العدد 834 - الجمعة 17 ديسمبر 2004م الموافق 05 ذي القعدة 1425هـ

جودي: يمناي شاهدة على عصر أسود

منذ أيام قلائل، مرت سنة كاملة على اعتقال الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين من قبل قوة أميركية خاصة، ومن دون إطلاق رصاصة واحدة، البعض مرت عليهم هذه الذكرى ولم يستذكروها إلا من خلال وسائل الإعلام، والبعض الآخر انطبعت حقبة كاملة من تاريخ حزب البعث على جسده، ومنهم التاجر العراقي نزار عبدالله جودي.

اعتقل جودي في العام 1994 من قبل الجهاز السري للنظام السابق «بتهمة التعامل بالعملات الصعبة»، ولكي يقر بهذا الذنب العظيم جرى ضربه، وتم تهديده بإحضار زوجته، ورفع من يديه ورجليه إلى الأعلى بآلة تعذيب خاصة، ولم يبق في جسده موضع إلا وناله حذاء محقق، أو سوطه أو بأية آلة تصل إليها أيديهم.

يروي جودي لـ «الوسط» محكمة وصفها بالمهزلة عندما لم يلتفت القاضي إلى دفوعاته، وكان حكمه «قطع اليد اليمنى من الرسغ وذلك حسب قرار المجلس القيادي للثورة ويمنع تركيب يد اصطناعية ووشم بين الحاجبين (علامة اكس)».

ويقول إن حاله ليس أفضل من حال الكثيرين في تلك الأيام «أعرف شخصاً من البصرة رسم صورة صدام حسين بلا عينين، وكتب على هامشها «سأقلع عين الجلاد»، فوقعت عين أحد العاملين في المخابرات على «اللوحة السرية»، فتم اعتقال الشخص وحكم عليه بقلع عينيه.

عام مر على اعتقال صدام، وثلاثون عاماً مرت على اعتقال البعث للعراق، فأية محاكمة ينتظرها الاثنان؟


العراقي يروي لـ «الوسط» حكاية بتر كفه في سجن أبوغريب

جودي: صدام يتلذذ برؤية الألسن والأكف المبتورة في إناء

الوسط - زينب عبدالنبي

هكذا هم العراقيون الآن، ما أن تلتقيهم حتى يغرقوك بحكاياتهم الحزينة أيام حكم النظام السابق صدام حسين، وكأنهم يعوضون سنين الكبت، والصمت، والخوف من أجهزة المخابرات، والحرمان! قصص تروي ذكريات مُعتقل، وصور تعذيب بشعة وغريبة، لا تغيب عنها مشاهد الرعب، وقطع وبتر الألسن والأعين والآذان والأكف، فضلا عن أحكام المؤبد والإعدامات... كثيرا ما يتحدثون عن سيناريوهات أبطالها (أرواح) اعتبرها النظام «رخيصة»!

نزار عبدالله جودي، تاجر عراقي، روى لـ «الوسط» قصة بتر كفه أثناء زيارة قصيرة له للبحرين، بتهمة «التعامل بالعملات الصعبة»، وكيفية تعامل أجهزة المخابرات معه وهو معصب العينين، وإجراء عملية البتر في سجن أبوغريب، والكثير من القصص التي رآها وسمع عنها، وعاينها عن قرب أثناء مروره في طرقات العراق!

تهمة التعامل بالدولار!

يبدأ جودي حديثه الحزين: «اعتقلت في العام 1994 من قبل مديرية أمن العامة «الجهاز السري للنظام السابق»، وفي 21 أغسطس/ آب اعتقل معي ما يقارب الـ 1200 تاجر، تحت تهمة التعامل بالعملات الصعبة (الدولار)، وكوني تاجر ذهب، فالذهب مرتبط بشكل تلقائي بسعر الدولار، ولم أكن اعلم ان التعامل بالدولار يعتبر جريمة!».

والغريب أنه بعد أن صدر الحكم علي، صدر قرار بالسماح بالتعامل بالدولار!

ويكمل: «سُئلت: هل تتعامل بالدولار؟ فأجبت: بنعم، فزجرني المحقق: الا تعلم بالقرار؟، قلت: لم أكن أعلم بالقرار!... عُذبت في فترة التحقيق ونزع الاعتراف، وطلبت مني الشهادة على أصحابي بالجريمة ذاتها، فلم أقبل، وبعد أن استمر صمودي وعدم رضوخي لهم أثناء التعذيب، هددوني بجلب زوجتي وتعريضها للإهانة وكثيرا ما اتبعوا هذا الاسلوب «القذر» مع المعتقلين، ما دعاني للقبول بتوقيع ورقة بيضاء لهم... وليكتبوا عليها ما شاءوا!

ويستذكر فنون التعذيب:«طُوقت يداي بحديد ورفعت بطريقة آلية للأعلى (آلة تعذيب خاصة)، وبعد ان يتم رفعي للأعلى تبدأ عملية الضرب على شكل «اكس» أي من القدمين حتى الرأس، وما ان اضرب على رأسي حتى يغمى علي، من شدة الألم».

سجن أمن العامة

يتنفس بصعوبة ويصف مكان التحقيق: «سجن أمن العامة عبارة عن مجموعة من الأقفاص، مسلطة عليها كاميرات، لتراقب كل ما يجري في السجن، وفي الزنزانة التي سُجنت بها ما يعادل 40 شخصا تكدسوا في مساحة ضيقة جدا، لذلك نتناوب على النوم في الليل، إذ ينام البعض ويظل البعض الآخر مستيقظا، وهكذا دواليك وذلك بسبب ضيق المكان!»... «دخلت هذا المعتقل لمدة خمسة أشهر وطوال تلك المدة لم أبدل ملابسي، الى أن افرج عني... تمزقت ملابسي علي!»... «كان يقدم لنا في اليوم ثلاث من قطع الخبز فقط، وثمة من مات من الجوع في سجون أخرى!»... «كان يبعد سجن أمن العامة عن منزلي بمسافة عشر دقائق بالسيارة الا أن اهلي لم يعلموا عني إن كنت حيا أو ميتا أو في أي سجن قد اعتقلت، وكثيرون ممن كانوا معنا في هذا المعتقل وجدوا في المقابر الجماعية، إذ من الممنوع أن تسال عن ذويك أو أي شخص عند استعلامات سجن أمن العامة».

ويصف فصول محاكمته بالتفصيل: «هزأني القاضي عندما نفيت ما وجه لي من تهم، وصدر الحكم كالتالي: حكمت عليك المحكمة بقطع اليد اليمنى من الرسغ، وذلك بحسب قرار المجلس القيادي للثورة ويمنع تركيب يد صناعية ووشم بين الحاجبين (علامة اكس)».

جودي مستنكرا: «حكم عليّ بقطع اليد من الرسغ لأني تعاملت بالدولار، وإن لم يتعامل تاجر بالذهب بالدولار فبماذا يتعامل!»، ولكنه يستدرك: «ولكن ما تعرضت له أخف وطأة مما تعرض له زميلي الدلال الذي لم يرَ الدولار قط في حياته، ومع ذلك كانت تهمته هي التعامل بالدولار».

سجن أبوغريب

ويحكي: «نُقلنا بعد خمسة أشهر الى سجن ابوغريب لإجراء عملية البتر وبحسب الحكم كان لابد من إجراء العملية من دون تخدير «بنج»، واحد المعتقلين توفي نتيجة العملية... تضررت وعانيت من آلام في يدي بعد إجراء عملية البتر العقابية لأنها لم تتم بطريقة صحيحة وطبية!».

الغريب أن جودي لم يلقَ تلك المعاملة لأنه سجين سياسي، ومع ذلك تمت معاملته بهذه الطريقة، وهذا ما عبر عنه بقوله: «نحن التجار لم يعتبرونا معتقلين سياسيين وقد عوملنا بهذه الطريقة، ولو كنا سياسيين لعوملنا بطريقة أسوأ بكثير!».

تصوير عمليات الإعدام والبتر

يتنهد جودي: «اذا بترت أعضاء شخص أو أعدم فلابد من ان يُوثق ذلك، ولابد أن تُصور كل عمليات البتر، ليراها صدام وليتأكد بنفسه بأنهم قد أعدموا، كما تقدم له الأعضاء المبتورة على إناء ليرى الأعضاء وليعاينها بنفسه».

يقاطع نفسه ويخرج عن سياق سرد حكايته: «من بتر اكفنا وعذبنا في سجن ابوغريب، تم تعذيبهم واعتقالهم الآن في السجن ذاته... فيالسخرية القدر». مشيرا إلى أن لديه أدلة موثقة تبرهن على ان المعتقلين الآن في سجن أبوغريب هم المعذبين السابقين!

ويواصل: «عثر أحد الحقوقيين الأميركان على تلك الأشرطة والوثائق، وبعد سقوط صدام ظهرت على شاشة الجزيرة والعربية، وقد رآني هذا الحقوقي وطلب مقابلتي ومقابلة اصحابي التجار الذين بترت اكفهم، وقد تكفلت الولايات المتحدة الاميركية بعلاجنا، وكلف علاجي 120 ألف دولار«...» عندما عرضت مشاهد الفيلم في الكونغرس لم اتحمل المشاهد المرعبة التي تعرضنا لها، وقد اغمي علي».

ويستطرد: «عندما ذهبت للولايات المتحدة اكتشفوا بأن عمليتي غير صحيحة، فقاموا بإجراء عملية اخرى، قام بها افضل الأطباء في تكساس، وتم تركيب يد صناعية لي، واخبرني الطبيب بأن لو كان البتر صحيحا منذ البداية لما تعرضت لعملية أخرى، ولركبت لي يد صناعية أكثر تطورا من اليد الصناعية الحالية».

اللقاء بجورج بوش

وبيّن جودي بأنه قد التقى هو واصحابه بالرئيس الاميركي جورج بوش، ويسرع جودي بالقول: بعد ان سمعنا بوش قال لنا «ثمة ما يدفعني للشعب العراقي»... رحب بنا كأعزاء، وكان الشعب الاميركي مترقبا لرؤيتنا عبر قنواته التي صورتنا كما صورتنا القناة الألمانية والفرنسة والجزيرة أيضا كانت موجودة.

بدا جودي متحمساً لبوش، بل وصفه بِـ «بطل الحرية»، وقال مازحا: «الناس تضع حرز وخيط اخضر في جيبها أما أنا فأضع صورة بوش، وصورة بوش معلقة على جدار منزلي أيضا، وقال لي احدهم متهكما: ألا تخاف من أن يقتلك قوم الزرقاوي الارهابيين!».

وبعد ملحمة الحماس هذه نوه جودي بأن «السعادة بإزالة النظام العراقي المقبور لا تعني مبايعة الأميركان، ولو يرحل الاميركان الآن لسيطر الإرهابيون على العراق».

مشاهدات في «أبوغريب»

لم يخلُ حديث جودي عن مشاهد التعذيب التي رآها بعينه أو سمع عنها، إذ بين انه رأى في سجن أبوغريب شخصاً يُعذب «بالفلقة» الى ان سقطت أظافر رجليه.

ويستطرد: «اعرف شخصاً من البصرة رسم في يوم من الايام صورة صدام حسين من دون عينين، وكتب في الفراغ، «سأقلع عين الجلاد»، فرأى الرسمة «السرية» أحد العاملين في المخابرات، فتم اعتقال الشخص وحكم عليه بقلع العين!»... ويسرد قصة أخرى: «واحد الهاربين من الجيش حكم عليه بقطع الأذن».

حكاية أخرى: «حكم على احدهم أيضا بقطع اللسان لأنه تهجم على صدام حسين».

ويلفت: «اذا صدر قرار بمنع التجول، وقام احدهم بالتجول، فيتم تعليقه على عمود الاضاءة ويترك حتى يموت لوحده موتاً بطيئاً».

وأخرى: «خمسة من جيراني اتهموا بالانتماء لحزب الدعوة، وقد عثر عليهم في المقابر الجماعية، كانوا معتقلين منذ 24 سنة، ولم نعلم عن موتهم إلا الآن».

حكايات بشعة

ويروي قصة أكثر بشاعة: «من ضمن الذين اعرفهم أيضا، احد المعتقلين السياسيين، الذي تعرض إلى تعذيب فضيع جدا، كلفه حياته، إذ اطلق عليه عدي ابن صدام كلاباً بوليسية جائعة، فمزقته إربا وأكلته، ومن المعروف في العراق إن البعض يُترك إلى نمر عدي ليأكله!».

ويتذكر: «عندما زار صدام روضة الأطفال، قال لأحد الأطفال هل رأيتني من قبل، فقال الطفل: نعم... أراك في التلفاز، وكلما تظهر صورتك أجد أبي يبصق على التلفاز، فحكم بعد ذلك على والد الطفل بالإعدام».

قصة أخرى: «شخص آخر حكم عليه بالمؤبد لأنه تمنى أن يعيش في تركيا! كانت تهمته «التمني».

وغيرها: «شخص حلم بأنه حدث انقلاب على صدام، فحكم عليه بالإعدام».

هذه تجربة تاجر عراقي، روى ذكرياته الحزينة وهو في حال إنذهال، فلم يتوقع يوما أن يزول جبروت صدام ليعيش أو يحلم بالعيش مجددا بأمان

العدد 834 - الجمعة 17 ديسمبر 2004م الموافق 05 ذي القعدة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً