العدد 867 - الأربعاء 19 يناير 2005م الموافق 08 ذي الحجة 1425هـ

رأس الرمان... تاريخ وعراقة

امتدادا لتاريخها الطويل والعريق أثبت أبناء منطقة رأس الرمان أنهم قادرون على حمل المسئولية والأمانة بمواقفهم وتطلعاتهم وطموحاتهم المشروعة من أجل ان تكون لمنطقتهم مكانة تليق باسمها وتاريخها بماضيها وحاضرها وبموقعها الحيوي والمهم.

فعلى رغم كل ما أتت عليه التغيرات والامتداد العمراني والسكاني وكل المحاولات لطمس هوية هذه المنطقة فإن رجالها لايزالون يتمسكون ويعتزون بجذور أرضهم وماضي أجدادهم... بأرضهم التي كانت البوابة الرئيسية والنافذة المطلة على ضفاف هذا البلد الغالي.

فبإيمانهم وحبهم الشديد صبروا وتحدوا كل الصعاب والأهوال ويحق لكل واحد من أبناء رأس الرمان ان يتفاخر ويتباهى متسلحا بالأمل ليظل نموذجا لحمل القيم والمبادئ النبيلة التي يزخر بها تاريخها العريق وان يعطي ويضحي بالكثير لأنه عظيم ورائد في قدراته وطاقاته.

ويشير كبار الشخصيات المرموقة ووجهاء وأعيان المنطقة إلى أن رأس الرمان وهي احدى ضواحي العاصمة كانت منطقة مهمة وحيوية وذلك في فترة الاربعينات والخمسينات، اذ كانت تحتضن أهم وأكبر إدارات الدولة إبان الاستعمار البريطاني للبحرين وأهم هذه الادارات هو بيت الدولة وهو المقر الرئيسي للدولة تحت سيطرة الانجليز والذي هو مقر السفارة البريطانية حاليا، كذلك بيت المستشار البريطاني الذي تحول الى سكرتارية حكومة البحرين حتى بعد ان انتقلت إداراته الى المبنى الجديد وهو دار الحكومة الذي يسمى حاليا ديوان مجلس الوزراء ووزارة الخارجية، أما المبنى القديم فقد استخدم من قبل وزارة التربية والتعليم كمدرسة ابتدائية تحت اسم مدرسة ابن سيناء ولمدة قصيرة بعد ذلك هجر المبنى حتى أزيلت آثاره ومعالمه وأصبح اليوم أرضا خالية مهجورة.

وبقلب المنطقة كان يقع بيت فاروق الكبير والشهير في ذلك الوقت من الزمن وهو قصر رائع وجميل وتحفة معمارية نادرة استخدم من قبل الانجليز لسكن الكتيبة البريطانية اثناء الحرب العالمية الثانية وكان المبنى مزودا بأسلاك شائكة على طول ساحته الكبيرة وذلك حفاظا على سلامة المكان من التعرض للسرقة أو التعرض لهجوم من قبل الشعب الغاضب آنذاك، وكان تقام فيه احتفالات سنوية ورسمية كالعروض البهلوانية والمهرجانات ومن أشهر هذه الاحتفالات التي تستقطب حضورا جماهيريا كبيرا هي عروض البهلوان الشهير خليل عقاب.

بعد ذلك هاجر الانجليز من هذا القصر وأصبح مستودعا ومخزنا للمواد الغذائية والبناء لسنين كثيرة حتى بعد ان قامت حكومة البحرين بشراء الأرض وتم هدمه وانشئ مكانه مركز ابن سينا الصحي وذلك في العام 1977 وقد افتتح تحت رعاية رئيس الوزراء صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة ليخدم أهالي المنطقة والمناطق المجاورة لها.

وهناك ايضا مصلى العيد الذي يقع جنوبي بيت فاروق. هذا المصلى كان يجمع أهالي المنطقة والمناطق المجاورة في صلاة العيدين والمناسبات الدينية الأخرى وهو الآخر اندثر واختفت آثاره وأصبح أرضا خالية تستعمل من قبل وزارة الاشغال محطة مجار ووزارة الكهرباء محطة فرعية تخدم المنطقة.

وكانت رأس الرمان تشتهر بعيون ارتوازية عذبة أهمها عين ذواد وعين الفوارة وعين ديلي وكان اهالي المنطقة يستفيدون من هذه العيون في غسل الملابس وشرب الماء العذب عن طريق توصيله الى البيوت عبر "السقاي".

وبالقرب من بيت الدولة وفي الجهة المقابلة له تماما كان يقع مستشفى كبير يسمى بيت الحكيم وكان يخدم الانجليز وبعض الاهالي وهو الآخر ترك لفترة طويلة مهجورا حتى أزيلت آثاره ومعالمه وأصبح اليوم مستودعا ومكاتب لشركة "بتلكو".

وأيضا توجد في المنطقة محطة الكهرباء وهي تقع شرق السفارة البريطانية مقابل مأتم رأس الرمان الكبير وكانت هذه المحطة محطة رئيسية تغذي منطقة المنامة وقد ألغيت في الستينات وشيدت مكانها مدرسة ابتدائية للبنات تحت اسم مدرسة سكينة بنت الحسين وذلك في العام 1967م.

وتعتبر رأس الرمان آنذاك المنفذ الرئيسي والحيوي لمدينة المحرق اذ يربطها بها جسر الشيخ حمد الممتد من جزيرة المحرق الى المنامة وكان له دور مهم في حركة عبور السيارات المقبلة والمغادرة وكانت نقطة التوقف في رأس الرمان هي عند الشجرة وهي شجرة اشتهرت منطقة رأس الرمان عندما تم تسيير الحافلات والباصات لنقل العاملين من المنامة الى المحرق وبالعكس، وكان ايضا لأهالي رأس الرمان دور كبير في انشاء الجسر اذ ساهم رجال المنطقة مع الحكومة في انشائه بعدد كبير من الرجال حبا لوطنهم حتى افتتح رسميا العام .1941

ويقع على جانب الجسر مبنى دائرة الاشغال العامة ودائرة إسالة المياه والذي تحول فيما بعد الى وزارة الاشغال والاسكان بعد ان أدخلت التجديدات عليه ولايزال المبنى القديم يحتفظ بشكله وهو نموذج لأحد المباني الحكومية القديمة.

ومن معالم المنطقة جامع رأس الرمان الكبير الذي تمت اعادة بنائه في العام 1966م على نفقة المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد آنذاك وهو الواجهة الرئيسية للمنطقة ويؤم اليه المصلون من مختلف المناطق للصلاة وخصوصا يوم الجمعة اذ يتفضل سماحة السيدجواد الوداعي بالقاء خطبة الجمعة ومن ثم الصلاة، وايضا هناك مسجد مساعد الذي يقع على الواجهة الشمالية وملاصق للسفارة البريطانية كذلك مسجد الحياك الذي يقع في فريق الحياك وقد أعيد بناؤه على نفقة الوجيه مهدي التاجر وأصبح اليوم يحمل اسم مسجد المجتبى.

وأيضا يوجد المأتم الكبير وهو الوحيد في المنطقة والذي يجمع كل المناسبات الاحتفالية من أفراح ومواليد حسينية، هذا المأتم الذي شيد منذ أكثر من مئة عام كان يديره الحاج محمد ابراهيم النوخذة وهو تاجر لؤلؤ ويملك سفنا للغوص وقد ساهم معه الكثير من رجال المنطقة في بنائه بجانب دائرة الاوقاف.

ومن أشهر خطباء المأتم الشيخ عبدالزهراء الكربلائي ويعد من افضل من اعتلى المنبر الحسيني بمنطقة رأس الرمان اما بالنسبة الى شهر محرم فتكثر فيه المجالس الحسينية وتنطلق منه المواكب والمسيرات بعد كل مجلس ومحاضرة دينية يلقيها الباحث الديني المعروف السيدضياء الموسوي وخصوصا ليلة عاشوراء اذ تنطلق منه مسيرة ضخمة يتقدمها كبار علماء الدين الافاضل احتفالا وتخليدا لذكرى استشهاد الحسين "عليه السلام" وهذه طقوس دينية توارثتها الاجداد والآباء والابناء جيلا بعد جيل.

وتحتضن رأس الرمان جيرانها ذات الصلة الحميمة والقرى وهم فريق الفاضل والعوضية والذواودة كذلك يربطها من الشمال والشرق آنذاك البحر وهو المصدر الرئيسي الا ان التطور والزحف العمراني الذي حدث في الثمانينات وما واكبه من دفن للبحر من الجهتين وتشييد الكثير من المباني التجارية والسكنية وخصوصا المنطقة الدبلوماسية وشارع المعارض ومجمع الشيراتون كل ذلك أدى إلى انكماش المنطقة ومحاصرة بيوتها وطرقاتها فلم نعد نرى ذلك الشاطئ الجميل ولا ذاك البحر الأزرق الصافي النظيف بسبب الردم ودفن العيون البحرية والذي أتى على أكبر مساحة من البحر.

وأصبحت رأس الرمان منسية وبعيدة تماما عن أنظار المسئولين وحتى العضو البلدي والنائب لم نسمع عن انهما قاما بزيارة للمنطقة لتفقد احتياجات الأهالي ولو لمرة واحدة.

وفي العام 1952م تأسس نادي العاصفة الرياضي الذي جمع أهالي المنطقة في مقر صغير لا يتعدى 3*2 متر مربع ولكن بفضل تكاتف جهود أعضائه المخلصين تمكنوا من الانتقال إلى مبنى أكبر وأوسع وأخذ نشاط النادي يتزايد، ما جعل الأعضاء في تزايد مستمر وأصبح للنادي شأن كبير وسمعة طيبة وأنتج الكثير من اللاعبين المعروفين أمثال: عباس خليل ومكي البوسطة وعابد البوسطة وحسن زليخ ويوسف العرادي وأحمد زليخ وآخرين كان لهم دور بارز ومهم. وفي العام 1960م تم إشهار نادي الشروق وهو الآخر لا يختلف عن شقيقه العاصفة، فقد كان يهتم بكل المواهب في الثقافة والتربية البدنية ورفع الأثقال والمرح والرسم حتى اندمج الناديان في ناد واحد أطلق عليه اسم المنطقة "نادي رأس الرمان الثقافي والرياضي" وترأسه رسول الجشي ومن ثم أصبح الرئيس الفخري للنادي وخلفه للرئاسة علي أحمد الخزاعي، وقاما بدور ريادي بارز في توصيل الحركة الرياضية والثقافية إلى أعلى درجات النجاح وحققوا الكثير من الانتصارات المحلية والعربية.

رأس الرمان... اليوم تزخر برجالها الأولين وبأبنائها الحاضرين، فهم صناع تاريخها ومجدها ومستقبلها ولهم ذكراهم الخالدة، أمثال: دويغر، العرادي، الحايكي، الوادي، الطواش، الخزاعي، النوخذة، آل قاسم، آل ضيف، آل مطر، آل حبيل، السني، الماجد، آل برني، سيار، القليحي، العوامي، الحداد، الصفار، السماك، القلاف، آل نصيب، الزري، الصباح، آل غيث، المطوع، البوسطة وعائلات أخرى أسهمت وقدمت الكثير من التضحيات، عائلات راسخة في القلوب والوجدان، زاخرة بعطائها ودورها المهم في بناء أجيالها المقبلة. فما قدموه من كفاح ونضال طويل ومرير، ما هو إلا ثمرة جهدهم وعطائهم لهذا الجيل الواعد الذي كافح وجاهد كثيرا حتى وصل إلى هذه المراكز المهمة في الدولة، فمنها برز العالم الديني والمستشار القانوني والقاضي والوزير والسفير والدبلوماسي والطبيب والمهندس والمدير والمحامي والأديب والمدرس والرياضي والصحافي والرسام والفنان... جميعهم أنبتتهم هذه الأرض الطيبة من عمق الجذور رأس الرمانية، وها هم اليوم يشقون طريقهم بعزيمة وإرادة قوية متسلحين بالعلم ليخلدوا ذكرى أجدادهم وآبائهم الذين ترعرعوا وعاشوا على ترابها مئات السنين، فعلى رغم كل الظروف القاسية والمضايقات العدوانية الاستعمارية آنذاك، فإن رجالها بعزمهم وإصرارهم تقلدوا هذه المناصب بروح الإيمان والوطنية.

إن لهذه المواقع والنقاط المهمة في رأس الرمان دورا بارزا وفعالا في تلك الفترة، ما سلط الأضواء عليها وأصبحت اليوم أكثر المناطق شهرة وذلك لما يتمتع به أهلها من كرم وحسن الضيافة وضرب بها المثل في كل الظروف والمحن، وهذه صفات يتحلى بها شعب البحرين عموما، ولا ننسى دور تلك الشخصيات الخالدة التي أسهمت وقدمت الكثير وساندت كل المواهب وفي كل المجالات وأخص بالذكر من أسسوا الناديين وما بذلوه من جهد وعمل دؤوب في تعزيز وتقوية الروابط بين الأشقاء وسعيهم لتوحيد الكلمة ودمج أبناء المنطقة في ناد واحد وباسم المنطقة، ما أعطى القائمين على المشروع الدافع المعنوي لتقديم الأفضل والوصول إلى الغاية المرجوة، وهم الأفاضل الكرام: عبدعلي النوخذة، عباس خليل الحايكي، المرحوم محمد علي صادق، المرحوم يوسف علي العرادي، رسول الجشي، أحمد قاسم، عبدالكريم البوسطة، عباس عبدالرسول، قاسم علي قاسم، المرحوم عبدالمنعم البوسطة، عبدالجليل عبدالرسول وعلي أحمد الخزاعي.

نعم هذه رأس الرمان الماضي والحاضر والمستقبل الحافل بالعطاء، وها هم رجالها اليوم علم ودين وثقافة وتاريخ عريق.

علي حسن الوادي

العدد 867 - الأربعاء 19 يناير 2005م الموافق 08 ذي الحجة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 6 | 10:42 م

      للتصحيح التي بنت مسجد المجتبى هي المرحومة والدة الحاج حسين بوكنان زوجة المرحوم الحاج علي بوكنان

    • زائر 4 | 3:36 ص

      على حب أهل البيت وحب الوطن

      شكرًا جزيلا على هذا المقال الرائع الذي أثلج صدورنا.. راس رمان قدمت الكثير للوطن و ما زالت تعاني التهميش ولكنها باقيه في قلب المنامة متفانية في حب الوطن و موالية لأهل البيت عليهم. السلام ..

    • زائر 5 زائر 4 | 7:08 ص

      اييي والله

      روووعة شكرا على المقال الرائع .

    • زائر 3 | 9:39 م

      أرض الخير والحب والكرم

      نعم هي كانت ولاتزال وستظل أرض رأس الرمان أرض يعيش عليها محبوا أوال

    • زائر 2 | 7:40 م

      نادي العاصفة

      حتى لا ننسى الاستاذ جمعه منديل الذي كان مديرا متميزا لمدرسة راس الرمان وفي نفس الوقت اصبح رئيساً لنادي العاصفة في منتصف الستينات

    • زائر 1 | 5:17 م

      نادي العاصفة

      حتى لا ننسى الاستاذ جمعه منديل الذي كان مديرا متميزا لمدرسة راس الرمان وفي نفس الوقت اصبح رئيساً لنادي العاصفة في منتصف الستينات

اقرأ ايضاً