العدد 735 - الخميس 09 سبتمبر 2004م الموافق 24 رجب 1425هـ

الإمام علي (ع) وحقوق الإنسان (1-2)

لنا في حياة العظماء معين لا ينضب من الخبرة والعبرة والإيمان والأمل. فهم القمم التي نتطلّع بشوق إليها ولهفة، والمنارات التي تكشّح الدياجير من أمام أرجلنا وأبصارنا. وهم الذين يجدّدون ثقتنا بأنفسنا وبالحياة وأهدافها البعيدة السعيدة. ولولاهم لتولاّنا القنوط في كفاحنا مع المجهول، ولرفعنا الاعلام البيض من زمان وقلنا للموت: نحن أسراك وعبيدك يا موت. فأفعل بنا ما تشاء.

الاّ إننا ما استسلمنا يوماً للقنوط، ولن نستسلم. فالنصر لنا بشهادة الذين انتصروا منا. وعلي بن أبي طالب (ع) منهم.

وهم معنا في كل حين، وأن قامت بيننا وبينهم وهدات سحيقة من الزمان والمكان. فلا الزمان بقادر أن يخنق أصواتهم في آذاننا، ولا المكان بماح صورهم من أذهاننا. وهذه السيرة خير شاهد على ما أقول.

فهي مكرسة لحياة عظيم من عظماء البشرية، أنبتته أرض عربية، ولكنها ما استأثرت به وفجّر ينابيع مواهبه الإسلام ولكنه ما كان للإسلام وحده والاّ فكيف لحياته الفذّة أن تلهب روح كاتب مسيحي في لبنان وفي العام 1956، فيتصدى لها بالدرس والتمحيص والتحليل، ويتغنّى تغني الشاعر المتيّم بمفاتنها ومآثرها وبطولاتها؟

وبطولات الإمام علي (ع) ما اقتصرت يوماً على ميادين الحرب. فكان بطلاً في صفاء بصيرته وطهارة وجدانه وسحر بيانه وعمق إنسانيته وحرارة إيمانه وسمو دعته ونصرته للمحروم والمظلوم من الحارم والظالم وتعبّده للحق أينما تجلّى له الحق. وهذه البطولات ومهما تقادم بها العهد لاتزال معقلاً غنياً نعود إليه اليوم وفي كل يوم كلما اشتد بنا الوجد إلى بناء حياة صالحة فاضلة.

وما يحدث هذه الأيام في النجف الأشرف والضريح الحيدري الشريف بالذات يجعل كلاً من المسلمين الشرفاء يستصرخون بصوت عالٍ مدوٍ إلى السماء بصوت واحد أين أنت يا حيدر؟ كيف؟ ولماذا؟ بالذات الصحن الحيدري؟ وهذا سؤال موجه إلى أميركا والصهاينة بالذات والمتعاونين معهم الذين اتوا معهم على دبابات أميركية وجنسيات أميركية.

التـــــجربة القاســـــــية

والله إني لا اعترف بالحق قبل أن أشهد عليه.

أن أمرنا صعب مستصعب، ولا يعي حديثـنا إلا صدور أمينة وأحلام رزينة.

الإمام علي عليه السلام

وصم آذانهم بصيحة تلو صيحة نسفت بنيانهم نسفا ودكت سقوفهم دكا وقوضت جدرانهم تقويضا وكانت على قلوب المستضعفين والمظلومين بردا وسلاما ونعمة موفورة.

للإمام علي بن أبي طالب في حقوق الإنسان وغاية المجتمع أصول وآراء تمتد لها في الأرض جذور وتعلو لها فروع. أما العلوم الاجتماعية الحديثة فما كانت إلا لتؤيد معظم هذه الآراء وهذه الأصول. ومهما اتخذت العلوم الاجتماعية من صور وأشكال. ومهما اختلف عليها من مسميات فإن علتها واحدة وغايتها واحدة كذلك وهما رفع الغبن والاستبداد عن كاهل الجماعات ثم بناء المجتمع على أسس أصلح تحفظ للإنسان حقوقه في العيش وكرامته كإنسان ومحورها حرية القول والعمل ضمن نطاق يفيد ولا يسيء وتخضع هذه العلوم لظروف معينة من الزمان والمكان لها الأثر الأول في تكوينها على هذا النحو أو ذاك. وإذا رجعنا إلى الماضي ونظرنا في شئونه على أساس هذا الواقع، تبين لنا أن في كل زمن مضى كفاحاً متـقداً بين الاستبداد والحكم المطلق وهدر حقوق الجماعة وكبت الحريات من جهة وبين النزوع إلى العدالة والحكم المستند إلى الشّورى والعمل على حفظ الحقوق العامة وإطلاق الحريات من جهة ثانية وما كانت الثورات القديمة الخيّرة الآتية من الجانب المظلوم إلا انتفاضات يقوم بها المضطّهدون والمفكرون للقضاء على ظلم اجتماعي وإنشاء قواعد جديدة تقوم على انقاض هذا الظلم، وتتـفق بمنطقها وقيمتها مع الوضع التطوّري الذي بلغ إليه المجتمع.

وكان لعلي بن أبي طالب (ع) في تاريخ حقوق الإنسان شأن أي شأن وآراء فيها تتصل اتصالاً كثيراً بالإسلام يومذاك، وهي تدور على محور من رفع الاستبداد والقضاء على التفاوت الطبقي بين الناس، ومن عرف علي بن أبي طالب (ع) وموقفه من قضايا المجتمع أدرك أنه السيف المسلط على رقاب المستبدين الطغاة وإنه الساعي في تركيز العدالة الاجتماعية بآرائه وأدبه وحكومته وسياسته وبكل موقف له ممن يتجاوزون الحقوق العامة إلى امتهان الجماعة والاستهتار بمصالحها وتأسيس الأمجاد على الكواهل المتعبة.

نضجت في ذهن الإمام القوي فكرة العدالة الاجتماعية على أساس من حقوق الجماعة التي لابد لها أن تنتهي بإزالة الفروق الهائلة بين الطبقات التي يتخم ثريها وأميرها ويضوي فقيرها وصغيرها فكان صوته في معركة العدالة الاجتماعية هذه مدوّياً أبداً وسوطه عاملاً أبداً ودفاعه عن قيم الإنسان عظيماً أبداً شديداً لا هوادة فيه ولا لين كان في حكومته المثـل الأعلى للحاكم الواعي لحقوق الإنسان في تلك الحقبة من تاريخ البشر العامل على تنفيذ منطوقها بكل ما لديه من وسائل ولم يكن في ذهن الإمام ما هو أوضح - على وضوح الأشياء جميعاً فيه - من واقع المجتمع في زمانه كيف يكون وعلى أي أساس من الغبن الاجتماعي يقوم ثم كيف يجب أن يكون وإلى أي مدّى يأذن الزمان بتطويره! ولم يكن في إرادة الإمام - على ما فيها من الدوافع إلى الخير - ما يشغلها أكثر ما يشغلها السعي في التطور ولم يكن في المغريات جميعاً ما يجنـّح بهذه الإرادة عن هذا السعي ولا في المؤامرات ما يكبت فيها قوة الانطلاق إلى العمل والإجادة فيه فليس هنالك ما هو أحب على قلب الإمام من أن يقيم حقاً ويزهق باطلاً على أساس لا يتزعزع من رأيه في الحق والباطل وموضوعاتهما وكان صدقه في التفكير والشعور ثم اخلاصه في التطبيق ما يفكر به ويشعر سبباً في ألا يعطي فكرة غامضة في شأن من الشئون العامة وفي الا يقف متراجعاً أمام امتهان الولاة والعمال الأقوياء للجماهير والمستضعـّفين وخصوصاً أمام الافتئات على سلطان الحق واقعاً ما وقع تدبيره من هوى الاخصام والأنصار وذلك تقريراً لحقوق الإنسان الطبيعية في العيش الكريم وفي الحياة الخيـّرة لا تشطر الناس شطرين فترخي عليهم ستارين مختلفين: أسود موجع وأبيض ضاحك

العدد 735 - الخميس 09 سبتمبر 2004م الموافق 24 رجب 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً