. وعلى الفور تظاهر آلاف السودانيين ضد القرار.
في المقابل، أعلن البيت الأبيض أن أيّا كان المسئولون عن «الفظائع» في دارفور يجب أن يحاسبوا. لكن الجامعة العربية أعربت عن «انزعاجها الشديد» وأكدت تضامنها مع السودان في أهليته في إحقاق العدالة.
في البحرين، استنكر النائب الأول لرئيس مجلس النواب، غانم البوعينين بشدة مذكرة الاعتقال وحذّر من الخطورة الشديدة التي تحملها على السودان والبلدان العربية.
الوسط - المحرر السياسي
دخل الرابع من مارس / آذار 2009 (يوم أمس الأربعاء) في التاريخ، إذ إنه اليوم الذي تم فيه تفعيل «سلطة دولية جديدة» ربما تنافس مجلس الأمن الدولي مستقبلا، وهي المحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر أعلى سلطة قضائية على مستوى العالم. ففي الوقت الذي يرى فيه البعض بأن تفعيل هذه السلطة الجديدة على السودان يأتي ضمن السياق العالمي المنحاز ضد العرب والمسلمين، إذ يتم تطبيق القرارات الدولية على العرب والمسلمين فقط، والآن يتم تدشين أخطر قرار قضائي دولي على العرب أولا أيضا، فيما يغض العالم طرفه عن حكومة «اسرائيل» التي ترتكب الجرائم ضد الشعب الفلسطيني.
آخرون يرون في تفعيل المحكمة الجنائية الدولية انتصارا للعدالة، وأن عهد الطغاة قد ولّى وأن على كل مستبد يرتكب الجرائم الممنهجة ضد شعبه ان ينتظر مصيره أمام مؤسسة دولية جديدة بدأت بالسودان، ولن تتوقف عن تنفيذ إرادتها ضد أي جهة أخرى توجه لها تهم مماثلة.
المحكمة الجنائية الدولية هي أول محكمة دولية «دائمة» مكلفة بالنظر في «جرائم الحرب والإبادة والجرائم بحق الإنسانية»، وقد بدأت بالنظر في قضية دارفور السودانية منذ العام 2005 بموجب قرار صادر عن «مجلس الأمن الدولي»، وذلك عملا بـ «اتفاقية روما»، وهي النص التأسيسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي ينص على أن صلاحية المحكمة الجنائية الدولية تشمل الدول غير الموقعة على الاتفاقية مثل السودان، في حال كلفها مجلس الأمن بالملف.
أحال مجلس الأمن الدولي في مارس/ آذار 2005 أول قضية إلى المدعي العام، عوفي 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2008، طلب المدعي العام إصدار مذكرات توقيف بحق ثلاثة قادة متمردين لم يكشف عن هويتهم بتهمة ارتكاب جرائم حرب، للاشتباه بأنهم قادوا هجوما قتل خلاله 12 جنديا من قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي في 29 سبتمبر/ أيلول 2007 في بلدة هاسكانيتا في دارفور. ولم يبت القضاة بعد بهذا الشأن.
وفي مايو/ أيار 2007، أصدر قضاة المحكمة الجنائية الدولية بطلب من مورينو أوكامبو مذكرات توقيف بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية ضد وزير الشئون الإنسانية أحمد هارون وزير الداخلية سابقا، وزعيم ميليشيا الجنجويد الموالية للحكومة علي كوشيب.
ورفض البشير على الدوام تسليم الرجلين، مؤكدا أنه سيشكل بنفسه محكمة قادرة على محاكمتهما. ومن غير المؤكد إطلاقا أن يمثل الرئيس السوداني ولا سواه من المشتبه بهم السودانيين أمام قضاة المحكمة الجنائية إذ إنها لا تملك شرطة خاصة بها ولا يسعها سوى التعويل على إرادة الدول من أجل تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عنها.
ونجح المدعي العام للمحكمة لويس مورينو أوكامبو أمس (الأربعاء) في استصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير، وطالب أيضا بتوقيف خمسة سودانيين آخرين.
مباشرة بعد إصدار مذكرة التوقيف، أعلنت حركة العدل والمساواة، كبرى حركات التمرد في دارفور التي وقعت اتفاقا مع الخرطوم، أنه لم يعد من الممكن التفاوض مع الحكومة السودانية بعد صدور مذكرة التوقيف في حق الرئيس السوداني.
وقال سكرتير الشئون السياسية في الحركة أحمد تقد لسان «لا أعتقد أنه سيكون من الممكن أخلاقيا أن نتفاوض مع شخص ارتكب جرائم في دارفور وفقد شرعيته». وأضاف «الحقيقة أن الحكومة السودانية ليست لديها القوة لتحقيق السلام والاستقرار في دارفور».
وكانت حركة العدل والمساواة قد وقعت مع الخرطوم اتفاقا في الدوحة الشهر الماضي يمهد الطريق لمفاوضات سلام موسعة لإنهاء 6 أعوام من الحرب الأهلية في دارفور أوقعت قرابة 300 ألف قتيل بحسب الأمم المتحدة، و10 آلاف وفق الخرطوم.
إلى ذلك، قالت منظمة «هيومان رايتس ووتش» ومقرها نيويورك إن قرار المحكمة الجنائية الدولية يشير إلى أن «حتى هؤلاء الذي يتولون أعلى المناصب ليسوا بمنأى عن المحاسبة بشأن (ارتكابهم) عمليات قتل جماعية واغتصاب وتعذيب».
وقال مدير برنامج العدل الدولي في المنظمة المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان ريتشارد ديكر في بيان «حتى الرؤساء ليسوا محصنين ضد المحاسبة جراء اقتراف الجرائم المروعة».
وأضافت برون خلال استعراضها لموقف المنظمة إزاء قرار المحكمة أن «الرسالة الموجهة إلى دارفور، وإلى العالم كله، تتمثل في أن أي إنسان تحوم حوله شبهات قوية بارتكاب جرائم مروعة، ستقام ضده دعوى بغض النظر عن سلطته أو هويته».
ومن جانبه، دعا وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند السلطات السودانية إلى التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت مذكرة توقيف البشير.
وأعلن ميليباند في بيان له: «إننا ندعم العملية المستقلة التي أدت إلى هذا القرار الذي نحترمه بشكل كامل، إننا كنا دائما ندعو الحكومة السودانية إلى التعاون مع المحكمة، نأسف بشدة لأن الحكومة لم تأخذ على محمل الجد تلك الاتهامات ولم تفتح مناقشات مع المحكمة ونجدد اليوم دعوتنا لذلك التعاون».
و دعا وزير الخارجية البريطاني «كل أطراف النزاع في السودان والمنطقة إلى دعم» الجهود الرامية إلى حل النزاع في دارفور.
إلى ذلك استنكر النائب الأول لرئيس مجلس النواب، رئيس جمعية الأصالة الإسلامية النائب غانم البوعينين بشدة مذكرة الاعتقال التي أصدرتها محكمة الجنايات الدولية بحق رئيس الجمهورية السودانية عمر البشير ودعا القادة العرب إلى عدم الاعتراف بها والتحرك الجماعي لتفعيل قرار الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية برفض مذكرة التوقيف وعدم التعاون مع المحكمة، وإعطاء البشير حرية الحركة في العالم العربي وإفريقيا على الأقل.
وحذر البوعينين في بيان تلقته «الوسط» أمس (الأربعاء) من الخطورة الشديدة التي تحملها مذكرة الاعتقال على السودان والبلدان العربية، وخاصة أنها نتجت عن مؤامرة كان أبرز أعضائها المدعي العام لويس مورينو أوكامبو، وذلك بالتنسيق مع الولايات المتحدة وقوى معادية للسودان.
وأضاف البوعينين «إن صدور هذه المذكرة يدل على أن المحكمة الجنائية الدولية قد فقدت مصداقيتها القضائية نهائيا»، وإن ولاية المحكمة الجنائية الدولية لا تمتد للدول التي لم توقع على المعاهدة التي أنشأتها، والسودان إحدى الدول التي لم توقع على هذه المعاهدة، لذلك فإنه ليس من حق المحكمة إصدار هذه المذكرة بحق الرئيس السوداني. ولو كانت هناك مصداقية فعلا لدى المحكمة لقامت بالتحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة (ديسمبر/ كانون الأول 2008) وخاصة أن هناك أكثر من 130 منظمة دولية طالبتها بذلك ولكن المدعي العام أوكامبو يدّعي أن «إسرائيل» لم توقع على المعاهدة (مثل السودان) ولا ولاية للمحكمة عليها.
وأصدر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بيانا أمس جاء فيه «أصدرت المحكمة الجنائية الدولية اليوم أمرا بالقبض على الرئيس عمر حسن البشير، رئيس جمهورية السودان، لمسئوليته المزعومة عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور. ويقر الأمين العام بسلطة المحكمة الجنائية الدولية كهيئة قضائية مستقلة، وإن الأمين العام لعلى ثقة في أن الحكومة السودانية سوف تتناول قضايا السلام والعدل بأسلوب يتفق مع قرار مجلس الأمن رقم 1593 لعام 2005، وأن الأمم المتحدة ستواصل القيام بعملياتها الحيوية في مجالات حفظ السلام والأنشطة الإنسانية وقضايا حقوق الإنسان والتنمية في السودان.
ويطالب الأمين العام حكومة السودان بمواصلة التعاون الكامل مع كافة مؤسسات الأمم المتحدة وشركائها الفاعلين، مع الوفاء بالتزاماتها نحو سلامة وأمن موظفي الأمم المتحدة وممتلكاتها، وتلك الخاصة بشركائها العاملين. ويدعو الأمين العام جميع الأطراف للعمل بنية حسنة من أجل التوصل إلى حل سياسي لإنهاء الصراع في درافور، كما يدعو كل أطراف اتفاق السلام الشامل إلى الإلتزام مجددا بالتطبيق الكامل - ووفقا للجدول الزمني - للإتفاق، الذي سيظل هو الأساس للسلام والأمن على المدى الطويل في السودان.
شهد مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية أمس، مؤتمرا صحافيا لوزير الخارجية السوداني علي أحمد كرتي، الذي أكد رفض الخرطوم لهذه المذكرة، مشددا على أن الرئيس البشير سيمارس مهامه كرئيس للجمهورية السودانية كالمعتاد.
كما أكد كرتي أن الرئيس السوداني سيشارك في القمة العربية التي ستُعقد أواخر الشهر الجاري بالعاصمة القطرية (الدوحة)، رغم تحذير المدعي العام للمحكمة الدولية، لويس أوكامبو، من أنه سيتم اعتقال البشير أثناء سفره إلى أي دولة عن طريق الجو.
وحذر وزراء الخارجية العرب خلال اجتماعهم ضمن أعمال الدورة الـ131 لمجلس وزراء خارجية الدول العربية أمس من «الآثار الخطيرة» على السودان والمنطقة. ووصف بيان صدر بعد الاجتماع، القرار بأنه «محاولة تسييس مبادئ العدالة الدولية»، كما حذر من «التداعيات الخطيرة» التي تهدد عملية السلام الجارية في السودان، جراء أي قرار تصدره الدائرة التمهيدية للمحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس السوداني.
كما أعربت مصر عن شعورها بـ«انزعاج شديد» بسبب قرار المحكمة توقيف الرئيس السوداني عمر البشير، وحذرت من التداعيات السلبية المحتملة لهذا القرار على مستقبل تنفيذ اتفاق السلام الشامل، وجهود تفعيل العملية السياسية في دارفور وعلى استقرار الأوضاع في السودان. ودعا وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط مجلس الأمن الدولي إلى تحمل مسئولياته تجاه حفظ السلم والاستقرار في السودان، كما دعا إلى اجتماع عاجل لإجراء «نقاش بناء يستهدف التعامل الشامل مع التحديات القائمة في السودان، واتخاذ قرار بطلب تفعيل المادة 16 من النظام الأساسي للمحكمة، لتأجيل تنفيذ قرار التوقيف».
كما اعتبر الاتحاد الإفريقي القرار بأنه يشكل تهديدا للسلام في السودان. كما جدد الاتحاد، على لسان مبعوثه إلى الخرطوم، علي عبدالسلام التريكي (الوزير الليبي المكلف للشئون الإفريقية) تهديده بانسحاب 38 دولة إفريقية موقعة على «ميثاق روما»، من عضوية المحكمة الجنائية.
وفي موسكو، عبرت الخارجية الروسية عن قلق روسيا من احتمال توتر الوضع في السودان نتيجة صدور قرار عن المحكمة الجنائية الدولية بشأن اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير.
أما الولايات المتحدة الأميركية، التي دعت السودانيين إلى «ضبط النفس»، فقد حذرت في الوقت نفسه من تعرض الأجانب أو المصالح الغربية لهجمات من قبل المتظاهرين الغاضبين بسبب قرار المحكمة الدولية.
تأسست محكمة الجنايات الدولية بموجب «اتفاقية روما»للعام 1998. وقد ولدت المحكمة في1 يوليو 2002 بعد مصادقة 60 دولة (أصبح الآن عدد المصدقين 108 دول).
وقد وقعت 13 دولة عربية (من بينها البحرين) ولكن صدقت دولتان عربيتان فقط، هما الأردن وجيبوتي، أما الدول الأخرى فان توقيعها غير ملزم الا بعد ان يصدر كقانون في الجريدة الرسمية.
الولايات المتحدة الأميركية لم تعترف بها، خوفا من ملاحقة ومحاكمة مواطنين أميركيين.
وكان الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون قد وقع على المعاهدة عام 2000، غير أن الكونغرس لم يقر الاتفاقية، مما يعني عمليا أن الولايات المتحدة ليست شريكا فيها.
وعاد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بالإعلان عام 2002 أنه لن يدعم الاتفاقية، وإن كان لن يعرقل عمل المحكمة.
وبحسب الاختصاصيين، فان اللجوء لمحكمة الجنايات الدولية يتطلب أن تبادر دولة (عضو في اتفاقية روما للعام 1998 التي أسست محكمة الجنايات الدولية) إلى تحريك دعوى ضد دولة أخرى (ايضا عضو في الاتفاقية).
يبرر الخبراء الحاليون عدم رفع قضية ضد حكومة «اسرائيل» لأن منظمة التحرير الفلسطينية، أو اي جهة فلسطينية أخرى، لا تستطيع أن تحرك دعوى؛ لأنها ليست دولة، كما أنها لا تستطيع أن توقع ميثاق روما؛ لأنها ليست دولة كذلك. كما ان الأردن، مثلا، لا يستطيع ان يشتكي على «اسرائيل»، لأن كلا من الأردن و«اسرائيل» ليسا عضوين في اتفاقية المحكمة.
هناك طريقة أخرى للوصول إلى محكمة الجنايات الدولية، وهي استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، بموجب الفصل السابع، يوجه المجلس فيه الادعاء العام، للبدء في التحقيق بالجرائم، كما حصل في قضية دارفور، والتحقيق مع الرئيس السوداني.
وكانت لمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «إيسيسكو» قد قالت في بيان سابق ان على دولَ العالم والمنظمات الدولية والإقليمية والمؤسسات والجمعيات والروابط الحقوقية، القيام بالإجراءات اللازمة، في تحرك دولي واسع، من أجل وضع ملف كامل عن جرائم «إسرائيل» ضدّ الإنسانية في الأراضي الفلسطينية أمام محكمة الجنايات الدولية.
