العدد 871 - الأحد 23 يناير 2005م الموافق 12 ذي الحجة 1425هـ

الزرقاوي بدأ في أفغانستان... وتحول إلى أيقونة إرهابية في العراق

تحالف بن لادن والزرقاوي في عيون ألمانية

يزداد الوضع حرجا بالنسبة للرئيس الأميركي جورج بوش وإياد علاوي رئيس الحكومة المؤقتة في العراق مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في العراق. ويساور علاوي الشك بأن الانتخابات ستجرى بالشكل المطلوب في ظل أعمال العنف التي استفحلت كما توقع المراقبون مع قرب موعد الانتخابات، وتكلف يوميا عشرات الأرواح وخصوصا في صفوف قوات الشرطة العراقية والحرس الوطني والمواطنين الأبرياء. ومن الأسماء التي يجرى تداولها كلما حدثت أعمال قتل وذبح جديدة أبومصعب الزرقاوي، الذي لا يشغل فقط اهتمام أجهزة الاستخبارات في الشرق الأوسط بل أيضا أجهزة الاستخبارات في أوروبا والولايات المتحدة. وستنشر دراسة عن الزرقاوي أعدها المستعرب الألماني خبير الشئون العربية والإسلامية في مقر المستشارية غيدو شتاينبيرغ، ونشرت بعض تفاصيلها على نشرة إلكترونية تمولها وزارة الخارجية الألمانية.

تشير المعلومات إلى أن هدف الزرقاوي إشعال حرب أهلية طائفية في العراق لأن ذلك يساعد في استمرار وجود جماعته في العراق فترة طويلة من الزمن. ومن العلامات التي تدل على ذلك عمليات التفجير الدامية التي وقعت في النجف وكربلاء وأعلن الزرقاوي مسئوليته عنها. وكلما انعدم الأمن وسادت الفوضى في العراق استغلها المتطرفون الذين يستغلون ضعف الحكومة العراقية لتحقيق مصالحهم.

ووضعت الإدارة الأميركية مكافأة قدرها 25 مليون دولار لقاء القبض على الرجل المطلوب على الأكثر بعد أسامة بن لادن. وتحمله الولايات المتحدة مسئولية عدد من العمليات في مدريد وباريس واسطنبول، كما تتهمه بقتل مواطنين أميركيين ورهينة بريطانية، إضافة إلى عدد من الجرائم التي يرجح أن يكون له يد فيها كلها. وكانت ألمانيا أول دولة غربية ألقت القبض على جماعة موالية للزرقاوي تطلق على نفسها جماعة "التوحيد" حين كان يخطط أعضاؤها للقيام بتفجيرات ضد منشآت أميركية وبريطانية ويهودية في ألمانيا. ويخضع أربعة منهم حاليا للمحاكمة في مدينة دوسلدورف بعد أن اعترف شادي عبدالله بما كانت تخطط له المجموعة، وقدم للمحققين معلومات وافية عن بنية "التوحيد" و"القاعدة"، وسينقل إلى الولايات المتحدة للإدلاء بشهادة عند بدء محاكمة عضو "القاعدة" زكرياس.

حقيقة أم شبح؟

من هو الزرقاوي؟ هل هو موجود حقا أم أنه شبح؟ بعض الخبراء عبروا عن حيرتهم حين شككوا بوجود هذا الرجل من الأساس، ومنهم من رجح أنه لقي حتفه منذ زمن بعيد في إحدى المعارك. والمؤكد أنه ليس هناك معلومات مؤكدة إلى حد بعيد، وكل شيء يعتمد على التخمينات. غير أن بن لادن كشف أن هذا الرجل موجود فعلا في العراق حين عينه "أميرا" على العراق، وهكذا ثبت للمراقبين لأول مرة أنهم على حق في ظنهم بوجود تحالف بين بن لادن والزرقاوي.

ما هو معروف لدى أجهزة الاستخبارات الغربية أن الزرقاوي المولود في منطقة الزرقا الأردنية في العام 1966 تحت اسم أحمد الخليلي، ونشأ في بيئة بني حسن كما اعترف نفسه بذلك في رسالة بعث بها إلى ملك الأردن. ولم يحصل على قدر كاف من التعليم، واتسمت حياته بالعنف منذ شبابه، وساهمت دوافع نفسية واجتماعية وسياسية بأن يتحول أب لأربعة أطفال إلى رمز للعنف، حتى وصفته صحيفة "غارديان" البريطانية بأنه "بلطجي أكثر منه مفكرا".

خلال الاحتلال السوفياتي لأفغانستان قرر الزرقاوي السفر إلى أفغانستان عن طريق باكستان، وقاتل فعلا لكنه لم يفقد إحدى ساقيه كما قال الأميركيون. ثم عاد مع عودة الأفغان العرب إلى بلدانهم، وشعرت حكوماتهم بعدم الطمأنينة لهم فسعت لاعتقالهم وهكذا أمضى الزرقاوي بعض الوقت في السجن بالأردن بعد اتهامه بالتآمر على النظام. وفي العام 2000 هرب الزرقاوي مجددا إلى أفغانستان وبقي هناك حتى اضطر إلى الفرار للعراق بعد غزو الولايات المتحدة أفغانستان.

أيقونة جديدة للإرهاب

في العام 2004 أصبح اسمه رمزا جديدا للإرهاب كما يشير شتاينبيرغ، وبات محط اهتمام العالم نتيجة تسجيلات الفيديو التي تبثها نشرة عبر الإنترنت يظهر فيها عمليات إعدام وقطع رقاب رهائن أجانب بصورة بشعة.

ويرى المراقبون أن الزرقاوي سعى لأن يصبح رمزا من رموز المقاومة المناهضة للاحتلال في العراق، وهو على النقيض من بن لادن الذي تأخر طويلا حتى ذكر كلمة فلسطين على لسانه، أخذ يدعو إلى مقاتلة الأميركيين والإسرائيليين طمعا في استقطاب مقاتلين موالين له وللحصول على تبرعات سخية من أطراف عربية. كما يوضح الزرقاوي في الرسائل التي تنسب إليه، عدم وجود رؤية أو تصور لديه بشأن شكل المجتمع ونظامه الاجتماعي. ويعتقد شتاينبيرغ أن الزرقاوي يطمح إلى قلب النظام في الأردن وفي دول عربية أخرى تماما مثلما يطمح أسامة بن لادن بالإطاحة بنظام الحكم في المملكة العربية السعودية.

ووفقا لرأي أستاذ التاريخ بجامعة ميتشيغان الأميركية خوان كول، حول الزرقاوي جماعته من المقاتلين الذين كان غالبيتهم من الأردنيين والفلسطينيين والسوريين واليمنيين والسعوديين، إلى حركة تابعة للمقاومة في العراق. لكن غالبية العراقيين يتوقون لأن يتخلصوا من المقاتلين الغرباء في بلدهم ويحملونهم مسئولية الفوضى في العراق والدماء العراقية البريئة التي تسفك كل يوم. ويرون أن الزرقاوي يسيء بعملياته التي لا تخدم سوى مصالحه الشخصية إلى صورة المقاومة العراقية المشروعة ضد الاحتلال الأميركي. وليس من المستبعد أن ينقلب العنف الذي ينشره الزرقاوي ضده هو نفسه في وقت ما كما حدث في الماضي عندما وقف الجزائريون ضد مذابح المتطرفين الجزائريين أو عندما تنصل المصريون من متطرفيهم بعد حادثة الأقصر.

أميركا وتلميع الزرقاوي

المثير هنا أن الولايات المتحدة نفسها تسببت في لمعان اسم الزرقاوي. إذ إن وزير الخارجية كولن باول أراد أن يقنع العالم حين تحدث أمام مجلس الأمن الدولي في فبراير/ شباط 2003 وأثار موضوع العلاقة بين الزرقاوي و"القاعدة" مع نظام صدام حسين في إطار البحث عن تبريرات لغزو العراق. هذه المزاعم لم تثبت، لكن انتهى الأمر بتعيين بن لادن للزرقاوي "أميرا" على العراق!

ويشير شتاينبيرغ في دراسته إلى وجود صفة إيديولوجية متشابكة بين بن لادن والزرقاوي، منها سعيهما لطرد الأميركيين من المنطقة والإطاحة بمن يصفانهم بالحكام العرب الفاسدين. ومع ذلك هناك أوجه خلاف استراتيجية: فالزرقاوي يتبنى اتجاها معاديا للشيعة ويبث الكراهية ضدهم ويحرض على قتلهم بشكل سافر ومكشوف. وقد تبنى على أحد المواقع الالكترونية مسئولية اغتيال رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق محمد باقر الحكيم. أما بن لادن فهو يسعى إلى إسقاط الأسرة الحاكمة في السعودية، ويتجنب مهاجمة الشيعة بشكل مباشر.

أستاذ علم الاجتماع الفرنسي أوليفر روي، والمهتم بقضايا الإسلام، يعتقد أن خطر "القاعدة" سيظل قائما، ووجد أن من مصلحة التنظيم أن ينسب جماعات متطرفة أخرى إليه حتى تبقى شبكته قائمة، وتبدو أنها منتشرة دوليا أكثر مما هي في الواقع، وينطبق الشيء نفسه على الزرقاوي، ما يجعل كلا منهما يستفيد من هذه العلاقة السلسة التي تشكل جزءا من الإيديولوجية العامة التي تربط بينهما. ويكشف شتاينبيرغ في استنتاجه أنه يتعين على علماء الدين السلفيين إقناع "المجاهدين" بأن العنف يتعارض مع الشريعة الإسلامية. وحتى يصغي لهم حملة السلاح، يظل اسم الزرقاوي بالنسبة إلى السياسيين وخبراء الأمن مجرد أيقونة إرهابية، مثلما أصبح اسم "القاعدة" اسما يشير إلى انتشار ظاهرة القتل والتفجيرات الكبيرة

العدد 871 - الأحد 23 يناير 2005م الموافق 12 ذي الحجة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً