تأثر الاستثمار الأجنبي المباشر الداخل إلى بلدان جنوب وشرق وجنوب - شرق آسيا بصورة أقل بالأزمة المالية والاقتصادية العالمية وخرج في المقدمة من حال التراجع، بحسب تقرير الاستثمار العالمي 2010 الصادر عن الأونكتاد. وقد كان تعافي الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة أقوى منه في مناطق أخرى من العالم؛ إذ بدأت بوادره تظهر منذ منتصف العام 2009، ثم بدأ يكتسب زخماً في مطلع هذا العام. ومن المرجع أن تشهد تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر طفرة جديدة تعم المنطقة ككل في العام 2010 وأن تواصل نموها في العام 2011، بحسب التقرير. وقد أشار التقرير أيضاً إلى توقع حدوث طفرة في التدفقات الخارجة من الاستثمار الأجنبي المباشر.
وتوضح البيانات ربع السنوية أن طفرة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر قد بدأت تحدث بالفعل ومن المتوقع أن تزداد سرعتها.
وتبقى منطقة جنوب وشرق آسيا وجنوب - شرق آسيا من وجهات الاستثمار التي تحظى بالأولولية: فقد كانت الصين والهند - وهما أكبر اقتصادين ناشئين، أول بلدين شهدا تعافياً في مجال تدفقات الاستثمار الأجنبي الداخلة. بينما لاحظ التقرير أن وتيرة تعافي الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصادات الأربعة حديثة التصنيع في المنطقة (وهي هونغ كونغ «الصين» وجمهورية كوريا وسنغافورة ومقاطعة تايوان الصينية) أكثر بطئاً وسكوناً.
وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى جنوب وشرق وجنوب - شرق آسيا أقل تأثراً بالأزمة إذا ما قورنت بتدفقاته إلى مناطق أخرى من العالم؛ إذ انخفضت بمعدل بسيط بلغ 17 في المئة فسجلت 233 مليار دولار في العام 2009. وقد ساعد أداء المنطقة المتين نسبياً على إعادة تشكيل صورة الاستثمار الأجنبي المباشر على صعيد العالم: فهذه المنطقة من آسيا تستأثر حالياً بخمس تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلة. وأكبر ثلاثة متلفين لذلك الاستثمار هم الصين وهونغ كونغ (الصين) والهند وتحتل هذه البلدان، على التوالي، المراتب الثانية والرابعة والتاسعة عالمياً بين متلقي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
والسبب في التراجع العام الذي شهدته تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى المنطقة في العام 2009 يعود بدرجة كبيرة إلى حدوث هبوط في عمليات اندماج وشراء الشركات عبر الحدود. فقد بلغت القيمة الإجمالية لمبيعات الاندماج والشراء 35 مليار دولار في العام 2009، مسجلة انخفاضاً بنسبة 34 في المئة مقارنة بها في العام 2008. وفي الاقتصادات الأربعة الحديثة التصنيع، هوت قيمة عمليات الاندماج والشراء عبر الحدود بنسبة 44 في المئة. ومع أن التدهور كان أقل حدة، فقد تباطاً أيضاً الاستثمار في «المجالات الخضراء»؛ أي، في مشاريع جديدة تبدأ من الصفر تطلقها شركات عبر وطنية في بلدان أجنبية؛ إذ جرى إلغاء بعض المشاريع أو تأجيلها. وحدثت أيضاً بعض تصفيات الاستثمار؛ ما سرع وتيرة التدهور.
وفي العام 2009، انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الخارجة بنسبة لا تتجاوز 8 في المئة مسجلة بذلك 153 مليار دولار. وعلى رغم أن مجموع هذه التدفقات قد انخفض، فإن التدفقات غير المالية من الصين استمرت في التنامي، ويحركها السعي المستمر للحصول على الموارد الطبيعية وفرص الاندماج والشراء التي تتيحها إعادة الهيكلة الصناعية العالمية. ولاتزال صناديق الثروة السيادية، وخاصة شركة الصين للاستثمار، تتحين فرص الشراء بيد أنها قد حولت اهتمامها، على ما يبدو، من الاستثمار في الخدمات المالية إلى الاستثمار في أصول الصناعة التحويلية والتعدين.
ونظراً إلى تضعضع الاستثمار الوافد من البلدان المتقدمة، اتسع المجال أمام الاستثمار الأجنبي المباشر فيما بين بلدان المنطقة (إذ يمثل حالياً ما يعادل نصف رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الداخل إلى المنطقة). وقد كان الاستثمار المتزايد فيما بين بلدان المنطقة بمثابة أداة «لإعادة تدوير» المزايا النسبية ولنقل التكنولوجيا ولتعزيز التنافسية في جنوب وشرق وجنوب - شرق آسيا. فساعد على الرفع المتسلسل من مستوى الصناعة في جميع بلدان المنطقة على اختلاف مراحل تنميتها. وفي السنوات الأخيرة، سرع التكامل الإقليمي هذه العملية؛ إذ انطوى على عدد أكبر من أنشطة الإنتاج وأتاح فرصاً إنمائية لعدد أكبر من البلدان، بما فيها بلدان من أقل البلدان نمواً ككمبوديا وجمهورية لاوس الديمقراطية الشعبية وميانمار.
وفي العام 2009، هدفت معظم تدابير سياسة الاستثمار في المنطقة إلى تشجيع الاستثمار الأجنبي على رغم وضع قيود جديدة، كحظر ممارسة بعض الأنشطة أو تشديد عمليات التدقيق. ففي بلدان كالصين والهند، كانت المساعي إلى اجتذاب الاستثمار الأجنبي تركز أحياناً على الصناعات الجديدة أو ذات القيمة المضافة العالية. وخفف عدد من البلدان (مثل سريلانكا وتايلند) الشروط المفروضة على الاستثمار الأجنبي المباشر الموجه إلى الخارج عن طريق تبسيط لوائح صرف العملات الأجنبية.
العدد 2877 - الخميس 22 يوليو 2010م الموافق 09 شعبان 1431هـ