وأوضحت الإيسيسكو المبررات القانونية لمحاكمة قادة «إسرائيل» باسم القانون الدولي ضدّ الجرائم الرهيبة التي ترتكبها على مسمع ومرأى من العالم، وذكرت منها قتل الأطفال والنساء عمدا، وقصف المساجد والمؤسسات التعليمية والمنازل وفرق الإنقاذ الطبي والمؤسسات التابعة لوكالة غوث اللاجئين الدولية، والحصار الخانق والتجويع لأكثر من مليون ونصف المليون من المواطنين الفلسطينيين وتدمير محطات الكهرباء والماء والصرف الصحي، ورفضها النداءات الدولية بوقف عدوانها ومجازرها البشعة.
غير ان مثل هذه النداءات الاسلامية لايمكن ان تصل الى محكمة الجنايات الدولية عبر مجلس الأمن الدولي، لان الفيتو الاميركي سيمنع ذلك بالتأكيد.
ويشير الخبراء الى ان مسألة المحكمة الجنائية الدولية تشكل مثالا حيا لمدى تداخل وتشابك السياسة والقانون ... «ومعروف أن السياسيين يصنعون القانون، وكذلك فان القانون يصنع السياسة وينظم العلاقات خاصة في مجال القانون الدولي وفي بعض القوانين الداخلية للدول المتقدمة».
ولفهم طبيعة المحكمة الجنائية الدولية وقرار مجلس الأمن الدولي بإحالة مرتكبي جرائم دارفور للمحكمة الجنائية الدولية والآثار المترتبة عليه، يشير الخبراء الى الإستقراء التالي :
* في عام 1919 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ظهرت فكرة «جرائم ضد الإنسانية» في بنود معاهدة فرساي.
* عام 1945 أنشأت القوى المتحالفة محكمتي نورمبيرغ وطوكيو لمحاكمة النازيين واليابانيين.
* في 1950 جرت محاولات في إطار الأمم المتحدة لوضع مشروع نظام أساسي لمحكمة جنائية دولية دائمة لأول مرة.
* 1973 وقعت الدول اتفاقية محاربة الفصل العنصري ووافقت فيها على تجريم الفصل العنصري على إمكانية تقديم الأشخاص المتهمين بارتكاب تلك الجريمة إلى محكمة جنائية دولية.
* 1980 تم وضع مشروع نظام أساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلا أن ذلك المشروع لم ير النور إلا في التسعينات.
وخلال هذه الفترة ظهرت الكثير من المعوقات منها ما هو فني يتعلق بعدم الاتفاق على أركان بعض الجرائم ومنها ما هو سياسي يتعلق بموقف بعض الدول وتخوفاتها من المحكمة الجديدة.
قبل ظهور المحكمة شهد العالم ظهور بعض المحاولات لمحاكم جنائية دولية ولكن خاصة بجرائم معينة فقط Ad Hoc Tribunal ومنها محكمتا يوغسلافيا ورواندا.
وليس من اختصاص هذه المحاكم تطبيق عقوبة الإعدام. وقد وافقت خمس دول (ايطاليا، بنين، فرنسا، مالي، سوازيلاند) على استضافة المحكوم عليهم في سجونها.
كذلك تختلف هذه المحاكم الخاصة عن المحكمة الجنائية الدولية لأنها محاكم هي مؤقتة و يتم تحديد اختصاص كل منها نوعيا ومكانيا و زمانيا، كم يتم تحديد صلاحيتها بموجب قرار تشكيلها بواسطة مجلس الأمن.
ونتيجة لضغط كبير من المنظمات الدولية التي شاركت في مؤتمر منع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد في 1990 انصرفت أنظار العالم لضرورة وجود آلية قضائية دولية لتنظر في الجرائم التي تشكل خطورة على الإنسانية وضرورة مساءلة الأفراد العاديين والمسئولين ذوي الحصانات.
وتطور الأمر د اخل لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة وأخذ يتسارع نحو إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة. وتم إعداد مشروع نظام أساسي انتهى العمل فيه عام 1994.
وبعدها دعا الأمين العام للأمم المتحدة دول العالم إلى مؤتمر دبلوماسي لإقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة في يوليو 1998 في روما.
وتم التوقيع على النظام الأساسي وإقراره كوثيقة دولية أو اتفاقية دولية في هذا المؤتمر.
السودان شارك بفعالية بوفده في أعمال المؤتمر وصوت لصالح النظام الأساسي للمحكمة ضمن هذه الدول. كما شارك على مدى سبع سنوات في الاعمال التحضيرية للمحكمة، وساهم في الصياغة وضبط الترجمة للنصوص.
وعارضت إنشاءها بعض الدول على رأسها الولايات المتحدة و«إسرائيل» والصين والهند. ولم تكتف الولايات المتحدة بمعارضتها تلك بل عملت على استصدار قرارات تؤمن موقف جنودها وموظفيها العاملين في الخارج. فقد أصدر مجلس الأمن القرارين رقم 1487 و 1422 لاستثناء الجنود الأميركان والعاملين في قوات حفظ السلام الدولية من المثول أمام هذه المحكمة، و لتطمين الولايات المتحدة على عدم خضوعها لهذه المحكمة التي تعارضها.
وبحسب اتفاقية روما فان المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة مستقلة و دائمة تحاكم أشخاصا متهمين بجرائم خطيرة تكون موضع اهتمام دولي، من قبيل جرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. والمحكمة الجنائية الدولية هي المؤسسة القضائية الجنائية الدولية الدائمة الوحيدة ومقرها في لاهاي ولها مكاتب دائمة، وموظفون، ولها موازنة مستقلة عن الأمم المتحدة تعتمد بشكل أساسي على التبرع والدعم الدولي.
السفارة السودانية - المنامة
صدر أمس عن السفارة السودانية في البحرين مجموعة ملاحظات بشأن مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس عمر البشير.
وهنا نص البيان:
-1 إن حكومة الوحدة الوطنية تأسف للحالة المتردية من ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين التي وصلت لها أجهزة العدل الدولية مدعومة ومدفوعة من قبل دولة أضحت هي المسيطرة على مجلس الأمن الدولي تحرك من خلاله خيوط اللعبة وفق أهوائها ومصالحها.
-2 إن القرار الذي أصدرته المحكمة يعد سابقة قضائية تتعلق بمحاولة محاكمة رئيس شرعي ومنتخب مازال على سدة الحكم ويمارس أعماله وهذا يدل على أن هذه المحكمة أصبحت سيفا مسلطا بيد أميركا وفرنسا وبريطانيا تستخدمه ضد الدول الضعيفة طمعا في ثرواتها وتكريسا لأطماعها الجيوسياسية.
-3إن المحكمة الجنائية الدولية هي جسم منشأ بموجب معاهدة دولية وليست جزاء من منظومة الأمم المتحدة أو أحد أجهزتها. أما أمر انعقاد الاختصاص للمحكمة الدولية عن طريق الإحالة من مجلس الأمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة هو أمر نص عليه النظام الأساسي للمحكمة ولم ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة.
كما أن مواد الفصل السابع لا تخول مجلس الأمن هذا الحق وخاصة إذا كانت مسألة تهديد الحالة في دارفور للسلم والأمن الدوليين مسألة مستبعدة وتشوب الأخذ بها شائبة التسييس من قبل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. تأسيسا على ما سبق يكون قرار الإحالة باطلا ويجوز للسودان كدولة عضو في الأمم المتحدة بتفعيل هذا الإجراء بطلب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة.
كما أن نص المادة 13 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ينطبق على الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة والسودان ليس طرفا فيها وليس في نص المادة 13 ما يفيد بانطباقها على الدول غير الأطراف.
-4 إن محكمة الجنايات الدولية فصلت خصيصا لدول العالم الثالث وبصفة خاصة للدول الإفريقية، فقد أطلق الغرب يده مستغلا إمكانياته الدعائية الضخمة ومستغلا منظماته غير الحكومية في تصوير كل ما يحدث في إفريقيا بأبشع الصور وصولا لتطبيق تمييز العدالة عليهم، ما حدا بالقادة الأفارقة إلى التحذير من إساءة استخدام مبدأ الاختصاص الجنائي العالمي. ويمكننا القول إن نسبة 80 في المئة من المحاكم الخاصة التي أنشأها مجلس الأمن في التسعينيات من القرن الماضي والمحكمة الجنائية الدولية التي أنشأت في العام 1998 موجه حتى اليوم ضد الأفارقة دون غيرهم، قادة كانوا أم مواطنين عاديين، وكأن الدول الغربية وأميركا ملائكة للسلام وأيديهم نظيفة من دماء الأبرياء.
إن الجرائم والمحارق التي ارتكبتها أميركا والدول الغربية مازالت آثارها باقية، وما ترتكبه الآن في العراق وأفغانستان وفلسطين يقف شاهدا ووصمة عار في جبينها وجبين منظمات حقوق الإنسان التي لم تحرك ساكنا أمام الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب المسلم في العراق وأفغانستان وفلسطين.
إن ما يثير التساؤل حقا أن الولايات المتحدة الأميركية والتي تتمترس بقوة في تأييدها لقرار محكمة الجنايات الدولية وتصفه بالنزيه هي نفسها ترفض الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية خوفا من أن يطال العقاب رؤسائها وقادة جيشها الذين تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ.
-5 وفي إطار ذات المخطط تم دمغ القادة الأفارقة في مختلف البلدان الإفريقية وخاصة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، أما لتصفية حسابات الاختلاف السياسي أو الإيديولوجي، إذ إن ما يوجه للدول الإفريقية من اتهامات لا يمكن أن توجه لغيرهم في بؤر من العالم تشهد أفظع المآسي والجرائم الإنسانية، ونحمد الله أن أجهزة الإعلام المرئي نقلت هذه المجازر في شتى البقاع على الهواء مباشرة، ففضحتهم وما أبقت شيئا.
-6 إن المحكمة الجنائية الدولية وهي تتلمس طريقها نحو إحراز القبول العالمي الواسع قد أخطأت هدفها منذ البداية عندما جعل المدعي العام مبدأ العدالة والسلام مثل خطين متوازيين لا يلتقيان وهذا أمر خطير يجب على المجتمع الدولي بكياناته المختلفة أن يعمل على تجنبه. إذ إن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية قد برمج على تفعيل مواد العاقب في القانون دون النظر إلى أهمية تحقيق السلام لأن ما يهمه هو تمرير الأجندة السياسية دون مراعاة للشعوب التي هي أحوج ما تكون للسلام أولا. فقد اختار أوكامبو أن يدير ظهره للتطورات الإيجابية في السودان التي حدثت خلال الفترة ما بين العامين 2005 و2006، حيث تم التوقيع في 2005 على اتفاق السلام الشامل الذي أنهى الحرب في الجنوب بعد اشتعالها أكثر من نصف قرن. وفي 2006 تم إبرام اتفاقية سلام دارفور بأبوجا التي وضعت أسس التسوية السلمية الشاملة لقضية دارفور باعتراف مجلس الأمن والمجتمع الدولي وشركاء السلام والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية والاتحاد الأوربي.
غير أن أوكامبو ولأسباب كثيرة غير موضوعية وغير قانونية اختار مواجهة درامية مع السودان، في حين أن 90 في المئة من دول العالم المنضوية تحت لواء منظمات الجامعة العربية، الاتحاد الإفريقي، منظمة المؤتمر الإسلامي، حركة عدم الانحياز وتجمع الدول الإفريقية الكاريبية الباسيفيكية لا ترى ما يراه أوكامبو. بل إن هذه المحكمة المسيسة تجاوزت كل النصوص وقواعد القانون الدولي عندما لم تأخذ بتقرير لجنة التحقيق الدولية عن دارفور التي شكلها مجلس الأمن الدولي والتي نفت ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية في دارفور. علما بأن لجان تحقيق المحكمة الجنائية لم تزر دارفور على الإطلاق.
في يوليو/ تموز 2004 عبّر الاتحاد الإفريقي عن قناعته بأن الوضع في دارفور لا يمكن وصفه بالإبادة الجماعية وذلك استنادا على تقارير مراقبيه الموجودين على الأرض في دارفور.
وفي أغسطس/ آب 2004 خلص الاتحاد الأوبي من خلال بعثة لتقصي الحقائق زارت دارفور إلى أنه «على رغم ارتكاب أعمال عنف دارفور إلا أن ليس ثمة دليل على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية».
هذا غيض من فيض التقارير والشهادات والإفادات التي أكدت بطريقة قاطعة عدم ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في دارفور.
-7 بحسب نص النظام الأساسي للمحكمة فهي تعتبر جهازا قضائيا مكملا لأجهزة القضاء المحلية أو بديلا لها في حالة عجزه، أما في حالة السودان فإنه الجهاز القضائي السوداني هو مؤسسة عريقة مشهود لها بالنزاهة والحيادية والاستقلالية على مر الأزمان والحكومات التي تعاقبت على السودان.
-8 إذا كان الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومجموعة دول عدم الانحياز والمجموعة الإفريقية الكاريبية الباسيفيكية كلها أرسلت مبعوثيها وأقرت بعدم وجود إبادة جماعية في دارفور وطالبت بإيقاف إجراءات المحكمة الجنائية الدولية، فكيف يستقيم أن يخرج علينا مدعي المحكمة بفرية أن المجتمع الدولي كله أقر بارتكاب جرائم إبادة جماعية في دارفور؟ أو ليس هذه المنظمات والتكتلات هي المجتمع الدولي؟ أما إذا كان المدعي العام قد نصب أميركا وبريطانيا وفرنسا ناطقا رسميا باسم المجتمع الدولي فهذا أمر يحتاج لوقفة حقيقية وحاسمة تضع الأمور في نصابها.
-1 يعيق الجهود الحالية التي تبذلها حكومة الوحدة الوطنية بالتعاون مع الدول الصديقة والمحبة للسلام والرامية لإيجاد حل نهائي وسياسي لقضية دارفور، وخاصة أن بوادر الحل قد بدأت تلوح في الأفق بتوقيع اتفاق حسن النوايا برعاية قطرية.
-2 يهدد بانفجار وتفاقم الأوضاع ليس في إقليم دارفور فحسب بل في كل الدول المجاورة لدارفور.
-3 من شأنه أن يرسل إشارات سالبة للحركات المتمردة في دارفور، ما يجعلها تتعنت للجلوس على طاولة المفاوضات.
-4 من شأنه أن يقوض اتفاقية السلام الشامل التي أنهت الحرب في جنوب السودان والتي استمرت لربع قرن من الزمان.
-5 يعيق الجهود المبذولة لإكمال عملية المصالحة ورتق النسيج الاجتماعي بين القبائل المتحاربة في دارفور.
-6 يوقف مسيرة التنمية وحركة الاستثمار التي يشهدها السودان.
-7 هذه السابقة الدولية إن تم تمريرها من شأنها أن تهدد كل الرؤساء في دول العالم الثالث وتمثل مهددا كبيرا لسيادة الدول وكرامة الشعوب.
-8 من شأنه أن يمنح الدول المسيطرة على مجلس الأمن الفرصة في تصفية حساباتها من رؤساء الدول غير المرضي عنهم أو أولئك الذين تتعارض مواقفهم مع مواقف تلك الدول.
-1 السودان غير معني بكل ما يصدر عن المحكمة من قرارات ولن يتعامل معها بأي شكل من الأشكال.
2 - السودان لا يقر بأي اختصاص للمحكمة عليه، إذ إن السودان ليس طرفا في المحكمة أو نظام روما الأساسي.
-3 لا تسليم لأي مواطن سوداني للمحكمة لتتم محاكمته خارج السودان.
-4 ستعمل حكومة الوحدة الوطنية على توحيد الجبهة الداخلية في مناقضة هذا القرار.
-5 ستواصل الحكومة جهودها لإحلال السلام الشامل في دارفور عبر التفاوض السياسي بالتعاون مع الدول الصديقة والمحبة للسلام.
-6 تنفيذ مستحقات السلام بما في ذلك إكمال عملية التحول الديمقراطي بالبلاد.
-7 تؤكد حكومة الوحدة الوطنية بالتزامها باتفاقية (فيينا) فيما يخص حماية مكاتب المنظمات والبعثات الدبلوماسية والقنصلية في السودان.
-8 ستواصل حكومة الوحدة الوطنية تعاونها مع الأمم المتحدة وكل المنظمات الدولية في كل ما من شأنه تحقيق الأمن والاستقرار في دارفور من دون المساس بسيادة البلاد.
-9 تؤكد الحكومة التزامها بحماية مواطنيها في كل التراب السوداني مع الاحتفاظ بكامل حقوقها الدستورية في ردع الحركات المتمردة في دارفور في حالة ترويعها للمواطنين أو المساس بالمكتسبات الوطنية.
-10ستتعاون الحكومة مع كل الجهات المحبة للسلام في إحباط المخطط الغربي الساعي للنيل من عزة وكرامة الشعب السوداني، والمحاولات الفاشلة لتفتيت التراب السوداني.
-11 ستستمر الحكومة في محاسبة من ثبت تورطهم في ارتكاب جرائم في دارفور مع التشديد على مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
-12 سترد الحكومة بحسم ومن دون تهاون على كل جهة خارجية أو داخلية تسول لها نفسها المساس برمز سيادة السودان أو أي مواطن سوداني. وتؤكد أن القوات المسلحة السودانية وجميع الأجهزة الأمنية والشُرَطية على أهبة الاستعداد للتصدي لأي عدوان أو محاولة عدوان.
قاسم حسين
في «منتدى ومعرض البحرين الأمني» الذي عقد الأسبوع الماضي، صرّح نائب رئيس تحرير صحيفة مصرية أن الرئيس السوداني عمر البشير لن يكون أمامه غير الاستقالة. وكان يستند في تقديره إلى ما سمعه عن أجواء زيارة الوفد المصري للخرطوم، الذي حاول إقناع البشير بالاستقالة. وتبيّن وجود عرضٍ من الإدارة الأميركية الجديدة بسحب مذكرة التوقيف مقابل عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية.
كانت هذه أمنية وحلمَ ليلةِ صيف، فما حدث هو في الاتجاه المضاد لكل الرغبات الأميركية والبريطانية والفرنسية. فالبشير استبق مذكرة اعتقاله بتدشين «سد مروي»، أكبر مشروع على النيل منذ إنشاء السد العالي في مصر. واختار أن يلقي خطابا عالي النبرة، افتتحه بمخاطبة الوجدان الديني لدى الإنسان السوداني، مترافقا بإعلان «مادي» عن خفض الرسوم على الكهرباء على المواطنين.
البشير الذي سيكمل بعد ثلاثة أشهرٍ عشرين عاما له في الحكم، استهل خطابه بسؤال الجموع الغفيرة: «ما الذي يغيظ الصليبيين غير الصلاة على النبي؟ صلّوا على النبيّ لتغيظوهم». وهكذا صدحت حناجر آلاف السوادنيين بالصلاة على النبي، بينما راح البشير يصبّ لعناته على الغرب الذي يريد إعادة السودان إلى ربقة الاستعمار وتعطيل عجلة التنمية وتجويع الشعب كما فعلوا حين منعوا عنه القمح... وتحدّاهم قائلا: «بلّوا القرار واشربوا ميّته».
عصر أمس، وكما كان متوقعا، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال البشير، وما يترتب عليها من احتمال اعتقاله عند سفره للخارج، وهو ما ردّت عليه الخارجية السودانية مباشرة بأن البشير سيشارك في مؤتمر الدوحة نهاية الشهر الجاري... وهذا أول رد فعلٍ في لعبة التحدي.
التقارير الصحافية حتى الآن تشير إلى التفافٍ كبيرٍ للشعب السوداني حول البشير، بعد أن تحوّل إلى رمزٍ للسودان، وهو عكس ما كان يخطط له الغربيون بفعل حساباتهم الخاطئة في فهم نفسيات شعوب المنطقة، وبالتالي يتخبّطون في سياساتٍ تزيد حدّة مشكلات المنطقة، من العراق وأفغانستان... إلى فلسطين ولبنان والصومال.
إن من الصعب أن يقتنع 360 مليون عربي، بأن البشير ارتكب جرائم حرب أكبر من جرائم جورج بوش في العراق، فقبل مثول البشير أمام المحكمة الجنائية، كان الأولى أن يمثل بوش أمامها لمسئوليته المباشرة عن مليون قتيل عراقي، إلى جانب اقتياد أكبر شركائه في الحرب، طوني بلير، الذي كوفئ بتعيينه في منصب دولي رفيع، ليلعب دور عرّاب السلام في اللجنة الرباعية!
المواطن العربي لا يمكن أن يستوعب أن يحاكم البشير، بينما هناك عصابةٌ من مجرمي الحرب الإسرائيليين، أشعلت حربين دمويتين خلال عامين، دمّرت في الأولى البنية التحتية لبلدٍ مستقل، ودمّرت في الثانية قطاعا محتلا منذ أربعين عاما، بمباركة أميركا وبريطانيا وبقية الحلفاء. وحين لمّح البعض في اسبانيا بملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة، صدرت تطمينات بتغيير القوانين لضمان إفلات أولمرت وليفني وباراك من الاعتقال.
روسيا اعتبرت قرار اعتقال البشير سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، بينما دعت أميركا إلى ضبط النفس... فهي تشعل الحرائق ثم تبدأ بالولولة والبكاء!
عالمٌ منافقٌ، يتحكّم فيه الأقوياء، والمحكمة الدولية التي عوّل عليها الضعفاء في الحصول على حقوقهم من الدول الاستعمارية، بدأت بملاحقة رئيس دولةٍ مبتلاةٍ بصراعاتٍ داخلية... بينما تركت بوش وتشيني ورامسفيلد الذين فرضوا حربا عالمية وأرسلوا «المارينز» للقتال في العراق وأفغانستان!
نص قرار المحكمة الجنائية الدولية باعتقال الرئيس السوداني
الوسط - المحرر السياسي
تلقت «الوسط» نسخة من نص القرار الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية باعتقال الرئيس السوداني عمر البشير، وجاء فيه: «أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية اليوم (أمس) أمرا بالقبض على الرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير لارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ويُشتبه في أن عمر البشير مسئول جنائيا، باعتباره مرتكبا غير مباشر أو شريكا غير مباشر، عن تعمد توجيه هجمات ضد جزء كبير من السكان المدنيين في دارفور بالسودان، وعن القتل والإبادة والاغتصاب والتعذيب والنقل القسري لأعداد كبيرة من المدنيين ونهب ممتلكاتهم. وهذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها المحكمة الجنائية الدولية أمرا بالقبض على رئيس دولة حالي.
وأشارت الدائرة التمهيدية الأولى إلى أن منصب البشير الرسمي كرئيس دولة حالي لا يعفيه من المسئولية الجنائية ولا يمنحه حصانة من المقاضاة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
ووفقا للقضاة، يُدّعى أن الجرائم المذكورة آنفا ارتكِبت أثناء حملة لمكافحة التمرد شنتها حكومة السودان على مدار 5 أعوام على حركة جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة وجماعات مسلحة أخرى معارضة لحكومة السودان في دارفور. ويُدعى أن هذه الحملة بدأت بُعيد الهجوم الذي شُنّ على مطار الفاشر في أبريل/ نيسان 2003 بموجب خطة مشتركة جرى الاتفاق عليها على أعلى مستويات السلطة السودانية بين عمر البشير وقادة سياسيين وعسكريين سودانيين آخرين رفيعي المستوى. وقد استمرت الحملة حتى 14 يوليو/ تموز على الأقل، وهو تاريخ إيداع طلب الإدعاء إصدار أمر بالقبض على عمر البشير.
تمثل أحد العناصر الأساسية لتلك الحملة في الهجوم غير المشروع على سكان دارفور المدنيين ممن ينتمون في معظمهم إلى جماعات الفور والمساليت والزغاوة التي تعتبرها حكومة السودان مقرّبة من الجماعات المسلحة المعارضة لحكومة السودان في دارفور. فكان ينبغي أن تشن قوات حكومة السودان، بما فيها القوات المسلحة السودانية وميليشيا الجنجويد المتحالفة معها وقوات الشرطة السودانية وجهاز والمخابرات الأمن الوطني ولجنة المساعدة الإنسانية، هجمات غير مشروعة على السكان المدنيين المذكورين.
ورأت الدائرة أن عمر البشير، بصفته فعليا وقانونيا رئيس دولة السودان والقائد الأعلى للقوات المسلحة السودانية فعليا، مشتبه بالقيام بتنسيق وضع خطة حملة مكافحة التمرد وتنفيذها. واستطرادا، رأت الدائرة أيضا أن هناك أسبابا معقولة للاعتقاد بأنه كان يسيطر على جميع فروع «جهاز» الدولة السودانية وأنه سخّر هذه السيطرة لضمان تنفيذ حملة مكافحة التمرد.
يتضمن أمر القبض على البشير 7 تهم استنادا إلى مسئوليته الجنائية الفردية بموجب المادة 25(3) (أ) من نظام روما الأساسي، هي الآتية:
- خمس تهم متعلقة بجرائم ضد الإنسانية: القتل - المادة 7(1) (أ)؛ الإبادة - المادة 7(1) (ب) (وهي ليست جرم الإبادة الجماعية المنصوص عليها في المادة 6)؛ النقل القسري - المادة 7(1) (د)؛ التعذيب - المادة 7(1) (و) والاغتصاب - المادة 7(1) (ز).
- تهمتان متعلقتان بجرائم حرب: تعمد توجيه هجمات ضد سكان مدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية - المادة 8(2) (هـ) (1)؛ والنهب - المادة 8(2) (هـ) (5).
الاستنتاجات المتعلقة بالإبادة الجماعية
رأت غالبية قضاة الدائرة، وخالفتها الرأي القاضية أنيتا أوشاسكا، أن المواد التي قدمها الإدعاء دعما لطلبه لم توفر أسبابا معقولة للاعتقاد بأن حكومة السودان تصرفت بقصد جرمي خاص لإهلاك جماعات الفور والمساليت والزغاوة إهلاكا كليا أو جزئيا. لذلك لا يتضمن أمر القبض على عمر البشير تهمة الإبادة الجماعية. مع ذلك، شدَّد القضاة على أنه إذا جمع الإدعاء أدلة إضافية، فلن يحول هذا القرار من دون قيام الإدعاء بتقديم طلب لتعديل أمر القبض كي يتضمن جريمة الإبادة الجماعية.
أصدر القضاة توجيهات بأن يقوم مسجل المحكمة، في أقرب فرصة ممكنة، بإعداد طلب تعاون من أجل القبض على عمر البشير وتقديمه إلى المحكمة، وإحالة الطلب إلى السودان والدول الأطراف في النظام الأساسي كافة وجميع أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة غير الأطراف في النظام الأساسي وكذلك إلى أية دولة أخرى بحسب الاقتضاء.
ورأى القضاة أنه، وفقا لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1593 والمادتين 25 و103 من ميثاق الأمم المتحدة، يجب أن يكون للالتزام الواقع على عاتق حكومة السودان بالتعاون الكامل مع المحكمة الأسبقية على أي التزام آخر ربما تكون دولة السودان قد ارتبطت به عملا بأي اتفاق دولي آخر.
كما رأت الدائرة التمهيدية الأولى كذلك على أن حكومة السودان رفضت رفضا منهجيا التعاون مع المحكمة منذ صدور أمرين بالقبض على وزير الشئون الإنسانية السوداني أحمد هارون وعلى علي كوشيب، القائد المحلي لميليشيا الجنجويد، بتاريخ 2 مايو/ أيار 2007.
وبناء على ذلك، شدّدت الدائرة على أنه، وفقا للمادة 87 (7) من النظام الأساسي وإذا ما واصلت حكومة السودان عدم الامتثال للالتزامات المذكورة آنفا بالتعاون مع المحكمة، فللدائرة المختصة أن «تتخذ قرارا بهذا المعنى»، وأن «تحيل المسألة (...) إلى مجلس الأمن».
فضلا عن ذلك، لاحظ القضاة أن منطوق قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1593 يحث جميع الدول، سواء كانت أطرافا في نظام روما الأساسي أم لا، وكذلك المنظمات الدولية والإقليمية صراحة على أن «تتعاون تعاونا كاملا» مع المحكمة.
الخرطوم - أ ف ب
على وقع هتافات «بالروح بالدم نفديك يا بشير»، سار الآلاف من السودانيين أمس (الأربعاء) في تظاهرات عبروا فيها عن تأييدهم للرئيس عمر البشير الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية. وكانت جموع جديدة تتدفق إلى العاصمة مع مغيب الشمس.
وواصل المتظاهرون هتافاتهم وبعضهم تعلو أصواتهم بالدعوة إلى الجهاد ضد الولايات المتحدة. ورفع المتظاهرون في الخرطوم صور الرئيس السوداني في حين قام بعضهم بالدوس على صور للمدعي عام المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو. وكرر المتظاهرون «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله»، ومعظمهم من الرجال الذين يرتدون الجلابية السودانية التقليدية، في حين تناوب السياسيون لإلقاء كلمات من على شرفة مبنى حكومي في وسط العاصمة.
وقال فخري عثمان إن «مذكرة التوقيف دليل على أن الغرب يكيل بمكيالين». ومن المقرر تنظيم تظاهرات أخرى مؤيدة للبشير في مدن أخرى وبالقرب من السفارات الأميركية والفرنسية ومقار الأمم المتحدة. ودعت السفارات، وخصوصا البريطانية، رعاياها إلى تخزين الماء ومواد تموينية تحسبا من إعلان حظر للتجول ولتفادي الأماكن العامة التي يزورها الأجانب عادة في الخرطوم، وحيث توجد مكاتب للمنظمات غير الحكومية الناشطة في السودان. كما أوصت الخارجية الأميركية رعاياها بتفادي السفر إلى الخرطوم.
ونبهت وزارة الخارجية الكندية مواطنيها من خطر التعرض لهجمات قد تهدد الأجانب في السودان. ودعت وزارة الخارجية الفرنسية إلى تفادي الذهاب إلى السودان. أما الفرنسيين الموجودين فيه، فطلبت منهم التحلي بأكبر قدر من الحيطة والحذر. ويتوقع أن تستمر تظاهرات التأييد للرئيس البشير خلال الأيام المقبلة في الخرطوم ومعاقله التقليدية في الشمال.
أعلن رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي جان بينغ لوكالة فرانس برس أن مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية «تهدد السلام في السودان».
وقال بينغ «لقد علمت للتو بقرار المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني، ويهمني أن أوضح أولا أن موقف الاتحاد الإفريقي هو أننا مع مكافحة الإفلات من العقاب، ومن غير الوارد لدينا ترك مرتكبي الجرائم من دون عقاب».
وأضاف «لكننا نقول إن السلام والعدالة يجب ألا يتعارضا، وإن مقتضيات العدالة لا يمكن أن تتجاهل مقتضيات السلام»، مؤكدا أن قرار المحكمة الجنائية الدولية «يهدد السلام في السودان».
وسبق لدول الاتحاد الإفريقي الـ53 أن أعلنت هذا الموقف مرارا.
حذر الجيش السوداني أمس (الأربعاء) من أنه سيتعامل بحزم مع المتعاملين مع المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت مذكرة جلب بحق الرئيس عمر البشير.
وقال الناطق باسم القوات المسلحة العميد الركن عثمان الأغبش «إن القوات المسلحة ستتعامل بالحسم مع كل من يتعامل مع ما يسمى بالمحكمة الجنائية الدولية ويتخذ منها منبرا للابتزاز السياسي وزعزعة الأمن والاستقرار في البلاد».
ونفى الأغبش في تصريح نقلته الإذاعة السودانية «ادعاءات» المدعي العام للمحكمة لويس مورينو اوكامبو «بضلوع ضباط القوات المسلحة في ارتكاب جرائم حرب في دارفور»، وأشار إلى أن «القوات المسلحة تعمل بمهنية واحترافية عالية وتملك من المؤسسات العدلية ما يمكنها من معاقبة كل من يخالف القانون».
باريس - أ ف ب
أعلنت منظمة أطباء بلا حدود الأربعاء أنها تلقت أمرا من الحكومة السودانية بإجلاء موظفيها الأجانب من دارفور، وذلك قبيل ساعات من صدور القرار.
وأوضحت المنظمة غير الحكومية الفرنسية على موقعها الإلكتروني أن «الحكومة السودانية أمرت أطباء بلا حدود بإجلاء موظفيها الدوليين العاملين في عدد من برامجها في غرب وجنوب دارفور في 4 آذار/مارس كحد أقصى». وأعربت المنظمة عن «قلقها على مصير سكان» هذه المنطقة الواقع في غرب السودان والتي تشهد حربا أهلية. وأوضحت أطباء بلا حدود لوكالة فرانس برس أن نحو 70 من موظفيها الأجانب والسودانيين ممن يتحدرون من مناطق خارج دارفور تم إخلاؤهم الثلثاء من مناطق زالنجي ونيرتيتي والمهاجرية وكلمة.
أعلنت حركة العدل والمساواة كبرى حركات التمرد في دارفور التي وقعت اتفاقا مع الخرطوم، أنه لم يعد من الممكن التفاوض مع الحكومة السودانية بعد صدور مذكرة التوقيف في حق الرئيس السوداني.
وقال سكرتير الشئون السياسية في الحركة أحمد تقد لسان «لا أعتقد أنه سيكون من الممكن أخلاقيا أن نتفاوض مع شخص ارتكب جرائم في دارفور وفقد شرعيته». وأضاف «الحقيقة أن الحكومة السودانية ليست لديها القوة لتحقيق السلام والاستقرار في دارفور».
ووقعت حركة العدل والمساواة مع الخرطوم اتفاقا في الدوحة الشهر الماضي يمهد الطريق لمفاوضات سلام موسعة لإنهاء 6 أعوام من الحرب الأهلية في دارفور أوقعت قرابة 300 ألف قتيل بحسب الأمم المتحدة، و10 آلاف وفق الخرطوم.
القاهرة - أ ف ب
أكد وزير الدولة للشئون الخارجية السوداني علي أحمد كرتي الأربعاء أن الرئيس عمر البشير سيحضر قمة الدوحة العربية ويقوم بمهامه وواجباته على رغم صدور مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بتوقيفه.
وقال الوزير السوداني قبيل انعقاد جلسة استثنائية لوزراء الخارجية العرب للخروج بموقف من مذكرة توقيف البشير، إن قرار المحكمة الجنائية «لن يكون له أي أثر على الرئيس السوداني الذي سيواصل مهامه بشكل طبيعي وسوف يسافر إلى الدوحة لحضور القمة العربية» المقررة نهاية مارس/ آذار الحالي.
وأضاف الوزير في تصريح صحافي أن البشير «سيقوم بمهامه وواجباته كلما اقتضت الضرورة».
وأكد الوزير السوداني في بيان وزع على الصحافيين «أن السودان ليؤكد من جديد موقفه الرافض للتعامل مع المحكمة الجنائية الدولية، فالسودان ليس عضوا فيها وليس لها ولاية عليه». واعتبر إصدار مذكرة التوقيف «تعديا سافرا على سيادة السودان وتدخلا ماكرا في شئونه الداخلية».
وقال «تكررت اليوم أكذوبة أسلحة الدمار الشامل بإصدار محكمة الجنايات الدولية» قرارها في حق الرئيس البشير، في إشارة إلى مزاعم الإدارة الأميركية التي استخدمتها حجة لغزو العراق في 2003.
وأكد التزام حكومة بلاده باتفاق السلام للعام 2005 الذي أنهى الحرب الأهلية مع الجنوب، «وغيره من الاتفاقيات، والتزامها بالحصانة والامتيازات الخاصة بالمنظمات الدولية والإقليمية والسفارات الأجنبية».
رحب زعيم حركة جيش تحرير السودان المتمردة في دارفور عبدالواحد محمد نور من منفاه في باريس بإصدار مذكرة توقيف الرئيس السوداني عمر البشير معتبرا إياها «نصرا كبيرا لضحايا السودان ودارفور». وقال نور لوكالة فرانس برس «هذا نصر كبير لضحايا دارفور والسودان». وأضاف أن «البشير وحكومته لن يفلتا بعد الآن من العدالة (...) وكل من ارتكب جريمة إبادة سيدرك أنه لن يتمتع بعد الآن بحرية التنقل في العالم».
وردا على سؤال حول تداعيات قرار إصدار مذكرة التوقيف على الأوضاع في دارفور قال نور إنها «ستغير الكثير». وأضاف أن «الأمل كبير بأن تتوقف المجازر الجارية، الإبادة ستتوقف حتما»، مؤكدا أن المسئولين عن هذه المجازر «كانوا يظنون أن البشير يحميهم، ولكنهم اليوم سيعيدون التفكير في هذا الأمر».
لاهاي، الخرطوم - أ ف ب، يو بي آي
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمس (الأربعاء) مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وأسقطت تهمة الإبادة الجماعية، كما أعلنت المتحدثة باسم المحكمة لورانس بليرون.
وقالت المتحدثة خلال مؤتمر صحافي في مقر المحكمة في لاهاي «اليوم، أصدرت الغرفة التمهيدية الأولى (...) مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».
وخلافا لما طلبه المدعي لويس مورينو اوكامبو لم تصدر المحكمة مذكرة توقيف بتهمة الإبادة.
وهذه أول مذكرة توقيف تصدرها المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس دولة يمارس مهماته منذ تأسيسها في 2002. وسبق للمحكمة الجنائية الدولية أن أصدرت مذكرات جلب بحق وزير الداخلية السوداني السابق ووزير الشئون الإنسانية الحالي أحمد محمد هارون وقائد مليشيا «الجنجويد» علي كوشيب.
وعمر البشير (65 عاما) متهم بارتكاب جرائم في دارفور، الإقليم الواقع في غرب السودان والذي يشهد حربا أهلية منذ 2003 أوقعت 300 ألف قتيل و2,7 مليون نازح بحسب الأمم المتحدة، في حين تؤكد الخرطوم أن النزاع لم يسفر عن أكثر من 10 آلاف قتيل.
وخيمت أجواء من التوتر على السودان قبيل القرار ولاسيما في دارفور حيث تم تعزيز قوات الأمن. ويخشى العديد من السودانيين أن يؤدي إلى إغراق البلاد في الفوضى من خلال تشجيع متمردي دارفور على شن هجمات جديدة أو دفع القوات الحكومية إلى تنفيذ أعمال انتقامية ممن تعتبرهم مؤيدين لمثل هذه المذكرة.
وعلى رغم أجواء الترقب، بدت شوارع الخرطوم هادئة منتصف نهار الأربعاء. وقال رجل في الشارع «إن الناس يفضلون البقاء في المنزل اليوم».
وأفادت مصادر في قوة حفظ السلام المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور بأن دورياتها كانت «تسير بصورة طبيعية»، لكنها مع ذلك «تتابع عن كثب ما يجري في المنطقة». غير أن مسئولين في القوة قالوا إن الوضع متوتر في دارفور.
وقال مسئول في القوة المشتركة طلب عدم ذكر اسمه «إن رجالنا المنتشرين على الأرض يشعرون بأجواء من التوتر». وأضاف المصدر «يمكننا رؤية عدد كبير من قوات الأمن تم نشرها في دارفور».
وذكر مسئولو القوة المشتركة أن الجيش السوداني سيقوم «باستعراض قوة» في مدينة الفاشر. وحذرت السلطات السودانية من أنها ستعاقب أي إعلان يؤيد المحكمة الجنائية. وقال، زعيم حركة «العدل والمساواة» المتمردة خليل إبراهيم «إن الحركة ستتحرك إذا تعرضت (القوات الحكومية) بالأذى للمدنيين».
وأكد متحدث باسم فصيل الوحدة في حركة تحرير السودان لـ»فرانس برس» أن «قواتنا مستعدة للتصدي لأي تحرك عسكري تقوم به الحكومة».
أعلن وزير الدولة السوداني للشئون الخارجية علي أحمد كرتي أمس رفض بلاده التام لقرار المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير.
وقال الوزير السوداني خلال مؤتمر صحافي في القاهرة إن السودان «يعلن رفضه التام لقرار المحكمة الجنائية الدولية لأن السودان ليس عضوا فهيا وليست للمحكمة ولاية على السودان».
كما وصف وزير الدولة بالخارجية السودانية السماني الوسيلة التهم التي وجهتها المحكمة للرئيس البشير بأنها «باطلة ولا تستند إلى أي شئ».
وقال الوسيلة في تصريح خاص للقناة الأولى بالتليفزيون المصري مساء أمس: «إذا كانت المحكمة محايدة وتعمل على أسس سليمة فمن المتوقع أن تسقط هذه الاتهامات بحق البشير»، مجددا موقف الحكومة والشعب السوداني الرافض لهذه المحكمة باعتبارها ليست لها ولاية على الخرطوم.
وأشار الوسيلة إلى أن ما يجرى الآن على الساحة بشأن هذه المحكمة هو حملة منظمة ضد السودان للنيل منه، متسائلا عن سبب رغبة المجتمع الدولي في القضاء على كل مجهود يهدف إلى إحلال السلام في السودان والقضاء على كل أمل في استقرار الأوضاع في دارفور.
وكان وزير العدل السوداني عبدالباسط سبدرات أكد في تصريح لقناة «الجزيرة» أن بلاده «لا تتعامل» مع المحكمة الجنائية الدولية، معتبرا قرارها «سياسيا».
وأضاف «قرارنا واضح. لم نسلم أحمد هارون ولم نسلم علي كوشيب، لا نتعامل مع هذه المحكمة، لا يمكن لأنهم أصدروا الآن مذكرة بحق البشير أن نتعامل معها، لأنها لا اختصاص ولا ولاية لها».
أكد وزير الخارجية اللبناني فوزي صلوخ أن وزراء الخارجية العرب قرروا خلال اجتماعهم الاستثنائي في القاهرة مساء أمس إدانة قرار المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرة توقيف في حق الرئيس السوداني عمر البشير.
وقال صلوخ قبل مغادرته مطار القاهرة للصحافيين، «لا يصح توقيف رئيس عربي أو غير عربي خلال حكمه ولقد قرر وزراء الخارجية العرب عدم الموافقة على القرار وإدانته وشجبه».
وأضاف أن «ما حدث يخالف القوانين الدولية حيث أن لرئيس الجمهورية حصانة وليس من السهل إصدار قرار اعتقال ومحاكمة الرئيس وهذا لا يجوز».
وقال إن «هذا القرار سيزيد من تفاقم الأمر بين السودانيين وسيؤثر على سير المفاوضات التي تمت بين الأطراف السودانية لحل أزمة دارفور خاصة وأنهم وقعوا على مذكرة حسن نوايا بالدوحة»، في إشارة إلى الاتفاق بين الحكومة السودانية وكبرى حركات التمرد، حركة «العدل والمساواة».
أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو أن الحكومة السودانية ملزمة بتنفيذ مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة بحق الرئيس السوداني عمر البشير.
وقال أوكامبو خلال مؤتمر صحافي في مقر المحكمة في لاهاي إن «الحكومة السودانية ملزمة بموجب القانون الدولي بتنفيذ مذكرة التوقيف على أراضيها».
دعت الولايات المتحدة كل الأطراف في السودان وبينهم الحكومة السودانية إلى «ضبط النفس» بعد صدور مذكرة التوقيف.
وقال روبرت وود خلال زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في رام الله في الضفة الغربية «ندعو كل الأطراف بما فيها الحكومة السودانية إلى ضبط النفس».
وأضاف «يجب تجنب أعمال عنف إضافية تطال المدنيين والمصالح الأجنبية ولن يسمح بها».
قال مبعوث الرئيس الروسي ديميتري مدفيديف للسودان إن إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير تشكل «سابقة خطيرة»، على ما أفادت وكالة ريا نوفوستي.
وأكد المبعوث الروسي ميخائيل مارغيلوف «أن القرار غير الملائم للمحكمة الجنائية الدولية يوجد سابقة خطيرة في نظام العلاقات الدولية ويمكن أن تكون له آثار سلبية على السودان».
أعربت مصر عن «انزعاجها الشديد» إثر صدور مذكرة التوقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير، محذرة من تداعياته «السلبية المحتملة» على الوضع في السودان.
وقال وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط في بيان صحافي «إن مصر تلقت قرار المحكمة الجنائية الدولية بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير بانزعاج شديد نتيجة التداعيات السلبية المحتملة لمثل هذا القرار على استقرار الأوضاع في السودان، وعلى مستقبل تنفيذ اتفاق السلام الشامل، وجهود تفعيل العملية السياسية في دارفور».
ودعا الوزير المصري مجلس الأمن الدولي إلى «عقد اجتماع عاجل وطارئ (...) بهدف اتخاذ قرار بطلب تفعيل المادة 16 من النظام الأساسي للمحكمة لتأجيل تنفيذ قرار التوقيف».
وأضاف أبوالغيط أن «مصر سبق وأن حذرت عند صدور لائحة الاتهام من مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس البشير، من خطورة التعامل غير المسئول مع الأوضاع في السودان. وأكدت أكثر من مرة على أن التسوية السياسية الشاملة والعادلة لأزمة دارفور هي الضمان الوحيد لتحقيق العدالة على الأمد الطويل».
وجدد دعوة مصر لعقد مؤتمر دولي رفيع المستوى تحت رعاية سكرتير عام الأمم المتحدة للاتفاق على رؤية شاملة ومتكاملة للتعامل مع التحديات المختلفة التي تواجه السودان وعلى رأسها أزمة دارفور».
العدد 2372 - الأربعاء 04 مارس 2009م الموافق 07 ربيع الاول 1430هـ