العدد 863 - السبت 15 يناير 2005م الموافق 04 ذي الحجة 1425هـ

جماليات اللغة... عن اللون في السينما

لم تتم مناقشة مسألة اللـون في السينما العربية بما يكفي من الجدية والانتباه، بل ولم يتم التعامل مع اللون كعنصر جمالي يخضع لتوليفة جمالية اخرى في بناء لغة الفيلم السينمائي، حتى من قبل السينمائيين في البلدان العربية انفسهم، إلا لدى قلة من المخرجين السينمائيين في مقدمتهم المخرجين شادي عبدالسلام من مصر ورياض شيا من سورية. وقد أعادت المسلسلات التلفزيونية السورية، التاريخية الجديدة، والتي بدأها المخرج نجدة اسماعيل أنزور وأكمل الطريق فيها المخرج باسل الخطيب وشوقي الماجري وحاتم علي، مسألة اللون أمام البحث الجمالي، على رغم ان الدراسات النقدية، او بدقة اكبر المقالات الصحافية التي تكتب حول أعمال الاعمال لا تتوقف بجدية عند اللون، علما ان تعامل هؤلاء المخرجين مع اللون في الدراما التلفزيونية اكثر جدية من الكثير من المخرجين العرب في السينما.

رمز اللون وتأثيراته النفسية

إن من اهم خصائص استخدام اللون هو فهمه كـرمز، وتتركز رمزية اللون في كونه حاملا للفكرة الدرامية ولنظام التعبير. واذا ما أخذنا في الاعتبار تسلسل اللون في اساسيات العمل الفني وتوقفنا عند اهميته في فن الرسم وفي السينما مثلا لوجدنا ان مشكلات استخدام اللون في السينما تختلف عما هي عليها في فن الرسم، فهي أكثر تعقيدا، من حيث ان اللون معبر بحد ذاته من دون تدخل أية مؤثرات او وسيلة أخرى، أي انه مضمون خارج الشكل... انه تجريد! لكن من جهة أخرى انما نحن الذين نمنح اللون الأفكار والأحاسيس التي نريدها ونحمله ذاتنا ومفاهيمنا، اي نحوله الى رمز، والرمز هو الاشارة التي بشكلها الخارجي يكمن المضمون ايضا.

كذلك يختلف استخدام اللون في السينما عن استخدامه في الرسم من حيث بناء التعدد اللوني، وبناء وتنظيم اللون والحركة، وليس في كمية وكثافة اللون نفسه فقط. لكن دخول اللون الى السينما قرب بناء اللقطة السينمائية من بناء اللوحة التشكيلية، لكن هذا لم يكن يعني ان السينما اقتربت بدخول اللون اليها من فن الرسم، بل قربت من فن الموسيقى أكثر من السابق، من حيث ان الرسم مكان والموسيقى زمان، والسينما حركة في الزمان، على رغم ان هناك مخرجين حاولوا جهد الامكان استخدام اقصى امكانات اللون والبناء الفني للقطة من أجل الاقتراب من بنية الفن التشكيلي، واذكر هنا المخرج السينمائي الراحل ستانلي كوبريك، وانتونيوني، تاركوفسكي، باراجانوف، وفي السينما العربية شادي عبدالسلام. عموما، يلعب اللون دورا مهما في مجال التعبير الشاعري والاستعارة وخلق الطقس والمزاج العام للفيلم، وكذلك يسهم في بلورة نبرة الفيلم الفنية، الى جانب ان اللون في جوهره يحمل عناصر إضافية ومباشرة للتأثير النفسي، من حيث انه يسقط في العين ويؤثر فيزياويا على العصب البصري، اي ان له تأثيرا فيزياويا. إن ديناميكية الاستعارة اللونية تتطور في الزمان والمكان الفيلمي معبرة عن هيكلية بناء الحبكة والاحداث، ومعبرة عن تعقيدات الفكرة، مانحة اياها بعدا شعوريا.

وهنا لابد من الاشارة الى ان اللون له تطوره التاريخي الخاص المرتبط بوعي ولا وعي المجتمع، وبكل المنظومة الفكرية والعاطفية والدينية للفرد والمجتمع، فمثلا اللون الاسود هو رمز الحزن وارتداء الملابس السوداء عند موت انسان عزيز دليل على ذلك في بعض المجتمعات، بينما في اليابان نرى ان الناس يرتدون الملابس البيضاء في مثل هذه المناسبات. كما ان الدلالات اللونية للون الواحد تختلف احيانا من مجتمع الى آخر، واحيانا من فنان الى آخر.

"النبرة" في الفيلم السينمائي

ليست النبرة ظاهرة لغوية فقط، وانما ظاهرة جمالية متعلقة بشاعرية الأسلوب، ففي السينما تتعلق النبرة ليس بالصوت واللغة والموسيقى فحسب وانما بالحركة والايقاع والتعبير الجسدي في كل الفيلم السينمائي، ومن هنا يجب ايجاد النبرة من اول الحركات في الفيلم، ومن خلال الإضاءة واللون.

إن "النبرة" هي التي تحدد مسار الفيلم ونوعيته، لذلك فعلى كل مخرج ان يجد نبرته الخاصة كما يقول لويس بونويل. صحيح ان نبرة الصوت لها دور مهم، لكن النبرة ليست في الصوت فقط، وانما في الحركة والمشي، فاذا ما نظرنا للسينما الصامتة نجد ان نبرة الفيلم تكمن في الحركة أو بتعبير آخر في صوت الحركة.

إن حركة الممثل في السينما الصامتة تبدو لنا اليوم غير مقنعة أو غير طبيعية، لكن استطاع شارلي شابلن في ذلك الوقت ان يعبر عن مختلف الحالات الانسانية مثل: الرعب، الخوف، الاهانة، الارتباك، الفقر، الذل، الضعف، الحب، من خلال الحركة فقط.

في بدايات التشكيلات النظرية في فن السينما، فهم آيزنشتين ان النبرة هي إشارة للحالة، اما التعبير الجسدي والحركة، فقد اعتبرهما تعبيرا جماليا تشكيليا للنبرة. وقد كان يقصد بالتعبير الجسدي ليس فقط حركة الممثل، وانما حركة وسير المونتاج وكل أشكال الحركة السينمائية. غير ان التعبير الجسدي وحركته لهما علاقة بالمكان بينما المونتاج له علاقة بالزمان؟! لكن فيما يخص النبرة، فان كل حركة أو لقطة أو جملة مونتاجية أو مشهد ، تساهم في تحديد نبرة الفيلم. فاللقطة الكبيرة مثلا ليست فقط لابراز حركة الوجه والملامح، وانما هي كضربة موسيقية في النبرة العامة للفيلم. ومن هنا فان المنطق المونتاجي ليس مرتبطا ببناء الميزانسين - البعد الرابع، العمق او بناء اللقطات، او طريقة عرض القصة فحسب، وانما لتحديد نبرة عرض القصة. أما الموسيقى فمن الطبيعي ان لها دورا مهما في تحديد نبرة الفيلم، مثلما للصمت دوره ايضا.

وعموما، فان لكل عصر، وكل مرحلة، وكل وقت، له نبرته الخاصة، لذلك يجب الانتباه للنبرة الاجتماعية، فالنبرة تعتبر من عناصر الفيلم المهمة، فهي تحدد صوت الفيلم، صدقه، حرارته، وزيفه ايضا. تحليل الحطاب الروائي عن الموضــوع في السينما: يعد الموضوع من المفاصل الاساسية التي يرتكز عليها علم النقد الأدبي والفني، لا سيما في تحليل الخطاب الروائي والشعري أو حتى الموسيقي والتشكيلي.

وعلى رغم اهميته الاساسية في جميع أجناس الأدب والفن، إلا انه يأخذ أهمية استثنائية في فن الرواية وفي السينما، وعلى رغم ان السينما من الفنون البصرية التي تعتمد في تأكيد حضورها الجمالي على عناصر متعددة، الا ان الموضوع يعد هو النواة، فهو الذي يحدد الشكل، فمنه تنطلق بدايات الحركة، ومنه نصل الى جماليات الختام، وهو الحجر الاساس الذي منه تنطلق اشعة التوتر الدرامي التي تكون مجمل العمل الفني. فـالموضوع عند بيتهوفن مثلا هو مركز التوتر، وعند جايكوفسكي هو لحظة الاستراتيجية الرئيسة، او بؤرة التوتر المركزية، بينما الموضوع في الفيلم لا يمكن في عملية عرض الافكار وانما في الوقت نفسه وسيلة العرض نفسها.

إن من أهم خصائص الموضوع هو الرغبة في التطور، لذلك فإن غياب هذا الأمر ينعكس في الموضوع ذاته. البرتومورافيا كتب ذات مرة عن فيلم ثمانية ونصف للمخرج فليني: "ليس هناك حبكة سينمائية، لكن هناك موضوعا" بينما كتب بازان عن فليني ايضا انه انجز ثورة غير واقعية، إذ ان سيناريوهات افلامه تفتقد للدراما والترابط بين المشاهد، فهي بلا تاريخ وبلا تسلسل في السرد الروائي، لكن هذا لا يعني انها بلا موضوع.

هاتان الملاحظتان تؤكدان لنا عمق التخبط في فهم المصطلحات الأدبية والفنية في الثقافة العربية، لا سيما حينما يتأكد المتابع للانتقادات الأدبية والفنية بان الموضوع كثيرا ما قصد به الحبكة الأدبية او الفنية، أو الحكاية وسير الاحداث، بينما الموضوع خارجهما، فقد يكون العمل الفني غير متماسك في حكايته، لكنه بالتأكيد لا يخلو من الموضوع، ففي الاعمال التجريدية نفتقد الحكاية او الحدث الدرامي لكننا لا نفتقد الموضوع. عند آيزنشتين عفوية وتلقائية الموضوع تعني عفوية الدراما، لكن هذا النمط من الدراما يفترض شاعرية واضحة ودقيقة وبناء خاصا لكل لقطة ولمزاجها، علما ان سرد الموضوع بانشائية وتلقائية وغفوية يستخدم احيانا كشكل للتغريب، ووسيلة لخلق المسافة بين الفيلم والمشاهد، من اجل المساعدة في تقبل افكار المخرج، ليس في مجال الشعور فقط وانما في مجال الفهم والادراك ايضا. علما ان السردية الانشائية تسقط وتهشم المنولوج أو الحوار الداخلي وتقوي الجوانب الحوارية في الفيلم، ومن هنا تنشأ علاقة جديدة بين الفيلم والمشاهد.

هناك فنان يثق بوحدة الموضوع عموما مهما تغيرت طبيعة المادة الفنية، ومثال ذلك المخرج تاركوفسكي، فحينما يرى المشاهد افلامه يجد ان هناك وحدة خفية تربطها، وبكلمة واحدة، نجد امامنا بناء معماريا، والانسجام والهارموني في هذا البناء المعماري هو وحدة الموضوع ونبرة البناء، والايقاع الهندسي للشكل، وربما نجد هذا الأمر عند بعض الشعراء والروائيين والفنانين العرب، فمثلا تتميز أعمال نجيب محفوظ بوحدة الموضوع على رغم إختلاف المادة، والتوجه والمراحل الفنية التي تشكل تجربته الابداعية، فعالم نجيب محفوظ منسجم ومتناسق منذ أول عمل إبداعي له، وكذا الأمر عند الشعراء عبدالوهاب البياتي وصلاح عبدالصبور ومحمود البريكان، او عند الفنانين جواد سليم وفيصل لعيبي ومختار، وفي السينما العربية نجد هذه الوحدة في الموضوع عند المخرج السينمائي يوسف شاهين على رغم ان معظم المشاهدين والنقاد يشكون من تسيب الموضوع في أفلامه بينما هذا التسيب هو احد سمات الموضوع لديه، ومن ذكرتهم هم على سبيل المثال وليس الحصر.

أعمال تاركوفسكي... نموذجا

وعودة الى تاركوفسكي، فإن السمة العامة في افلامه تتحدد من خلال مسائل فنية رئيسة ومتعددة، والتي بدورها تحدد موقع الانسان في هذا العالم، فلديه نجد تركيزا هائلا على عملية تطوير الموضوع وكشفه بدقة ووعي، ومن هنا تأتي أهم سمة بارزة في أفلامه ألا وهي نبرة النهاية. فضربة النهاية في أفلامه توضح سر هذا البطء في بداية الفيلم، انه في هذا الأمر قريب من تشيخوف وابسن في أعمالهما المسرحية التي تتميز ببطء حركتها لكنها تفاجأنا في ضربة الختام، على رغم ان تاركوفسكي سينمائي، كما انه كان يعتمد على الاقتباس الفني والأدبي، فرسوم الفنان اندريه روبلوف في فيلم اندريه روبلوف، ورسوم الفنان بريكل في فيلم سولاريس، ومقاطع من رسائل بوشكين الى تشادايف ورسوم دافنشي وموسيقى باخ ووثائقه الشخصية، واشعار ابيه في فيلم المرآة، ومقاطع من السيمفونية التاسعة لـ بيتهوفن واشعار توتجيف في فيلم ستالكر، كلها إقتباسات، غير انه كان يطوع كل هذه الأشياء بقدرة إبداعية هائلة لصالح الموضوع بحيث تصير من مكوناته الاساس. بينما نجد المخرج كانجلوفسكي لا يستقر على أسلوب معين، فكل فيلم له شكل تعبيري خاص به، فبالنسبة له ليس هناك وحدة داخلية للموضوع بل هناك تعطش دائم للتجديد وسعي لاكتشاف المجهول، أي ان موضوع المخرج كانجلوفسكي هو الموضوع، او بدقة اكبر هو تسرب الموضوع.

في القرون الوسطى كان الفنانون ينظرون الى العالم من بعيد، فظهرت في رسومهم عشرات الجياد والقصور والمدن والاسوار والأفق اللانهائي، اما في عصر النهضة فقد أقتربوا من الانسان اكثر فظهر "البورتريت"، ثم اقتربوا اكثر من خلال السينما فدخلوا في عينيه، فأصبح الموضوع يحيطهم...

العدد 863 - السبت 15 يناير 2005م الموافق 04 ذي الحجة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً