العدد 730 - السبت 04 سبتمبر 2004م الموافق 19 رجب 1425هـ

لا مفر أمام موسكو غير مفاوضة مسخادوف

كان التوتر مازال قائما في مدينة بيسلان والجنود الروس يرابطون قبالة المدرسة التي كانت مسرحا للعملية الدامية التي وقعت أمس الأول حين ظهرت رسالة صادرة عن الرئيس الشيشاني المنتخب أصلان مسخادوف والذي تطارده موسكو. ونظرا لأن مسخادوف لا يملك القدرة والوسيلة على الظهور لإعلان مضمون رسالته بنفسه كي لا يكشف عن مخبأه الذي يعتقد أنه في مكان ما في جبال القوقاز، فقد أوعز إلى المتحدث باسمه أحمد سكاييف الحاصل على حق اللجوء السياسي في لندن بالحديث بعد اتصال هاتفي تم بين الرجلين، أعرب مسخادوف خلال الاتصال عن استعداده للتوسط لدى محتجزي الرهائن داخل المدرسة منعا لحصول حمام دم.

ووفقا لمصادر إعلامية فإن رئيس أنغوشيا السابق هو الذي أقنع مسخادوف بالقيام بهذه الخطوة التي لم تتحقق لأن الحوادث تسارعت عوضا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفض منذ البداية أن يتفاوض مع المتمردين بحجة أن روسيا لا تتفاوض مع الإرهابيين على حد تعبيره. باعتقاد المراقبين ضاعت فرصة ثمينة كان بالوسع استغلالها منعا لسفك الدماء.

كما أن عدم صدور موقف واضح من حكومات الاتحاد الأوروبي وخطاب الرئيس الأميركي جورج بوش في نيويورك، إذ أعلن مواصلة حربه المناهضة لما يسمى الإرهاب، لم يشجع بوتين على التفكير بالتفاوض، فالأخير يعتبر نفسه منذ وقت في حرب ضد الإرهاب وليس الطرف الرئيسي في حرب استعمارية. بدلا من المفاوضات، وقعت تفجيرات ومعارك شوارع، من بيت لبيت، كانت نتائجها مروعة. وإن كان المتمردون نجحوا بشيء فإنهم نجحوا مرة أخرى في نقل حرب الشيشان إلى داخل الأراضي الروسية وعاد نزاع الشيشان يتصدر عناوين الأخبار في أنحاء العالم.

ليس لدى واشنطن مصالح في الشيشان وعلاقاتها مع بوتين جيدة كذلك دول الاتحاد الأوروبي التي تختلف فيما بينها على المجريات في الشيشان وعلى رغم التقارير التي تتحدث عن خرق فاضح لحقوق الإنسان في الشيشان وارتكاب القوات الروسية جرائم حرب، فإن أوروبا ليست مهتمة بالنزاع مع موسكو بعد أن رضيت الأخيرة بانضمام جمهوريات البلطيق للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، عوضا عن وجود مصالح اقتصادية كبيرة للأوروبيين في روسيا الغنية بالنفط والغاز.

وحين تمت انتخابات الرئاسة المفبركة في الشيشان قبل أكثر من أسبوع تقاعس الأوروبيون عن إرسال مراقبين بدافع خطورة الأوضاع الأمنية، ولكن معظم حكومات دول الاتحاد الأوروبي وصفت نتائج الانتخابات بأنها لم تكن نزيهة لكن المستشار الألماني غيرهارد شرودر لم يجد ما يشير إلى أنها لم تكن نزيهة على رغم أن اسم الفائز بها علي الخانوف كان معروفا قبل بدء عملية الاقتراع.

موقف الغرب المشين - إذا صح التعبير - من نزاع الشيشان لا يشجع موسكو على وضع حل سياسي على رغم أن الصراع المرير مع الشيشان قدم الدليل أكثر من مرة على أن هذا النزاع لن يجري حله عن طريق القوة العسكرية. عملية المدرسة في بيسلان بنتائجها الدامية لن تدفع بوتين إلى التفكير بحل سياسي لكن بنظر الكثير من المراقبين فإن الرئيس الروسي على وشك أن يضيع فرصة ثمينة متاحة. هذه الفرصة توفرت من خلال إعلان مسخادوف استعداده للتوسط وبالتالي التفاوض مع الكرملين.

صحيح أن موسكو تختار الرجل الذي يناسبها ليشغل منصب الرئيس في الشيشان لكن ليس بوسع موسكو أبدا إرغام المواطنين الشيشان على قبول رجلها. باستثناء مسخادوف ليس هناك أحد بوسعه المساعدة فعليا في تحقيق الاستقرار في منطقة القوقاز. يبلغ مسخادوف اليوم 53 عاما من العمر ومازال بنظر الكثيرين الرئيس الشيشاني المنتخب والذي وقع مع الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين اتفاق سلام بعد أن قرر الأخير تصحيح خطأه التاريخي بشن حملة عسكرية خاسرة على الشيشان. لكن موسكو لم تستطع تحمل مسعى مسخادوف للاستقلال عنها وعارضت هدف الاستقلال وحين اندلعت الحرب مجددا في عهد بوتين انصرف مسخادوف إلى العمل السري بعد أن قطعت موسكو معه جسور الاتصال كافة. يقول المختص بقضايا منطقة القوقاز في مؤسسة البحوث السياسية بمدينة برلين أوفه هالباخ «على رغم كل شيء فإن مسخادوف كما في السابق أحد المحاربين الشيشان القلائل الذي يعير أهمية للمفاوضات السياسية ولا يجب تجاهل كونه صاحب نفوذ».

ويجد الخبير السياسي الألماني أن مسخادوف عبر عن موقف معتدل ينبغي استثماره سياسيا، بغض النظر أنه من أعلن نقل حرب الشيشان إلى داخل الأراضي الروسية لكنه تنصل من الهجوم على أهداف مدنية وإلحاق أذى بطلبة المدارس وركاب الحافلات وقطارات المترو.

تراهن موسكو حاليا على الرئيس الموالي لها ألخانوف المدعوم في الداخل من قبل الكتائب المسلحة التي يتزعمها رمضان قديروف ابن الرئيس الشيشاني أحمد قديروف الذي قتل خلال عملية تفجير وكان مواليا للكرملين. رمضان قديروف قام بأعمال تصفية لمواطنين من بلده. حرب روسيا في الشيشان نتج عنها انقسام بين الشيشان أنفسهم لكن حلفاء موسكو على استعداد للوقوف إلى جانبها طالما تقدم لهم المال والسلاح. ليس هناك أرقام موثوق بها بشأن عدد المقاتلين تحت إمرة مسخادوف. في غضون ذلك انفصل البعض عنه وشكلوا جماعات مسلحة صغيرة. أبرز المنشقين شامل باساييف الذي تحمله موسكو مسئولية الكثير من أعمال العنف. يستبعد هالباخ في ضوء التصعيد العسكري في الشيشان أن ينجح مسخادوف في السيطرة على كامل الفصائل التي تعمل كل منها حاليا بمعزل عن الأخرى.

يستبعد المراقبون أن يسعى بوتين للتفاوض مع شخصيات شيشانية مؤثرة لسبب بسيط لأنه ليس مهتماً إطلاقا باستقلال الشيشان عن روسيا. ذلك أن روسيا المحاطة بجمهورية يعيش فيها مسلمون باعداد كبيرة، لا تريد تشجيع الجمهوريات الصغيرة التابعة لها اليوم على الحذو حذو الشيشان. كما لا يريد الغرب قيام جمهوريات إسلامية مستقبلا لأنه من الملاحظ أن المسلمين الروس يتعاطفون مع الفلسطينيين والعراقيين. وسجلت السفارة الأميركية في موسكو بقلق تصريحات مفتي جمهورية بشكيريا الناقدة للولايات المتحدة. بعد عملية مدرسة بيسلان على الأرجح أن يترك الغرب حرية التصرف لبوتين وهذا خطأ سيقود إلى استمرار نزاع القوقاز. بوتين سيستمر في العمل بطريقته المعهودة: الضرب بيد من حديد وإن كلف حياة نساء وأطفال أبرياء لا ذنب لهم في هذا النزاع. وكذلك تجاهل فرص الحل التي كان آخرها عرض مسخادوف وكذلك طلب تقدم به رجل أعمال شيشاني يدعى مالك ساجد الله ييف الذي تدخل لدى بوتين ليحصل على فرصة لمنافسة مرشح موسكو على الرئاسة الخانوف. كانت النتيجة شطب اسم ساجد الله ييف من قائمة الترشح، تحججا بخطأ ورد في بياناته الشخصية

العدد 730 - السبت 04 سبتمبر 2004م الموافق 19 رجب 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً