هند السباعي الإدريسي - صحافية مغربية، والمقال ينشر بالتعاون مع خدمة «كومون غراوند».
08 يوليو 2010
حضنت مدينة فاس، العاصمة العلمية للمغرب، أهم مهرجان عالمي للموسيقى الروحية من 4 إلى 12 يونيو/ حزيران. وأظهر هذا المهرجان من خلال الفن رسالة تعايش وسلم وصفاء الروح.
بحسب موقعه الإلكتروني الرسمي، يمثّل مهرجان فاس «القلب الروحي - سلمي، متعدد، كريم، ومبهج. إنه يقدم الاحترام كافة التقاليد الروحانية في العالم ويذيب الحواجز الموسيقية». وقد شاركت في المهرجان أهم الفرق الموسيقية الدينية والروحية العالمية من مختلف الديانات والجنسيات، في تناغم روحي وفني يجسّد الانفتاح والحوار المتحضر بين الأديان والثقافات الإنسانية. ولم يقتصر المهرجان على الأمسيات الموسيقية الروحية فقط بل عُقدت مجموعة من اللقاءات الفكرية والأدبية حول الموسيقى والشعر والتصوف في أشهر المواقع الإسلامية والتاريخية للمدينة.
أطلق مهرجان فاس عالم الأنثروبولوجيا فوزي سقالي بعد حرب الخليج الأولى لمساعدة الناس من يأتون من خلفيات ثقافية مختلفة على معرفة بعضهم بعضاً بدون تحيز وإجحاف. وهو يعتبر اليوم من أهم التظاهرات الأكثر تثبيتاً للسلم والأمان في العالم وترسيخاً لحوار الحضارات حسب الأمم المتحدة، وقد حصل على الجائزة المتوسطية للسلام. ينظم المهرجان منظمة «رسالة فاس» التي توفر الدعم المالي والمعنوي للمهرجان.
عاش مهرجان فاس للموسيقى الروحية دورته السادسة عشرة تحت شعار «مدارج الكمال في تزكية النفس»، التي استوحتها من الفيلسوف العربي ابن عربي، وهو حسب المنظّمين يجسد الإرادة في إرساء مبادئ التسامح والاحترام المتبادل بين الحضارات والحفاظ على تنوعها من خلال الفن.
عرف المهرجان هذه السنة مشاركة متنوعة فنياً وجغرافياً وألقى الضوء من خلالها على موسيقى كبرى الحواضر من كابول إلى القسطنطينية. كما احتفل المهرجان هذه السنة بمدينة القدس، مدينة الديانات الثلاث. استمع الجمهور لحفل موسيقي حي بعنوان «القدس، مدينة السلامين: السلام السماوي والسلام على الأرض»، الذي يرسم تاريخ هذه المدنية المتنوعة من خلال الموسيقى التي يقدمها موسيقيون إسبان وعراقيون وأرمن ومغاربة ويونانيون.
تمتع الجمهور بإيقاعات وتوليفات موسيقية روحية عريقة تستمد جوهرها من الدين ومن شعر الزهد، والأناشيد الدينية الإفريقية والغناء الديني الشعبي للأناضول، والكامبودج وآسيا وأميركا وحفلات روحية يحييها كبار الفنانين كالسوري صباح فخري وجوردي سافال من خلال تقديمه الموسيقى العريقة للطائفة اليهودية بمدينة بغداد، ورمز الغناء الكلاسيكي الفارسي شهرام ناظري و»أطفال الكوتيبياس» من المعابد الهندية، والطقوس الصوفية لزنجبار والغناء الإنجيلي لزنوج أميركا الشمالية (الكوسبيل). ومن المغرب شاركت فرق صوفية متعددة ككناوة وحميد بوهلال عن الطريقة «»الشيمية»» التي أسسها الشيخ (الكامل) الهادي بن عيسى والتي تعود إلى القرن السادس عشر، وفرق الطريقة الجيلالية التي أسسها الشيخ عبدالقادر الجيلاني في العراق في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر ميلادي، طريقة صوفية لتعليم أتباعه اقتناء الحياة الروحية وإشاعة الخير في المجتمع وسرعان ما امتدت هده الطريقة إلى بقية العالم الإسلامي.
يشكّل مهرجان فاس للموسيقى العريقة تراثاً وطنياً، ومن خلاله اكتسبت مدينة فاس والتي اعتبرت دائماً من قبل المفكرين والمثقفين إحدى الحواضر الكبيرة للإسلام عبر العالم، ومعها المغرب، ميزة مهمة كبلد للصداقة والتعايش بين المسلمين وباقي الديانات السماوية، ودعوة حقيقية لسمو الروح والتعايش في ظل التنوع الثقافي والعقائدي الديني لمختلف الشعوب والترابط المستمر بين حضارتي الشرق والغرب، ونموذجاً يقتدى به في ظل زمن مطبوع بالقلق والتطرف والخوف من ثقافة الآخر.
العدد 2863 - الخميس 08 يوليو 2010م الموافق 25 رجب 1431هـ