أصدرت غرفة تجارة وصناعة البحرين بياناً «أعربت فيه عن خالص تعازيها بوفاة فقيد الأمتين العربية والإسلامية» ودعت «مؤسسات وشركات القطاع الخاص في المملكة إلى تعطيل العمل يومي الأربعاء والخميس حداداً على وفاة الفقيد الكبير، تماشياً مع فترة الحداد بالوزارات والمؤسسات الحكومية». كذلك أعربت مؤسسة نقد البحرين عن خالص تعازيها ودعت المصارف وشركات التأمين كافة إلى التعطيل اليوم وغداً حداداً على وفاة الفقيد الكبير. من جانبه تقدم مجلس النواب بأحر التعازي والمواساة لحكومة وشعب دولة الإمارات العربية المتحدة، مؤكداً ثقته بقدرة حكومة وشعب دولة الإمارات على «مواصلة مسيرة الخير والعطاء التي أرساها فقيد الأمة العربية والإسلامية». واعلنت سفارة الامارات في البحرين عن فتح سجل التعازي من بعد ظهر الاربعاء لمدة ثلاثة ايام في مقر السفارة الكائن في القضيبية.
الوسط - المحرر السياسي
أعلنت دولة الامارات العربية المتحدة مساء أمس رحيل سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد يوم واحد من اعلان تشكيلة حكومية جديدة.
الشيخ زايد يعتبر «الاب الحنون» للامارات، وصاحب المواقف العربية الوحدوية، والرجل الشهم الكريم الذي رعى قيام دولة الإمارات العام 1971 بعد انسحاب بريطانيا من منطقة الخليج، وكان العامل الاساسي في الحفاظ على وحدة الدولة متسما بالقوة والحكمة. اختير رئيسا لدولة الامارات العربية المتحدة عند تأسيسها وتجددت رئاسته لدولة الإمارات بصورة تلقائية كل خمس سنوات، معتمدا في سياسته ثلاثة عناصر أساسية هي الدين والتسامح والمساواة.
ولد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مع نهاية الحرب العالمية الأولى وبالتحديد في العام 1918، وعين حاكما لإمارة العين العام 1946،ونجح في تنمية الزراعة وحفر الافلاج بالطرق التقليدية ، بهدف خلق بيئة إنمائية ينتفع بها الناس ، فأحبه الناس وفي عام 1953م زادت تطلعات زايد خارج بيئته واطلع على بيئات جديدة خلال رحلاته الخارجية ومشاهداته التي أوسعت مداركه وبدأ يفكر في الاصلاح والتطور للأحسن.
وفي السادس من أغسطس/ آب عام 1966 تسلم الشيخ زايد الحكم في أبوظبي من أخيه الأكبر الشيخ شخبوط. وبدأ مباشرة عقب ذلك في إصدار أوامره ببناء المدارس والطرق و تحسين المرافق، وتمكن من المحافظة على سلامة اقتصاد البلاد وتطوير بنائها واهتم باحتياجات المواطن الأساسية.
تربية في ظروف صعبة
لقد فتح زايد عينيه على قومه وقد نالت منهم سنوات الحرمان بعد الحرب العالمية الاولى وقبل عصر النفط والقهر. وبدأت شخصيته كزعيم تتكون وسط هذا المجتمع الذي حرم من كل شيء إلا الكرامة والإباء فقد كان من شأن الظروف التاريخية والاجتماعية التي عاشها أبناء المنطقة قروناً عدة أن تولد لديهم ضميراً وطنياً لا مجال للشك فيه وظلت رؤوس الآباء والأجداد الذين بنوا أكواخهم على شطآن خليج ما قبل النفط مرفوعة على رغم الجوع الذي كاد أن يكون مقيماً في أحشائهم وتركوا رصيداً من التقاليد والمثل الراسخة المتكاملة .
كان لا يزال طفلاً صغيراً يمرح ويركض في رحاب قصر الحصن مقر الحكم في أبوظبي الذي بناه الشيخ شخبوط الأول العام 1793بعد انتقاله إلى ابوظبي من ليوا وقد ولد فيه الشيخ زايد بن سلطان الثاني وعاش فيه طفولته وشبابه .
تأسيس الإمارات
في18 فبراير / شباط 1968م عند لقاء زايد بالمغفور له صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في «السمحة» تشكلت نواة إقامة اتحاد بين الإمارات المتصالحة.
في الثاني من ديسمبر / كانون الاول 1971 بداية الانطلاقة لدولة الإمارات ويتولى صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئاسة دولة الإمارات واعلان تأسيس الدولة مع أصحاب السمو حكام الإمارات في دار الاتحاد بدبي.
لقد كان الشيخ زايد بن سلطان في تأكيد هذه الوحدة واضحا واسس لبنات إقامة دولة الإمارات العربية المتحدة التي أعلى بنيانها يوماً بعد آخر بروح الأبوة العربية الموروثة التي استجابت للتحديث لمواجهة تحديات العصر.
ارتباط الشيخ زايد بقومه
لقد شكل الشيخ زايد تاريخ بلده و شَغِف بتاريخ قومه الذي يتمثله أبداً، عاشه صبياً، وتدبره يافعاً، كما أسهم في صناعته، وهو مدرك أنه حلقة غير منفصمة من تراث عربي إسلامي، تتصل آفاقه بالإرث الإنساني العريض. وأدرك زايد بفطرته ثم بتربيته قبل أن يدرك بوعيه التاريخي العميق الذي شكلته التجارب أن أسلافه من شيوخ آل نهيان ما كان يمكن لهم بلورة كيان بني ياس في هذه المنطقة من الأرض التي كانت مجدبة شحيحة لولا تعاهدهم على الوحدة وتعهدهم بكفالتها وضمان أسباب نمائها وازدهارها.
تأسست أبوظبي منذ منتصف القرن الثامن عشر حاضرة صغيرة فوق جزيرة عند سيف البحر، بجهود سلطة اتحاد كنفدرالي مثلته قبيلة بني ياس التي اندفعت إليها من الظهير، واتخذتها مركزاً اقتصادياً ما لبث أن تطور ليصبح عاصمة سياسية حين استقر فيها أول شيوخ آل نهيان.
ولم تكن أبوظبي مجهولة لدى الياسيين وأحلافهم قبل هذا التاريخ؛ فقد كانوا يفدون إليها فترات متقطعة - خاصة عندما يحل بمضاربهم الجفاف- ولكنهم سرعان ما يعودون منها إلى الداخل بأسماكهم الطرية والمملحة؛ إذ لم يكن الماء الذي كانوا يجلبونه معهم على الإبل يكفيهم إلا أياماً قليلة. ولم يكن عدم اكتشافهم الماء في هذه المنطقة هو المانع الوحيد لعدم الاستقرار البشري في هذه الجزيرة التي تتصل بساحلها اتصالاً تتحكم فيه حركة المد والجزر؛ فالتسلط البرتغالي كان بدوره حرباً على استقرار الوطنيين على سواحلهم.
كان البرتغاليون يحتكرون مغاصات اللؤلؤ على طول هذه السواحل وعلى جزرها، ويقبضون بشدة على ريعها الاقتصادي حتى لا يدخل أي عائد منه إلا خزينة البرتغال أو جيوب جنودها العاملين في المنطقة. وقد جعلت هذه السياسة الاحتكارية الشاملة لصيد البحر وللتجارة فيه الاستقرارَ على السواحل ومحاولة استكشاف مصادر المياه فيها أمراً غير ذي جدوى. وبطرد البرتغاليين من الخليج، العمل الذي شاركت فيه كنفدرالية بني ياس، اندفعت القبائل العربية من الداخل لملء الفراغ الذي خلفه البرتغاليون.
وأخذت قبيلة بني ياس تسيطر على سواحلها والجزر القريبة منها. وتوافد إلى الجزيرة القوم من الظهير وحفروا البئر، وبدأوا يستقرون وهم على أعرافهم وتقاليدهم تحت راية شيوخهم من آل نهيان الذين كانوا يحكمونهم من مقرهم في الداخل الصحراوي الذي نمت فيه سلطتهم منذ فترة طويلة.
ويذكر الرحالة نيبور الذي وفد إلى شبه الجزيرة العربية ضمن بعثة استكشاف دنماركية، والذي زار الخليج في الفترة التي برز بنو ياس فيها إلى الساحل ليستقروا في أبوظبي، في معرض حديثه عن الحكم المشيخي الأبوي - أن القبائل العربية حينما يحل بها ضعف لسبب أو لآخر فإنها تستقوى بقبيلة أخرى، وأن هذه القبائل حينما تتكامل وتتحد في قبيلة واحدة ترتضي من شيوخها شيخاً يصبح رئيساً للجميع، وقد يسبغون اسم هذا الشيخ أو اسم أسرته على هذا التجمع الجديد؛ وذلك لما له من ميزات تؤهله لأبوة هذا التجمع الوليد.
وهنا أيضاً يسترعي الانتباه وجود قلعة في وسط بادية لا تعرف القلاع وسيلة للدفاع، فالبدو في رحلة أبداً وراء الكلأ والمرعى ومواطن الغيث. إن نظرة واحدة إلى خريطة القلاع في إمارة أبوظبي كافية لتوضح لنا أن القلاع والحصون التي استحدثها آل نهيان في بادية ليوا ثم في أبوظبي فالمريجب، ثم في العانكة والجاهلي والمسعودي والعين وغير هذه وتلك في قرى البريمي والتي كان آخرها قلعة المربعة التي استحدثها زايد بن سلطان هناك، تظهر بجلاء أن سيادة الأمن كانت الاستراتيجية البارزة التي اتخذها آل نهيان لحماية الوحدة القبلية. فالقلاع إضافة إلى أنها كانت توفر الأمن لكل من يستقر بالقرب منها والمأوى لكل من يأتيها مستجيراً من تعديات الصحراء، أو غاشياً لينال من كرم شيوخها، فإنها كانت في الوقت نفسه تتيح سرعة الحركة لفرسان القبيلة لفرض الأمن في الطرق التي تربط بينها.
إن شيوخ آل نهيان لم يقيموا قلاعهم في مناطق الاستقرار الحضري فقط، ولكنهم أقاموا أيضاً في مفارق دروب الصحراء في مناطق رملية مجدبة لا حياة فيها ولا بصيص أمل يرتجى في تنميتها حضرياً، فقلعة العانكة - التي شيدها سعيد بن طحنون (1845-1855) أقيمت لهدف واحد فقط وهي موقعها من دروب تلك الصحراء؛ لمجابهة أخطار الغزو قبل بلوغه مناطق الاستقرار.
وحين نشطت هذه الدروب الآمنة التي ربطت بين الحواضر والبوادي وبين مناطق الاستقرار في الداخل وأبوظبي على الساحل -أصبحت أبوظبي واسطة العقد في تبادل المنافع، وتأكدت بسيادة الأمن في هذه الطرق الوحدة بين البحر والصحراء، وأصاب الدخل الفردي من جراء هذه الوحدة ما يكفل لإنسان البادية سد حاجاته البسيطة من دون أن يدخل حياته خلل يذكر؛ فهو يسير على سنة البادية في الرحلة على بعيره عبر الصحراء لينهض إلى سيف البحر في أبوظبي وليسيح بالقوارب في البحر وجزره ثم يقفل بعدئذ عائداً على بعيره إلى شديرتهص بما تهيأ له من قسمة من اقتصاد السواحل لتلبية حاجات الدواخل، والعكس أيضاً صحيح؛ فأبوظبي التي كانت جرداء قاحلة لا زرع فيها ولا ضرع، والتي غدت بعد عام 1820م معزولة عن العالم الخارجي لدواعي الأمن الاستراتيجي لبريطانيا في الخليج، كانت دائماً في حاجة ماسة إلى التعامل السلمي مع ظهيرها الذي يمدها بالتمر والحطب والمستلزمات الحياتية الأخرى، كما كان هذا الظهير يشكل الملاذ الآمن لإنسان هذه الجزيرة وشيوخها من حمم قذائف الأسطول البريطاني التي لن تستطيع بلوغ الظهير.
يشهد بعض الرحالة الغربيين وموظفي حكومة شركة الهند الشرقية البريطانية من إداريين ومساحين وغيرهم الذين زاروا أبوظبي في الربع الأول من القرن التاسع عشر -أن شيوخ آل نهيان كانوا يعيشون في الحضر قِيَم البادية، ويعضّون بالنواجذ على أعرافها، فقد كانوا مخالطين للأعراق المختلفة من فرس وهنود وغيرهم، ليس مثل الآخرين من شيوخ البوادي الداخلية الذين لم يتح لهم ذلك، ولكنهم ما كانوا يأخذون من هذا الاختلاط المادي والثقافي إلا ما يتفق مع الموروثات. وتفيد هذه المصادر أيضاً أنهم كانوا يعملون بنظام الشورى ولا يبرمون أمراً إلا بعد التشاور مع كبار السن وأعيان القبيلة. ولعل في هذا ما يؤكد أن شيوخ آل نهيان -منذ أن تكونت قبيلة بني ياس في الظفرة- ظلوا يسيرون على دروب التحضر على هدى من أصالة البداوة وقيمها.
ولم يأنف أولئك الشيوخ - شأن أكثر شيوخ البادية - من التعامل مع الأجانب المختلفين عنهم داراً وهوية وثقافة ولكنهم كانوا يتحدثون إليهم بلسان البادية واهتماماتها في التاريخ والتراث الحق في سائر همومها وشجونها وآية ذلك أنك لن تجد مؤلفاً واحداً في تاريخ أبوظبي - بأية لغة كانت أو منهج اتبعه مؤلفه - إلا استند بشكل أو بآخر على روايات الشيخ شخبوط بن ذياب وأبنائه، التي قالوها لبعض الإداريين البريطانيين في الخليج، ونقلها عنهم سالدانها ولوريمر وغيرهما من المؤرخين الرسميين للإدارة البريطانية في الخليج.
مزاوجة التحضر مع البادية
أدت هذه المزاوجة بين روح التحضر التي كانت ترفع شيوخ آل نهيان في دروب التقدم، وبين أصالة البادية التي حافظوا على قيمها لتقي مجتمعهم شرور التلوث - إلى وسطية في السلوك، والتعامل مع الآخر على نهج ألا ضرر ولا ضرار، كما أدت وسطية الموقع الجغرافي لبلادهم بين قوتين هما السعودية في نجد والبوسعيدية في عمان، تعارضت ولاءاتهما القبلية بين القيسية واليمنية، واشتجرت توجهاتهما الفكرية بين الوهابية والاباضية، وتعارضت مصالحهما الاقتصادية، أو بين حلفين أحدهما غافري تكوّن في الغالب من تحالف عريض من العرب المنحدرين من نجد، وآخر هناوي ضمّ في الغالب القبائل اليمنية - إلى اتخاذ شيوخ آل نهيان سياسة وسط رغم دخولهم في الحلف الهناوي.
وكان هدفهم الفيصل من ذلك الحفاظ على وحدة قبيلتهم وترابها، وحماية أمن إنسانها، والوفاء بالتزاماتهم تجاه القبائل المتحالفة معهم من مناصير وعوامر وظواهر وغير هؤلاء وأولئك.
اختار شيوخ آل نهيان الحلف الهنائي، لا تعصباً لهوية ولا انتماء إلى مدرسة في التفكير الإسلامي وإنما انحيازاً إلى مصالح أهلهم ومواطنيهم واعتباراً لارتباطاتهم التاريخية، وانطلاقاً من موقعهم الجغرافي الوسط. اختار هؤلاء الشيوخ - بحكم موقعهم الجغرافي - التعامل الوثيق مع مسقط دون الدرعية أو الرياض؛ لأن السعودية كانت قوة برية تتحرك نحو عمان عبر أراضي أبوظبي بينما كانت عمان قوة بحرية مشغولة بأطراف إمبراطوريتها في إفريقيا وآسيا عبر البحر والمحيط.
وأصبح من الضروري واللازم على مسقط وأبوظبي توثيق العلاقة بينهما وكان على مسقط أن تدعم أبوظبي مادياً؛ لتزيد من قوتها العسكرية، وكان عليها أيضاً أن توثق قوة بني ياس بالعتاد الحربي ومستلزماته حماية لظهيرها حتى يستعصي ولوجه على أية قوة مناهضة تفد من نجد عبر ليوا مهد بني ياس ومقر أقدم محاضرها، ما يجعلهم يدافعون عنها بصدق، ويتطلعون إلى دعم مسقط حماية للأمن المشترك.
آل نهيان وعمان والسعودية
يعود اختيار شيوخ آل نهيان - بحكم موقعهم التاريخي والسياسي، للتعامل الوثيق مع مسقط دون الدرعية والرياض -إلى العلاقة التاريخية القديمة بين قبيلة بني ياس وحلفائها والقبائل العمانية؛ فقد كان لقبيلة بني ياس -خاصة الذين يسكنون في البريمي وعلى أطرافها - صولات وجولات عسكرية في الحوادث العمانية في عهد اليعاربة مساندة لبعض أئمتها ضد البعض الآخر، في وقت كانت دولة الدرعية في رحم الغيب لم تتشكل بعد، ولم يكن في نجد قوة سياسية تستحق التأييد أو المعارضة قبل قيام الدولة السعودية.
أدت هذه العوامل الجغرافية والتاريخية والاقتصادية والسياسية كافة إلى توثيق علاقة التحالف بين سادة مسقط وشيوخ بني ياس الذين كانت تحركهم دوافع المصلحة للحفاظ على أمن قبائلهم ووحدة ترابهم، لا الانتماء إلى هوية معينة ضد أخرى، ولا الانتماء إلى مدرسة فكرية في العقيدة دون سواها.
وعلى ضوء ذلك نجد أن شيوخ آل نهيان رغم صدق تحالفهم مع القوة التي كانت تحكم في مسقط كانوا لا يستعدون الدرعية ولا الرياض، إنما اتخذوا - انطلاقاً من وسطيتهم- تجاه السعوديين موقفاً مرناً وهو الموقف الذي كانت السلطة السعودية تستجيب له دائماً؛ فقد كان السعوديون بدورهم حريصين على عدم استعداء هذه القوة التي تتحكم في خطوط إمداداتهم إلى عمان، وكانت بنو ياس - إذا أحست قوة في السعوديين - تؤدي لهم الزكاة، ولكنها كانت تمنعها عنهم في أول فرصة تسنح لهم.
البطولة الفردية وإقامة الاتحاد
نظرية البطولة في التاريخ نظرية قديمة وهي تنص على «أن أحد أهداف التاريخ هو حفظ مآثر الرجال الذين تركوا بصماتهم على جبين الزمن».
ومع عصر النهضة في أوروبا برزت صورة أخرى للبطولة لا تعتمد مقاييس سابقتها إذ ليس الشديد بالصرعة في عصر الاستنارة. وظهرت في عصر النهضة صورة البطل الإنساني، وأضحت الصفات العقلية هي الأبرز في تحديد صورة البطل وتجسيد معاني البطولة.
ويعترف توينبي (1889-1977) في تفسيره الحضاري للتاريخ بنظرية البطل ويفصِّل في حياة البطل فيقول: إنها تمر بمرحلتين: الاعتكاف، ثم العودة التي هي غاية الحركة وجوهرها، ويفسر هذا الأمر بأن البطل حين يعتكف ينأى بنفسه عن التيار المنحدر في المجتمع، ثم ما يلبث أن يعود بعد الاعتكاف منخرطاً في مجتمعه بعد التحقق ليعالج أدواء ذلك المجتمع.
يتوافق هذا الرأي مع سيرة الشيخ زايد الذي كان قد خرج مع والدته وإخوته بعد أن فقد والده في حوادث 1926م في أبوظبي إلى المنفى، نائياً بنفسه عن التيار المنحدر في المجتمع، متأملاً فيما يحقق لنفسه الصفاء الذاتي. وحين عاد إلى بلده مرة أخرى راح يصغي ملياً لنداء حركة روح المجتمع بعد أن صقلته فترة الاعتكاف بما تزود به من تحقيق الصفاء الذاتي. ولا غرو أن شهدت مدينة العين منذ أن تولى أمرها في عام 1946م تحت إمرة أخيه شخبوط جهوداً لزايد مكنت تلك الحاضرة من أن تصبح قبلة المجتمع البدوي. وطار صيت هذا الشيخ وذاع في البادية وانتشر حتى بلغ مداه في محيطه الإقليمي وازدهرت بفضل حكمته وجهوده حاضرة العين ازدهاراً لم تكن تؤهله لها امكاناتها القاصرة ولا الظرف التاريخي الذي كانت تعيشه. وحين تولى في 6 أغسطس 1966 حكم إمارة أبوظبي لبى نداء روح مجتمعه الداعي إلى الاتحاد، وشرع يعد العدة لتحقيقه. تفيد إحدى الوثائق بتاريخ 17 فبراير 1968 أن الشيخ زايد يرى شأن الاتحاد ضرورة قصوى، وأنه شرع في اختيار اسم للدولة التي تسعى لضم كل الإمارات إليها، وأن الخطوات التنفيذية لقيام هذه الدولة قد بدأت فعلاً.
كما أشارت إحدى الوثائق لاحقاً بتاريخ 10 يونيو / حزيران 1968- يقول:«باستحالة قيام اتحاد بين إمارات الخليج العربية لظروف التمزق الذي كانت تعيشه تلك الإمارات». ولكن الشيخ البطل تصدى لهذا التمزق ورتقه بحكمته المعهودة التي استغلت الظروف الدولية المتغيرة، ومؤازرة زملائه حكام الإمارات، وحماسة أهل المنطقة، ما حوّل بكاريزما شخصية البطل عوامل التفرقة إلى عوامل دعم للاتحاد.
وحين تم في السميح في 18 فبراير 1968 تسوية الحد البحري بين أبوظبي ودبي، ثم إعلان الاتحاد بين الإمارتين ليكون لبنة لاتحاد خليجي شامل - تم إرساء صرح الاتحاد. ويلاحظ أن مشروعي الاتحاد المقدمين في تلك الفترة من شيخي أبوظبي وقطر كانا متطابقين مع اختلاف في نهج التطبيق؛ فكلا الرجلين كان قد أخلص النية في القيام بأمر الاتحاد والعمل على وضعه موضع التنفيذ، ولا خلاف بين المشروعين إلا في توقيت تنفيذه، فقد أراده صاحب السمو الشيخ زايد خطوة بعد أخرى، بينما أراده أحمد بن علي فوراً.
تعثرت مسيرة الاتحاد التساعي لعدم مواكبتها لرؤية الشيخ زايد الذي كان يتطلع إلى قيامه. أراد الشيخ زايد أن يتعامل مع الممكن خطوة بعد أخرى وصولاً إلى ما كان غير ممكن في لحظة تاريخية معينة.
أدرك الشيخ زايد بحصافته ان حقيقة الامر يختلف جوهراً عن الأمنيات المجردة، فهي تنمي ذاتها أبداً عبر المسيرة التاريخية لتصل إلى جوهرها أو إلى أصلها كحقيقة نهائية ضرورية. أدرك معطيات المرحلة التاريخية التي تمر بها المنطقة، فهي لم تبلغ بعد مرحلة النضج لولادة الاتحاد الشامل، والأوضاع لم يتهيأ لها الظرف التاريخي بعد ليأخذ بيدها إلى الحقيقة النهائية التي يتطلع إليها البطل لتحقيق غايات مجتمعه. ويكشف الظرف التاريخي في ذلك الوقت أن تلك المحاولات والجهود التي بذلها بعض نظرائه الشيوخ بأمانة وإخلاص لبلوغ هدفهم في الاتحاد الشامل - في التو والحين -لا تمثل إلا الشكل الخارجي الذي تكشف به الحقيقة عن ذاتها، ومع ذلك فقد أدرك الشيخ زايد أيضاً أن هذا النمط من الدعوة إلى تسريع قيام الاتحاد التساعي الشامل ضروري للمجتمع في تلك المرحلة، غير أن تلك الضرورة كانت في ذاتها وقتية ما يلبث التطور أن يتجاوزها فتفارق صفتها المؤقتة إلى شكل آخر ضروري في المرحلة التالية، سعياً وراء تحقيق ذاتها.
برهنت الحوادث التاريخية اللاحقة أن اللحظة التاريخية التي باتت بجهود الشيخ زايد حبلى بالاتحاد السباعي لم تتهيأ بعد لاستقبال مولد الإمارات العربية المتحدة الشامل، خصوصا بعد أن أعلنت كل من قطر والبحرين قيام حكومتيهما. ومع ذلك ظل الاتحاد الأشمل فكرة مطلقة تراود ذهن الشيخ زايد، فلقد تمكن من تطويع الظروف المحلية والإقليمية والدولية المغايرة بذكاء، واستغلها بحكمة لتحقيق الثوابت القديمة لآبائه في تحقيق الوحدة، فأزال الركام واستخدم امكانات ابو ظبي ومكانته في اقامة دولة الامارات العربية المتحدة .
دبي - يو بي أي
منذ أكثر من 25 عاماً كان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الشامخ بأفعاله وأقواله الذي امتد صيته إلى جزيرة العرب وتعداها ليصل إلى خافق كل العرب بل والى العالم ليس لشيء سوى لإيمانه العميق بضرورة الوحدة وانه من دوّن الوحدة لمجابهة التحديات والوقوف على أرض صلبة نترجم من خلالها الحلم إلى حقيقة والآمال الشعبية إلى واقع ملموس حي.
نعم كان هذا الشيخ زايد يحلم ومن حقه أن يحلم ولكنه بحلمه هذا رسم واقعاً للمستقبل لحياة شعبه وحياة هذه الأمة التي تحلم بمن يجدد لها شبابها فكان على مدى هذه السنين حاكما لإمـارة أبوظبي، كان حلم الوحدة العربية يرافقه بحله وترحاله بصحوه ونومه، وبعزيمة قلما تراها في زعيم عربي وهب حياته ومستقبله لهذا الأمل عل بيارقه أن تهل، وصمم تصميماً لا تراجع فيه وبإرادة صلبة لا تكل ولا تمل وبموافقة من حكام الإمــارات وأبناء شعبه العريق الذين وجدوا فيه ضالتهم ليكون ممثلاً عن هذه الشعوب ورئيساً لها تحول بعون الله وتوفيقه وامتنانه الحلم إلى حقيقة وكان قيام الدولة، دولة الإمــارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر/ كانون الأول 1971 وسط خضم هائل من الظروف الصعبة التي تعانيها المنطقة من التشتت القبلي والاحتلال والتي خلفها الاستعمار البريطاني.
دعونا نسرد من التاريخ ذكراً ونقلب صفحاته لنتذكر ما كان عليه حال الإمارات وما آلت إليه من وحدة شاملة بكل المقاييس في جميع النواحي وعلى اختلاف الأصعدة، وبما أن الدولة هي زايد وزايد هو الدولة دعونا ننصف هذا الرجل الشهم الذي وحد البلاد وجعلها أمة إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
كانت الإمارة ترتبط بمعاهدات مع بريطانيا، ويعتمد اقتصادها على صيد السمك وتجارة اللؤلؤ والزراعة البسيطة التي انتشرت في الواحات المتناثرة هنا وهناك. في العام 1962، بدأت أبوظبي ثورتها الصناعية، وذلك بتصدير أول شحنة من النفط الخام، وكان لهذه الثورة أثر كبير وعميق في نفوس السكان الذين تفاءلوا بتحسن أوضاعهم المعيشية أسوة بأقرانهم في الدول الخليجية الأخرى.
وكان لزيارة الشيخ زايد لكل من بريطانيا وفرنسا العام 1953، واطلاعه على المدارس والمستشفيات هناك الأثر الأكبر في تطور نظرته للمستقبل، إذ قرر بعد ذلك إنشاء مثل هذه المرافق المهمة في مدينة أبوظبي. وتم إقناع الشيخ شخبوط بالتنازل عن الحكم لأخيه الشيخ زايد، في السادس من أغسطس 1966، إذ أصبح الشيخ زايد حاكماً لإمارة أبوظبي.
وفي العام 1968 أعلنت بريطانيا عن نيتها الانسحاب من المنطقة على أن يتم الانسحاب كليا قبل نهاية العام 1971، ولقد دعا كل من الشيخ زايد وحاكم دبي الراحل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الفرصة للمناداة بالوحدة بين الإمارات والبحرين وقطر، ولكن تلك الوحدة التي كانا يتطلعان إليها لم تتم لعدم رغبة الإمارتين (البحرين وقطر) بالانضمام للإمارات الأخرى.
وبعد ذلك عمل الشيخ زايد والشيخ راشد على إتمام وحدة الإمارات العربية التي ولدت في الثاني من ديسمبر/ كانون الثاني 1971 وشهدت دولة الإمارات العربية المتحدة بعد ذلك تطورا في جميع ميادين الحياة مثل: الخدمات الاجتماعية، والصحة والتعليم والاتصالات والتكنولوجيا والتجارة. ثم عمل بعد ذلك مع إخوانه ملوك وحكام دول الخليج العربي الأخرى على قيام مجلس التعاون الخليجي هذا الصرح المنيع.
وفي 25 مايو/ ايار 1981 ترأس أول قمة عربية لتعلن ميلاد مجلس التعاون الخليجي.
القاهرة - أ ش أ
أعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى عن بالغ الحزن وعميق التأثر لوفاة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
ونعى الأمين العام - في بيان صدر عن الأمانة العامة للجامعة بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن الأمانة - إلى الأمة العربية فارساً من فرسانها النبلاء ورجلاً من أكابر رجالاتها شكلت مسيرة حياته نموذجا فريدا للعطاء بلا توقف وللقيادة الواعية الرصينة والحكيمة.
عواصم - وكالات
قطع التلفزيون اليمني برامجه المعتادة وبدأ يبث تلاوة للقرآن الكريم عقب إعلان وفاة رئيس الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. يذكر أن الشيخ زايد يرتبط بعلاقات طيبة بالرئيس اليمني علي عبدالله صالح وقام بتمويل بناء سد مأرب التاريخي في محافظة مأرب اليمنية بمرحلتيه الأولى والثانية، كما أن الإمارات تقوم بدعم الكثير من المشروعات الإنمائية في اليمن. كما أعلن التلفزيون المصري الحداد لوفاة الشيخ زايد وقطع برامجه العادية ليعلن نبأ الوفاة وبدأت القناة الأولى في إذاعة القرآن الكريم. كما أذاع التلفزيون لقطات ارشيفية عن حياة الشيخ زايد ومواقفه العربية الشجاعة التي تساند القضية الفلسطينية والحق العربي في كل مكان.
أبوظبي - وكالات
أعلن تلفزيون أبو ظبي مساء أمس وفاة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. وطبقاً لدستور الإمارات العربية المتحدة فإن نائب رئيس الدولة ورئيس الوزراء وحاكم دبي الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم سيحل محل الراحل الشيخ زايد في رئاسة الدولة حتى يتم اجتماع المجلس الاتحادي وحكام الإمارات السبع خلال 30 يوماً لانتخاب رئيس جديد للبلاد.
ونقلت وكالة «أنباء الإمارات» الرسمية بياناً عن ديوان الرئاسة في ابوظبي «ينعي إلى شعب الإمارات والأمتين العربية والإسلامية وإلى العالم أجمع قائد الوطن وباني نهضته صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة». وأضاف بيان ديوان الرئاسة أن الشيخ زايد «انتقل إلى جوار ربه راضياً مرضياً مساء الثلثاء التاسع عشر من رمضان الموافق الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني». وكان الفقيد الشيخ زايد البالغ من العمر ثمانين عاماً، واجه مشكلات صحية خلال السنوات القليلة الماضية وأجريت له عملية جراحية في أكتوبر/ تشرين الأول 2003 لاستئصال حصى من المرارة. كما أجريت له عملية جراحية في العنق في سبتمبر/ أيلول 1996 قبل أن تزرع له كلية العام 2000.
وسيتولى ولي عهد أبوظبي الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان حكم الأمارة تلقائياً. وتتوقع مصادر رسمية أن ينتخب المجلس الأعلى الشيخ خليفة رئيساً للدولة خلفاً لوالده الراحل. وحكم الشيخ زايد الإمارات 33 عاماً وشهدت البلاد خلال فترة حكمه تحولات جذرية خصوصاً بفضل عائدات النفط، وقد عرف بالحكمة والاعتدال في منطقة تمزقها النزاعات.
الوسط - المحرر السياسي
برحيل رئيس دولة الامارت العربية المتحدة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تفقد الأمتين العربية والاسلامية واحدا من قادتها القلائل الذين كان لهم دورهم وصوتهم المؤثر طوال العقود الثلاثة الماضية أو تزيد منذ أن تسلم سموه مقاليد الحكم في امارة أبوظبي في العام 1966، ورئاسة دولة الامارت العربية المتحدة بعد قيام الاتحاد في العام 1971 . ولم يبرز دور رئيس دولة الامارت الراحل في مجال العمل العربي والاسلامي المشترك بل تعداه لعدد من الحقول والأنشطة الانسانية والخيرية وحتى البيئية.
فقد تم إنشاء مؤسسة زايد للأعمال الخيرية ، والتي كان لها دور كبير في التمويل وتقديم المنح لعدد من المشروعات الانسانية والخيرية في عدد من الدول العربية والاسلامية وامتدت لجميع القارات.
بلغ حجم إنفاق المؤسسة على مختلف المشروعات في قارة آسيا حوالي 15 مليون دولار أميركي وهو ما يمثل نسبة 17 في المئة من الإنفاق العام وتنوعت مشروعاتها بين إنشاء مساجد ومستشفيات ومراكز تربوية وصحية وتقديم مساعدات بسيطة وإغاثات مختلفة .
أما مشروعات المؤسسة في أوروبا والغرب ويشمل هذا الإقليم كل من قارة أوروبا وأميركا واستراليا ونيوزيلندا بلغ حجم النفقات على المشروعات الخيرية في هذه المناطق مجتمعة حوالي 18 مليون دولار أميركي وهو ما يمثل نسبة 18 في المئة من الإجمالي العام لإنفاق المؤسسة وتتوزع المشروعات في العالم الغربي بحسب حاجات الجاليات المسلمة وتتميز بالتنوع اذ تشمل مختلف المجالات وخصوصا الثقافية والدينية التي تساهم في المحافظة على الهوية العربية الإسلامية للجاليات المسلمة.
وفي إطار مشروعات إعادة الإعمار وتوطين النازحين البوسنيين قامت المؤسسة بتنفيذ مشروع تنموي واجتماعي رائد يتمثل في توزيع عدد من الأبقار المنتجة للحليب واللحوم على العائلات البوسنية فاقدة السند ما يعينها على الإستقرار في قراها التي دمرتها الحرب وقد لاقى هذا المشروع التقدير الدولي وبلغت كلفته في المرحلة الأولى منه نصف مليون دولار أميركي ويتم تنفيذه في إطار برنامج شراكة مع منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية .
أما في الولايات المتحدة الأميركية فقد ساهمت المؤسسة في إنشاء مسجد الفاطر بشيكاغو بالتعاون مع مؤسسة محمد علي كلاي الخيرية .
وفي نيوزيلندا قامت المؤسسة بإنشاء مدرسة الشيخ زايد الثانوية للبنات بكلفة إجمالية وصلت إلى حوالي 3,5 ملايين دولار أميركي وهي من أبرز المنشآت التعليمية الإسلامية في هذه المنطقة من العالم
العدد 789 - الثلثاء 02 نوفمبر 2004م الموافق 19 رمضان 1425هـ