العدد 871 - الأحد 23 يناير 2005م الموافق 12 ذي الحجة 1425هـ

وثيقة المطالبة بالاستقلال ذكرى غالية في التاريخ المغربي

"11 يناير" الطريق نحو تحرير المغرب

خلد المغاربة يوم الثلثاء 11 يناير/ كانون الثاني الجاري الذكرى الـ 61 للحدث التاريخي لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال "11 يناير 1944"، من قبل عدد من الشخصيات يتقدمهم الملك المغربي الراحل السلطان محمد الخامس، وهو ما شكل منعطفا حاسما في مسيرة كفاح المغاربة لتحقيق الاستقلال ورفع الحماية الفرنسية والإسبانية عن المغرب التي أعلنت في 28 مارس/ آذار ،1912 ما أفقد المغرب استقلاله لأول مرة منذ انفصاله عن الخلافة المشرقية عقب سقوط دولة بني أمية وقيام دولة العباسيين، بعد معركة فخ، وهو ما تزامن مع قيام دولة الأدارسة في العام 172 للهجرة على يد أحد أفراد البيت العلوي الذي فر نحو الغرب الإسلامي، ما جعل المغرب يحكم نفسه بنفسه طيلة 13 قرنا، ولم يخضع سواء للامبراطورية العباسية أو العثمانية، إذ أسس دولة موازية لما كان قائما في المشرق.

هذا التاريخ جعل المغاربة يحسون بصدمة لا مثيل لها عقب تخليهم جزئيا عن استقلالهم في العام 1912 بعدما أصبح التمثيل الخارجي والدفاع والاقتصاد بيد كل من فرنسا وإسبانيا، فيما اكتفى السلطان بالشأن الديني والعلاقات مع القبائل، والتوقيع على مراسيم القوانين التي يتقدم بها المقيم العام سواء في المنطقة الفرنسية "وسط البلاد وموريتانيا" أو المنطقة الخليفية الإسبانية "الشمال والصحراء".

وخاض الشعب المغربي غمار ملاحم متوالية رافضا معاهدة الحماية المفروضة التي وقعها السلطان مولاي عبدالحفيظ، الذي تنازل عقب ذلك عن العرش بعد ثورات القبائل لأخيه السلطان مولاي يوسف "والد السلطان محمد الخامس"، ليعيش بعد ذلك لاجئا في أوروبا حتى وفاته منتصف أربعينات القرن الماضي. وهكذا اندلعت معارك ضارية بجبال الأطلس والريف والصحراء وبمختلف جهات المغرب، إذ قادت القبائل الأمازيغية والعربية معارك مع الوجود الاستعماري، حالت دون توسعه وتمدده، كمعارك "الهري" بالأطلس المتوسط سنة 1914 ومعارك أنوال الخالدة بجبال الريف سنة 1921 ومعارك أبوغافر بمنطقة ورزازات ومعارك جبل بادو بمنطقة الرشيدية "الجنوب الشرقي" سنة 1933 إلى غيرها من الانتفاضات الشعبية ضد الاحتلال الذي لم يستطع السيطرة على المغرب بشكل كامل إلا في العام .1934

وانطلاقا من مستهل الثلاثينات دخل النضال المغربي مرحلة المقاومة السياسية وخصوصا بعد صدور الظهير البربري سنة 1930 الذي قسم المغاربة بين عرب وبربر، لتبدأ بذلك مبادرات النضال السياسي استمرارا لمراحل الكفاح المسلح، وأخذت الملاحم الوطنية تتخذ صيغا وأبعادا سياسية جديدة تمثلت في منعطفات حاسمة في مسار النضال كانت تتخلله مظاهرات وانتفاضات دامية.

وتواصلت مسيرة الكفاح الوطني بقيادة محمد الخامس على رغم السياسة القمعية الاستعمارية، إذ اغتنم انعقاد مؤتمر آنفا "الدار البيضاء" في شهر يناير 1943 قبل نهاية الحرب العالمية الثانية بأشهر لطرح قضية استقلال المغرب وإنهاء الحماية مذكرا بالجهود التي بذلها المغرب من أجل تحرير أوروبا، وهذا ما أيده الرئيس الأميركي آنذاك فرانكلين روزفلت ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل اللذان حضرا المؤتمر.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي ساهم فيها المقاتلون المغاربة الذين تم على أيديهم تحرير المناطق الجبلية من إيطاليا ومناطق واسعة من فرنسا الخاضعة للاحتلال الألماني "ولحكومة فيشي العميلة التي نصبها هتلر في باريس"، تغيرت مضامين المطالب المغربية إذ انتقلت من المطالبة بالإصلاحات السياسية والديمقراطية وتوسيع مشاركة المغاربة في تسيير شئونهم في ظل الحماية الفرنسية والإسبانية، إلى المطالبة بالاستقلال ارتكازا على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو الشعار الذي رفع عقب نهاية الحرب العالمية.

وكان لهذا الانتقال انعكاسات على مسار العلاقات بين سلطات الحماية من جهة والحركة الوطنية التي كانت ممثلة في حزب الشورى والاستقلال، وحزب الاستقلال، بالإضافة إلى القصر الملكي من جهة ثانية.

تقديم وثيقة الاستقلال

وشهدت مرحلة ما بعد الحرب تكثيف الاتصالات بين القصر الملكي وطلائع المناضلين الوطنيين لتنبثق عنها مبادرة تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، بإيعاز من الملك الراحل محمد الخامس، إذ شرع الوطنيون في تحضير الوثيقة وإعدادها، وكان بينهم سيدة هي مليكة الفاسي، والتي تم تقديمها بعد تبادل التشاور بين الملك والوطنيين. وبعد أن تم التأكد من أنها تمثل مختلف مناطق المملكة إلى الإقامة العامة الفرنسية، كما سلمت نسخ منها إلى ممثلية أميركا وبريطانيا، بالإضافة إلى إرسال نسخة إلى الاتحاد السوفياتي.

وتضمنت هذه الوثيقة التاريخية في ديباجتها الحافلة بالمواقف الوطنية الراسخة جملة من المطالب تتعلق بـ "استقلال المغرب تحت ظل ملك البلاد المفدى سيدي محمد بن يوسف والسعي لدى الدول التي يهمها الأمر لضمان هذا الاستقلال وانضمام المغرب للدول الموافقة على وثيقة الأطلنطي والمشاركة في مؤتمر الصلح فيما يرجع للسياسة الداخلية". كما تضمنت "الرعاية الملكية لحركة الإصلاح وإحداث نظام سياسي شوري شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية والإسلامية بالشرق، تحفظ فيه حقوق وواجبات جميع عناصر الشعب المغربي".

وكان لحدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال الأثر العميق في أوساط المغاربة، إذ تعزز بعرائض التأييد من مختلف جهات المملكة، كما كان من آثاره اندلاع انتفاضة يوم 29 يناير 1944 وما رافقها من مظاهرات عارمة سقط على إثرها عشرات الشهداء والضحايا بالرباط وسلا وفاس وأزرو وغيرها من المدن المغربية.

وتحديا لسياسة الاستعمار، عزم محمد الخامس على القيام بزيارته التاريخية في التاسع من أبريل/ نسيان 1947 إلى مدينة طنجة شمال البلاد، والتي كانت خاضعة للحماية الدولية، تأكيدا على وحدة الأراضي المغربية، ومرت رحلته بالقطار انطلاقا من الأراضي الخاضعة للحماية الفرنسية مرورا بالأراضي الخاضعة للحماية الإسبانية، وصولا للأراضي الخاضعة للانتداب الدولي، معززا مبادرته الداعية للاستقلال والإصلاح بخطاب ألقاه وسط حشود سكان طنجة وضواحيها أبرز فيه مقومات الشعب المغربي وطموحات أمته ومطالبتها بالاستقلال وتمسكها بالمقدسات الدينية والوطنية، لتبدأ بذلك مرحلة من الشد بين القصر والإقامة العامة.

وظل محمد الخامس "الذي يلقبه المغاربة ببطل التحرير" يحمل لواء الدفاع عن استقلال المغرب، وشدد على ذلك خلال زيارته لباريس في أكتوبر/ تشرين الأول 1950 وعبر عن مختلف المواقف الرافضة لمخططات الاستعمار لتحتدم المواجهة، وهو ما ازداد حدة بعد اتباعه لـ "سياسة الرفض"، وبمقتضاها بدأ في رفض توقيع القوانين والمراسيم الصادرة عن الإقامة الفرنسية في الرباط "إذ التوقيع الملكي كان يعطى للقوانين الشرعية"، ما عجل بدخول العلاقة بين القصر والإقامة إلى نفق مسدود، فلجأت قوات الاحتلال الفرنسي إلى مهاجمة القصر الملكي في الرباط في 20 أغسطس/ آب 1953 لتعزل الملك بعد تخييره بين توقيع المراسيم أو التنازل عن العرش. إلا أن الملك رفض العرضين معا، معللا ذلك بأن تنازله عن العرش هو بيد الشعب الذي بايعه، ما جعل قائد القوات المهاجمة للقصر يخبره بأن السلطات الفرنسية قررت عزله، ونفيه مع أسرته إلى الخارج، إذ كانت الوجهة الأولى جزيرة كورسيكا الفرنسية في البحر المتوسط، ثم جزيرة مدغشقر جنوب المحيط الهندي، لينصب مكانه ابن عمه محمد بن عرفة الذي اعتبره المغاربة عميلا للاحتلال، وأنه لا يمثل إلا نفسه، ما عرضه إلى عدد من محاولات الاغتيال أبرزها كان على يد المقاوم علال بن عبدالله، أثناء توجه "سلطان فرنسا" كما أسموه لتأدية صلاة الجمعة.

وكان نفي محمد الخامس مع أسرته بمثابة إشارة انطلاق المقاومة، التي تلاحقت عملياتها العسكرية في المدن والبوادي والمناطق الجبلية، كما تمت مهاجمة أماكن تجمع المستوطنين الفرنسيين وتفجيرها، والتعرض للعملاء وقوات الأمن المغربية المشكلة من قبل قوات الاحتلال، ما جعل فرنسا تزيد من قمعها عبر إعدام كل ما يثبت في حقه انضمامه أو مساعدته لأفراد المقاومة.

إلا أنه أمام تزايد حدة أعمال العنف وتضرر المصالح الاقتصادية، وهو ما تزامن أيضا مع ازدياد ضربات المقاومة في الجزائر التي كانت تحتلها باريس وتعتبرها مقاطعة فرنسية، جعل فرنسا تقرر الانسحاب من المغرب والاستجابة لرغبات المغاربة بعودة الشرعية ممثلة في الملك محمد الخامس وأسرته، في 16 من نوفمبر/ تشرين الثاني ،1955 ليعلن عن استقلال البلاد في 18 نوفمبر من العام نفسه، إذ أعلن محمد الخامس في خطاب أمام عشرات الآلاف من المغاربة القادمين من مختلف المدن والقبائل المغربية إلى الرباط، عن "انتهاء عهد الحجر والحماية، وبزوغ شمس الحرية والاستقلال، وانتهاء الجهاد الأصغر وبداية الجهاد الأكبر"

العدد 871 - الأحد 23 يناير 2005م الموافق 12 ذي الحجة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً