العدد 789 - الثلثاء 02 نوفمبر 2004م الموافق 19 رمضان 1425هـ

المشاركون: الحكومة ليست مستعدة لتقليص القطاع العام ومؤسساته

منتدى «الوسط» يطرح مفهوم الحكم الصالح ومتطلبات الإصلاح الإداري في البحرين

تساءل منتدى «الوسط» عن إمكان وجود إصلاح سياسي من دون وجود إصلاح هيكلي وإداري في مؤسسات الدولة وصولاً إلى ما يسمى «الحكم الصالح» الذي تتبناه الأمم المتحدة، في سبيل تطوير الدول النامية باتجاه الديمقراطية.

لدينا في البحرين مشروع إصلاحي تحوطه الكثير من العقبات والكثير من المعوقات، وطرح سمو ولي العهد قبل فترة إصلاح سوق العمل، وهذا التوجه من قبل ولي العهد يحتاج إلى إصلاح هيكلي وإداري، وإصلاح مؤسسات الدولة أيضا، وخصوصا إذا ما عرفنا أن هذه المؤسسات مؤسسات مترهلة.

حاورت «الوسط» كلاً من الخبير في مجال التنمية السياسية والاقتصادية علي سلمان إضافة إلى الاقتصادي إبراهيم شريف، ورئيس جمعية الشفافية الاقتصادي جاسم العجمي، وفيما يأتي نص الحوار:

ما مفهوم الحكم الصالح وفق البرنامج الذي طرحته الأمم المتحدة؟

- علي سلمان: الحكم الصالح حسب تعريف الأمم المتحدة، هو الذي يدعم ويصون رفاه الإنسان، ويقوم على توسيع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم، وحرياتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لاسيما لأكثر أفراد المجتمع فقرا وتهميشا. وفي هذا السياق: يمكن النظر للحكم على أنه ممارسة للسلطة الاقتصادية والسياسية والإدارية لإدارة شئون بلد ما على جميع المستويات.

الحكم الصالح يتسم من بين جملة أمور أخرى بالمشاركة والشفافية والمساءلة، ويكون فعالاً ومنصفاً، ويعزز سيادة القانون، هذا ما يفترض فيه، وبالتالي: فهو يكفل وضع الأولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على توافق الآراء في المجتمع، والتي يجب أن تسمع فيه أصوات أكثر الفئات ضعفا وفقرا في صنع القرارات المتعلقة بتوزيع موارد التنمية.

التنمية من وجهة نظر شخصية هي كما العلاج لابد أن ترتكز على تشخيص دقيق لأية عملية تنموية، كما أن العملية الجراحية يجب أن ترتكز على تشريح صحيح، وكلما كان هذا التشخيص دقيقا مخلصا، كلما كان العلاج أقرب لحل المشكل التنموي، والعكس صحيح طبعا. ولذلك: فإن العملية التنموية، سواء كانت في المجال الاقتصادي أو في ما يتعلق بالوصول إلى الحكم الصالح، يجب أن تنطلق من طرح السؤال الصحيح، أي أين هي مواطن الخلل، فالسؤال الصحيح يحمل أكثر من نصف الإجابة الصحيحة، لذلك، يجب أن نضع أيدينا على مواطن الخلل لإصلاحه، سواء أكان الخلل اقتصاديا أو اجتماعيا أو الخلل في المؤسسات، وسواء كان الخلل متراكما أو طارئا وصولا إلى ما يعرف بـ «الحكم الصالح».

الحكم الصالح من أهم ركائز المجتمعات المتقدمة التي من الضرورة أن تمتلك الثروات، فبعض المجتمعات المتقدمة جدا لا تمتلك ثروات، ولكنها تمتلك نظاما فعالا، وجملة مبادئ تمكنها من تصحيح الأخطاء، والانطلاق بعد أن تصحح الأخطاء. من هنا يرى أن الحكم الصالح أو غير الصالح «غير الرشيد» بعبارة أصح يطلق على جزء من بعض المجتمعات، وبالتالي: فالحكم الصالح هو سمة من سمات المجتمعات المتخلفة والنامية التي تفتقر إلى المشاركة والشفافية والمساءلة.

بعدنا حين الحديث عن الحكم الصالح في الجانب الإداري، كيف يتم إصلاح الخلل الإداري في مؤسسات الدولة وصولا إلى الحكم الصالح؟

- علي سلمان: في الجانب الإداري، لابد أن يكون هناك نوع من الشفافية والمساءلة في العمل الإداري، إضافة إلى إشراك المجتمع المدني الفعال في ذلك، ومن دون مساءلة لأي شخص مسئول في الدولة كائن من كان على أداء معين، فإن عدم المساءلة ستوصلنا إلى ما لا يحمد عقباه، والناس هنا عليهم أن يعدون برامجهم، ويطبقونها عبر مؤسساتهم التي من المفترض جدليا أن يكون البرلمان أحدها، ثم يتأكدون بعد ذلك أن هذا التطبيق يتوافق مع ما يؤمل عبر بعض الأدوات الرقابية التي تمكن المجتمع من قياس الأداء الإداري، سواء كان الأداء الإداري ناجحا أو فاشلا أو فاسدا أو لا يرقى إلى الطموح.

بعد هذه الإشارة المهمة التي أشار إليها سلمان فيما يتعلق بأساسيات الحكم الصالح، ما هي حظوظ البحرين من الحكم الصالح في البعد الإداري والهيكلي، في ظل الحديث المحموم عن الإصلاح السياسي والاقتصادي؟ فهناك معلومات تشير إلى ترهل المؤسسة الرسمية من حيث تضخم موظفي القطاع العام، إذ تصل نسبة العاملين فيه إلى ما يقارب 34 ألف في القطاع المدني فقط، كما أن أعداد المسئولين الكبار في ازدياد، وكذلك الوزراء من دون حقيبة، ومن في حكمهم ممن يشغلون وظائف أخرى، هل يخدم هذا الترهل في تطبيق معايير الإصلاح الإداري؟

- جاسم العجمي: دعني أؤكد أولا ما ذهب إليه الأخ علي سلمان في تعريفه إلى الحكم الصالح، فالحكم الصالح هو عبارة عن البيئة المطلوبة لتحقيق الأهداف التنموية لأي برنامج تنموي، والمقصود من التنمية هو التنمية بمفهومها الشامل في الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تهدف إلى رفاهية الإنسان، والتي يكون الإنسان محورها وهدفها، وهذا يتطلب معرفة ما هي البيئة المثالية التي نطالب بها لتطبيق الحكم الصالح.

أما عن الإصلاح الإداري، وتحديدا فيما يتعلق بكفاءة القطاع العام، وارتفاع حجم التوظيف فيه، فهي من أهم المشكلات التي يواجهها القطاع العام، وهي مشكلة ليست حديثة، بل هي مشكلة يعاني منها منذ سنوات، حين بدأ يكبر إلى الحد الذي تأثرت فيه فعالية وإنتاجية القطاع العام بشكل سلبي، ولكن من أجل تحقيق الإصلاحات الاقتصادية المتوقع البدء فيها، فإننا نحتاج إلى إصلاح إداري ومؤسسات فاعلة من خلال وجود الكفاءات القادرة على ترجمة الخطط إلى برامج عملية يمكن تطبيقها، وهذا يدعو إلى اتخاذ مجموعة خطوات ينبغي الإقدام عليها فيما يخص الإصلاح المؤسسي.

نحن نحتاج إلى تطوير آلية التوظيف والآليات المتبعة في الترقيات والتدريب وتحديد الرواتب، كما أن القطاع العام يحتاج إلى تطوير فيما يتعلق بوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، من أجل أن يكون هذا القطاع قادر على ترجمة كل ما يطرح من قضايا إصلاح، وعلى صعيد البرامج الثلاثة التي تتناولها دراسة ماكينزي (إصلاح الاقتصاد، سوق العمل، التدريب)، والتي يتبناها سمو ولي العهد، فمن دون أن يكون القطاع العام قادرا على ترجمة هذه الأهداف إلى واقع، فمن الصعب تحقيق الأهداف التنموية التي نسعى إليها.

هل الدولة في صورتها الحالية قادرة على إيجاد إصلاح إداري هيكلي مؤسساتي؟ وما هو المطلوب بعد ترهل هذا الكيان الكبير؟ هل الدولة قادرة مثلا على الإصلاح الإداري مع وجود 40 وزيرا بحقيبة ومن دونها، و600 موظف كبير في الدولة و34 ألف موظف مدني (دون العسكريين)؟ وما هو المطلوب لتحويل الهيكل المترهل طوال هذه السنين إلى هيكل فاعل ومنتج؟

- إبراهيم بشمي: أريد تصحيح عدد موظفي القطاع العام، فالقطاع العام يشمل أكثر 60 ألف موظف حسب ما جاء في تقرير التأمينات الاجتماعية والتقاعد، وهناك استثناء للقطاع العسكري (30 ألف موظف).

لكن، لنعد إلى الحكم الصالح، ونتعرف على تعريف برنامج الأمم المتحدة للحكم الصالح، ولنتكلم هنا عن كل نقطة في التعريف، ونعرف أين موقع البحرين منها.

أولا: الحكم الصالح لا يشمل الحكومات فقط، وإنما يشمل معها القطاع الأهلي والقطاع الخاص، ما يعني أن الحكم الصالح يشمل ثلاثة قطاعات وليس قطاعا واحدا فحسب.

ثانيا: حكم القانون يأتي ضمن أولويات الحكم الصالح، والسؤال: هل الأطر القانونية الموجودة في البحرين تتسم بالعدالة؟ وهل ينفذ القانون بشكل عادل؟ هذا على مستوى التشريعات وتنفيذها، وللجواب على ذلك، يمكن القول: إن غالبية التشريعات هي تشريعات غير عادلة، وهي موجودة من حقبة قانون أمن الدولة، أما النقطة الأخرى: فهي أن تطبيق القانون يأتي على أسس سياسية أو مصلحية، وليس على أساس العدالة في تطبيق القانون.

ثالثا: مسألة الشفافية، والشفافية معناها التدفق الحر للمعلومات، وفي ذلك: نجد اليوم مثلا أن هناك خبرا عن 53 ألف برميل (هبة السعودية إلى البحرين) أوقفت في شهر يوليو/ تموز (الماضي)، ويتم الحديث عنها في شهر أكتوبر/ تشرين الأول، ونحن هنا لا نتكلم عن مبلغ صغير، وإنما إنتاج أكبر من حقل البحرين نفسه، ويأتي في المرتبة الثانية بعد إنتاج حقل أبو سعفة، وبالتالي: لا يوجد تدفق حر في المعلومات.

رابعا: الاستجابة، والسؤال: هل تستجيب المؤسسات لمن له مصلحة في هذا البلد، فالدولة استجابتها بطيئة في أحسن الأحوال، وفي الكثير من الحالات لا تستجيب لحاجات المجتمع، ولكنها تستجيب لحاجات فئات معينة تشكل السند الاجتماعي للحكومة.

خامسا: المساءلة، بأن يخضع المسئولون في الحكم للمساءلة، بمعنى أن يعين المسئول ويعزل إذا أخل بواجباته أو فشل في تحقيق برنامجه، وهذا ما لا نجده في البحرين، فالكثير من الوزراء في الحكومة موجودون في مواقعهم منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهناك فشل ذريع في السياسات العمالية، والاقتصاد والسياسة مسئولين عنه مجموعة وزراء مازالوا في الإدارة العامة للدولة.

من كل هذا، نعرف أن مفهوم الحكم الصالح المعرف دوليا لا يتم تطبيقه في البلد، وبهذا المعنى، فليس لدينا حكم صالح، فالحكم الصالح درجات، وأنا هنا لا أتحدث أن ما عندنا هو صفر، ولكن إذا كانت الدرجات من الصفر إلى العشرة، فأنت أقرب إلى الصفر وأبعد من العشرة فيما يتعلق بالحكم الصالح.

ودعني هنا أشير إلى مسألة مهمة، وهي أن ما نتكلم به عن مفهوم الحكم الصالح جاء في خطابات الملك منذ العام 1999، فهو تكلم في الكثير من خطاباته عن وجود فساد في القطاع العام، ولإصلاح الخلل الإداري، نحن بحاجة إلى ثورة في القطاع الإداري، وطريقة الثورة المطلوبة مطابقة لما هو مطروح من ثورة في إصلاح سوق العمل، فإصلاح سوق العمل ليس برنامجا ترقيعيا، وإنما برنامج ثوري وجذري بالمفهوم الحاد للمصطلح، مختلف عما كان سائداً، وفيه آلام كثيرة، ولكنه ممكن أن يحقق شيئا مهما إذا تم تطبيقه بشكل صحيح، وتم التغلب على الجوانب السلبية في الموضوع.

لكن مشكلة الإصلاح في البحرين في غالبية مشروعاتها، أن هذه المشروعات تقف عند منتصف أو ربع الطريق في أحسن الأحوال، ولا تستكمل الطريق كاملا، وهذا يدلل على أن قضية الإصلاح لا تنفصل أبدا عن القضية السياسية، فلا تستطيع أن تصلح الاقتصاد أو سوق العمل ولا أن تقوم بإصلاح سياسي منفصلا عن الملفات الأخرى، فكلها مرتبطة مع بعضها بعضا. والواقع أن هناك مصالح موجودة لدى بعض الأفراد تمنع أن يصل الإصلاح إلى غاياته، فالغاية النهائية للإصلاح هو الحكم الصالح، الذي يتكلم عن العدالة وحكم القانون والشفافية والمساءلة والمساواة.

