منذ أن تشكلت الدولة العراقية لازمت حال مرضية الأقلية الطائفية المسيطرة عليها، وكذلك بعض رموز الأحزاب السياسية إذ كانت تلازمهما العقدة الإيرانية، وعانى غالبية المجتمع العراقي على رغم عروبته الأصيلة من تلك العقدة منذ أزمنة طويلة، حتى قبل تشكيل الدولة العراقية، ولعله منذ الصراع الصفوي العثماني الذي خلف تلك الحال المرضية عند كثير من الشوفينيين الطائفيين وبعض الأحزاب السياسية.
النظام الصدامي الطائفي البائد، استخدم ورقة التبعية الإيرانية بأبشع أسلوب وخلف شرخا اجتماعيا عنيفا، لما ارتكبه من جرائم إنسانية بحق الغالبية من الشعب العراقي وكان من أبرزها:
تدمير الحوزة العلمية في النجف الاشرف، وإقصاء كوادرها في سنة 1972، وذلك للقضاء على المرجعية السياسية والفكرية لغالبية الشعب العراقي، واستطاع الشهيد الصدر وتحركه السياسي في لبنان وبقية دول العالم أن يحافظ على البقية الباقية من الكوادر بفضل الضغط الذي قام به تجاه النظام العنصري البائد.
تدمير القوة الاقتصادية لغالبية الشعب العراقي والتي كانت تسيطر على العصب المركزي للتجارة العراقية في بغداد وبالذات في الشورجة من خلال احتجاز التجار ومصادرة أموالهم واحتجاز أولادهم، وتحويل هذه الممتلكات إلى المقربين من عشيرة صدام.
شن حرب شعواء على إيران، ومحاولة تعميم العقدة الإيرانية على الوضع الإقليمي العربي، واستمر اللعب بهذه الورقة الشوفينية في كسب القوى الدولية لصالحه طيلة استمرار حكمه وحتى النفس الأخير، بل كان جازما أنه كان يشكل الرادع الاستراتيجي الوحيد تجاه الإيرانيين، وكان يعتقد أن تلك الورقة هي صمام الأمان الوحيد لبقائه في الحكم.
إعدام مئات الآلاف من الشعب العراقي، سواء الذين طمروا في غياهب السجون أو في المقابر الجماعية بعد الانتفاضة الشعبانية المباركة أو قبلها، والتي كانت إحدى أسباب إعطاء الضوء الأخضر للقضاء عليها سيطرة العقدة الإيرانية على الوضع العربي والدولي والمتاجرة بها من قبل النظام البائد ومؤسساته الإعلامية ورموزه الفكرية والسياسية التي مازالت تتحرك في الوضع السياسي العراقي الحالي، إذ بدأت تطبل لهذه العقدة المسيطرة على تفكيرها وتحاول أن تستخدم الأسلوب نفسه، الذي كانت تلعبه في زمن صدام ولكن بوسائل أخرى، وهذا يدل عن مدى عقدة النقص التي تنتابهم فكرياً واجتماعياً.
ويمكن أن نلخص النماذج المبتلاة بمرض وسواس العقدة الإيرانية برموز نظام البعث البائد والذين تسللوا إلى بعض الصحف ومراكز الدراسات. ونتيجة ماضيهم السيئ مع النظام الشوفيني السابق يحاولون الآن معالجة هذا النقص في تفكيرهم باستخدام العقدة الإيرانية لمعالجة المطالب العادلة للغالبية من الشعب العراقي.
كما أن بعض الكتاب والسياسيين ممن تسيطر عليهم عقدة العنصرية والقومية والخوف من الوضع الإقليمي الذي أصبح هاجساً ومرض وسواس دائما في تفكيرهم لا يمكنهم معالجته. إلى جانب طبقة الانتهازيين الذين يبحثون عن نقاط التوازن في المعادلة الإقليمية والدولية بشأن العراق فتراهم يتربصون بكل مشروع وحدوي من اجل تحقيق مكاسب مادية لأنفسهم. ولا ننسى الطائفيين الذين يحاولون استخدام هذه الورقة لتحقيق مكاسب طائفية علما أن كثيرا من أبناء الأقلية والذين أصولهم غير عراقية لا توجه إليهم تلك السهام، ما يدل على أن هناك كيلا بمكيالين ولعباً خطيراً بالورقة الطائفية.
إن العقدة الإيرانية على رغم الشرخ الذي أحدثته في المجتمع العراقي بسب الأوهام المسيطرة على هؤلاء، والكوارث التي نتجت عنها، إذ مازالت آثارها باقية حتى الآن، على اثر الجرائم الذي قام بها العهد البائد، فإننا نلاحظ غالبية الذين سيطرت عليهم تلك العقدة، لا تحاول أن تغير من تفكيرها وأسلوبها وتصلح الأخطاء المترتبة، نتيجة ما حدث من دمار وتمزيق للمجتمع العراقي المعروف بتعدديته الاثنية والقومية والمذهبية، فمتى يكون منطق العقل السليم لا الحال المرضية مسيطرا على تفكيرهم في التعامل مع الواقع الاجتماعي؟ * كاتب عراقي
العدد 840 - الخميس 23 ديسمبر 2004م الموافق 11 ذي القعدة 1425هـ