رفض أمين اتحاد البورصات العربية فادي خلف، تحميل إدارات الأسواق مسئولية الخسائر المؤلمة التي حصلت على خلفية أزمة 2008، معتبرا أن الانهيار كان أكبر من أن تجدي معه طريقة الوقوف في وجه المؤشر ومنعه من الاتجاه نحو المستويات التي شهدناها، متوقعا خروج الأسواق من عنق الزجاجة مطلع العام 2010.
وخلافا لمن وجه انتقادات لاذعة تتهم الجهات المسئولة عن التداولات بالتساهل، قال خلف: «إن الأسواق المالية العربية قامت بدورها كاملا، بل كانت متشددة فيه. ولا يمكن لنا أن نقرأ الخسائر التي طالت هذه الأسواق على أنها نتيجة تقاعس في تطبيق الأنظمة؛ لأن الارتفاعات المبالغ فيها كان لابد أن تكون متبوعة بانخفاضات»، مضيفا أن «العلة ليست في التشدد بالأنظمة من عدمه، لكنها في المتداول الذي يتمادى مع الموجات الصاعدة».
مرة واحدة تكفي
وفي حديث حمل سمات المراجعة والتقييم، لم يخف أمين اتحاد البورصات موقفه المعارض لفكرة تعليق التداولات، كواحد من الحلول العلاجية المقترحة، معللا ذلك بأن الإيقاف أيا تكن فترته سيدفع المستثمرين للإحجام عن الدخول في سوق لا يعرفون متى يُقفل عليهم فلا يستطيعون الخروج منه قبل معاودة فتح الباب، حيث من الثابت أن المتداولين يفضلون دائما الأسواق التي تتيح لهم حرية الدخول والخروج في أي وقت يرغبون.
واستدل خلف بما شهده أحد اجتماعات اتحاد البورصات العالمية في ميلانو بإيطاليا، عندما وجهت ملحوظة للسوق الروسية مفادها أن قرار تعليق التداول الذي اتخذته هذه السوق منع المتعاملين من تسييل أسهمهم في وقت قد يكونون بأشد الحاجة إلى الأموال لاستثمارها في نشاطات أخرى، مستخلصا أن «الذي يمنع من تسييل أسهمه وتحصيل أمواله ولو لمرة، لن يعود لسوق حرمه منها بالمرة».
وبصفته واحدا من الخبراء المهتمين والممارسين لإجراءات ضبط السوق خلال الأزمات، لفت خلف إلى أن «هناك مجموعة من الإجراءات العملية التي ينبغي دراسة إمكانية تطبيقها في أسواقنا أثناء الظروف الاستثنائية. وتطرق إلى نظام «circuit breaker» المعمول به في مؤشري «داو جونز» و «يورونيكس» بشكل أساسي، وله ما يشابهه في أسواق أخرى، مشيرا إلى الإيقاف المؤقت والمحدود الذي يتحيه النظام هو بهدف إعطاء فرصة للمتداولين من أجل إعادة حساباتهم ودراسة قراراتهم بشكل أعمق قبل استئناف التعاملات من جديد.
من العاطفة إلى العقلانية
وأعاد التأكيد على أن وظيفة «circuit breaker» تتجلى في إخراج المستثمرين من الجو العاطفي نحو مزيد من العقلانية، وليست مهمته منع السوق من الانخفاض وإلا لكان هذا الإجراء ناجعا في حماية «داو جونز» من التراجع، وهو ما لم يحدث. وهكذا فمن الممكن تأخير الانخفاض لا تجاوزه نهائيا، لأننا - بحسب رأيه - مهما طبقنا من تدابير لن نستطيع أخذ السوق بعكس ما يريد غالبية المتداولين عندما يصابون بحالات مفرطة من الهلع.
ويقضي معيار «circuit breaker» بتعليق التداولات لفترات متباينة بحسب حجم الانخفاض وتوقيته، فإذا وصلت نسبة الهبوط مثلا إلى 10 في المئة قبل الساعة الثانية فإن الإيقاف يمتد ساعة كاملة، أما إذا حصل هذا الهبوط بين الثانية والثانية والنصف فإن التعليق يتقلص إلى نصف ساعة، فيما يستمر التداول على حاله إذا حدث الانخفاض بعد الثانية والنصف.
مقياس «ثلث المتوسط»
وتابع: بصفتي رئيسا لبورصة بيروت التي مرت بتجربة التداولات الضعيفة أثناء حرب يوليو/ تموز 2006 فقد طرحت الفكرة، التي لقيت اهتماما من البعض فطلب مني مزيد من التفاصيل بشأن آلية العمل بهذا الإجراء.
ولخص خلف آلية العمل بنظام العمليات الفعلية، مبينا أنه «عندما يكون التداول على سهم ما منخفضا بشكل غير اعتيادي، فإننا لا نعتبر الصفقات التي حدثت فعلية، يمكن الارتكاز إليها في تحديد هامش التسعير لليوم التالي».
وأوضح أنهم يقيسون حجم التداول باستخراج متوسط حسابي لتداولات آخر 6 أشهر ومن ثم قسمته على 3 (ثلث المتوسط)، وأي حجم عمليات يقل عن هذا المعدل يكون غير فعلي ولا يستخدم في التسعير بل يتم اعتماد هامش التسعير لليوم السابق.
وعن المتاح أمام الأسواق العربية لتدارك ما يمكن تداركه بعد «واقعة 2008»، رأى خلف أنه ليس هناك -من الناحية الإجرائية - خطوات أعمق أثرا من تعزيز الشفافية والإفصاح، إلى جانب الاستعانة ببعض التدابير، وأهمها عدم ترك السوق لتتخذ قراراتها تحت ضغط الأزمة، بل يجب تحضير مجموعة من الحلول الاستباقية للمشاكل المتوقعة، حتى يتسنى استخدامها في الوقت اللازم، وإحدى الفوائد التي نجنيها من ذلك استنباط الحلول الجيدة، لأننا تفكيرنا عندها يكون بـ «دماغ بارد» كما يقولون. ولم ينكر أن هناك مشاكل تبقى بعيدة عن التوقع، ولكن وضع ولو 10 في المئة من الحلول أفضل من ترك الأمور لعنصر المفاجأة.
أول المنسحبين
وكرر القول «إن التشدد لا يجدي وحده نفعا، لأن الأزمة كانت أعمق من أن نواجهها بالحذر والحزم فقط، لافتا إلى أنه عندما حدث الإعصار المالي في الولايات المتحدة كان أول المنسحبين والمسيلين في أسواقنا صناديق الاستثمار الأجنبية، التي اتجهت بسيولتها الغزيرة نحو الأسواق العربية في وقت سابق، والمثير أن هذه الصناديق لم تبع أسهمها لخسارتها عندنا بل لتسديد قسط من فاتورة استثماراتها المنهارة في السوق الأمريكية».
وعقب مواصلا أن «شرارة المشكلة كانت من هنا، وأستطيع التأكيد أن الأموال الأجنبية الساخنة كانت سببا من أسباب أزمة أسواقنا، ولكن ذلك ليس معناه الدعوة إلى الانغلاق ومنع الاستثمار الأجنبي، بل من الأفضل الإبقاء على الانفتاح، الذي علينا القبول بسلبياته كما نجني إيجابياته»
العدد 2389 - السبت 21 مارس 2009م الموافق 24 ربيع الاول 1430هـ