بنود الحكم الصالح إذا ما طبقت بالصورة الصحيحة، فإنها يقينا ستؤدي إلى الإضرار بفئات اجتماعية وأفراد كانوا منتفعين من بقاء الوضع الخاطئ في الفترة الماضية، لهذا نجد أنفسنا دائما نصل إلى منتصف الطريق، وإذا بعائق كبير يقف أمامنا، لأن النصف الأول من الطريق لا يتطلب تضحيات كبيرة، فالتضحيات تأتي بعد أن يقطع المشروع الإصلاحي شوطا لا بأس به، وتتعلق بمتنفذين قريبين من دوائر القرار، فمشكلة الإصلاح في البلد أنها مجرد نيات، والنيات لا تتطلب أكثر من التمني، ولكن ليست هناك عزيمة، لأن العزيمة تتطلب التضحية.

إذا انتقلنا إلى الحلول... هل خصخصة القطاع العام حل لمشكلة الترهل في مؤسساته؟ ماذا مثلا بشأن الكثير من الوظائف التي ليس لها مسمى ويشغلها الكثيرون على أسس لا تعتمد الشفافية في التوظيف؟

- علي سلمان: سأبدأ من حيث انتهى الأخ إبراهيم، هناك دعامتان أساسيتان لإصلاح الحكم بالمعنى الشامل الذي يشمل الدولة والحكم ومؤسسات المجتمع المدني وجميع القطاعات الأخرى.

الدعامة الأولى: أن تكون هناك دولة كفء ينبثق منها إصلاح إلى مؤسسات الدولة عموما، وصولا إلى جودة الخدمات المقدمة بأقل الكلف وأقل عدد ممكن وأفضل النتائج، فهذا هو المرجو والصورة المثالية للدولة الكفء الدعامة الثانية: المجتمع المدني الفاعل، بأن يكون هناك تفعيل لصوت الشعب عبر مؤسساته المختلفة، كالصحف والمؤسسات السياسية والمهنية، وأخيرا البرلمان كان الصلاحيات، وعليه: لابد أن يكون هناك تعاون بين الدولة الكفء ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة، فكلاهما يكمل الدائرة.

أين موقع البحرين من الإعراب في حديثك هذا، سواء الحكومة أو مؤسسات المجتمع المدني؟

- علي سلمان: هناك متطلبات سابقة يجب الحصول عليها، وصولا إلى الصورة المتقدمة للعمل الإداري الناجح، وأعتقد أن هناك مسئوليات كبيرة تقع على عاتق الجهاز التنفيذي، مثل أن تكون هناك شفافية وترسيخ للجدارة كمفهوم ومرجعية مهمة جدا، في اختيار الأكفأ، وهذا يتطلب وجود معيارية محددة في اختيار الكفاءات وموظفي الدولة، عبر وجود ما يسمى «بالمرجعية العملية لاختيار الموظف»، فعندما تعتمد الجدارة كأساس لاختيار الموظف، فأنت تحسن بشكل مباشر أو غير مباشر من الخدمة المقدمة للمجتمع.

وعليه، فإن الجدارة يجب أن تكون أساسا للتعيين والترقية، وحتى لإنهاء الخدمات، فأنت تنهي خدمة شخص إذا لم يستطع الوصول إلى المستوى المطلوب، وذلك يرتبط أيضا بحكم القانون، بأن ترتكز على قانون يعد المحك الفعلي الذي من خلاله تقرر بقاء فلان في المركز أو ابتعاده عنه، أو أن هذا الشخص يحتاج إلى ترقية أو تدريب.

أما عن تفعيل دور الناس، فهو ما يجب أن يكون عبر تأمين حريات أساسية، تحديدا حرية الرأي والتعبير، لأنها من الكفالات التي تكفل إصلاح المجتمع بشكل مباشر، ومن دون لف أو دوران، بأن يكون المواطن حرا في التعبير سواء أكان صحافيا أو إعلاميا أو حتى مواطنا عاديا، فعندما ترفع شكوى بصفتك مواطناً، يجب أن ينظر إليها بأنها شكوى حقيقية ويجب النظر فيها، وعندما يكتشف أنها خاطئة، يجب أن يحقق مع المواطن بحكم القانون.

كما يجب أن تكون هناك تقوية لمؤسسات الحكم المحلي، وتحرير لمنظمات المجتمع المدني، وأن يكون هناك تشجيع لإعلام مسئول اجتماعيا، وأن تكون هناك مساءلة للدولة عن طريق الإعلام، كما يجب أن يكون المجتمع مساءلا عن طريق الإعلام.

جاسم العجمي... دعني أسألك بصفتك رئيسا لجمعية الشفافية ومراقبا لوضع الحريات عن الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب، وقدرته على تحصين الوضع الإداري والهيكلي للدولة من الفساد والترهل؟

- جاسم العجمي: في تقديري أن تطوير كفاءة القطاع العام وهياكله الإدارية مسئولية مجتمعية، وبالضرورة، فإن مؤسسات الدولة هي التي تتحمل المسئولية الأكبر في النظر في مدى فعالية القطاع العام، ومدى قدرته في حالته الراهنة أن يواكب تطلعات الناس سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي، وبلا شك: فإن القطاع متضخم إلى الدرجة التي تقلل من إنتاجيته فعلا، وحتى لو ربطنا العاملين في القطاع بحجم الاقتصاد البحريني إذا استثنيت النفط لكونه يشكل ربع الناتج الإجمالي، فإن إنتاجية القطاع العام نسبيا متدنية، وفاعلية وإنتاجية الموظف في القطاع متدنية أيضا، ومن المفترض أن يكون هناك إصلاح يهدف إلى تشكيل قطاع عام فاعل ومنتج وصولا إلى تقليص حجم هذا القطاع.

وقد طرحت سؤالا على سلمان فيما يخص الخصخصة، وماذا كانت ستؤدي إلى تقليص حجم القطاع العام والقضاء على الترهل وعدم الإنتاجية الحاصلة فيه، وللجواب على ذلك: فإن الخصخصة قد تقلل حجم القطاع العام، لكنها لن تقلل حجم التوظيف في القطاع الحكومي، فالشركات والمؤسسات الحكومية لا تدخل ضمن الخدمة المدنية (34 ألف موظف)، ولكن حين نناقش حجم التوظيف في القطاع العام، فإن هناك سؤالا في الكثير من الأحيان لا نواجهه: هل المجتمع مستعدين لتقليص حجم التوظيف في القطاع العام في الحال الراهنة التي يعيشها القطاع الخاص، والتحديات التي يواجهها، وعدم قدرته على خلق وظائف ذات مردود مادي مرتفع يتناسب مع مستوى المعيشة؟

القطاع العام قطاع جاذب للموظف، فالموظف في المتوسط يحصل على وضع وظيفي أفضل في القطاع العام، وعائد مادي في المتوسط أفضل من القطاع الخاص، وهناك ضمانات وظيفية لا تتوافر في القطاع العام، فلما يصل الموظف إلى مرحلة التقاعد، فإن تقاعده أفضل حينما ينتمي إلى القطاع العام، وبالتالي: فإن الكثير من المطالبات الكثيرة تدعو إلى التوظيف في القطاع العام تحديدا، فالمطالبات من مؤسسات المجتمع المدني وحتى من الأفراد تصب في هذا الاتجاه، وأنا أشعر أننا ليس عندنا في الوقت الراهن استعدادا لأن نقلص حجم التوظيف في القطاع العام، إما للأسباب المذكورة سابقا، وإما لعدم توافر وظائف خارج القطاع العام (أي في القطاع الخاص) بديلة عن وظائف القطاع العام.

وإذا رجعنا إلى سؤالك السابق... هل الدولة مستعدة لتقليص القطاع العام وصولا إلى قطاع عام فاعل، ما يعني تقليص حجم الدولة في الاقتصاد، وكذلك تقليص دورها في المجتمع؟ فلا أعتقد بالتجربة في السنتين الماضيتين إذا رجعنا إلى أداء مجلسي الشورى والنواب، أن الجانب الرقابي يمكن أن يتحمله مجلس النواب، كما لا اعتقد أن مجلس النواب بالطلبات والرغبات التي قدمت يستدل منه أنه سيكون له دور في تفعيل وتطوير الجهاز الإداري للدولة، في هذا الإطار: لا أجد ما يشجعني ويحمسني أن اتوقع من مجلس النواب إذا استمر على هذا المستوى من الأداء أن يسهم في إصلاح القطاع العام، ويوصلنا إلى ما نتمناه من قطاع عام فاعل

العدد 789 - الثلثاء 02 نوفمبر 2004م الموافق 19 رمضان 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً