حفلت كتب التراث الجغرافي بالكثير من النصوص المهمة عن المدن والقرى الفلسطينية. بل لا يكاد يخلو كتاب جغرافي أو معجم موسوعي من ذكر المدن الفلسطينية وفي مقدمتها مدينة القدس الشريف، ويرجع ذلك إلى المكانة الدينية التي تحتلها الأرض المقدسة في قلوب المسلمين، عبر عصور التاريخي الإسلامي التي تلت الفتح العمري لمدينة القدس. ولوجود القدس على أرض فلسطين الطهور؛ والتي كانت قبلة المسلمين الأولى لمدة ثلاثة عشر عاما ونيفا، قبل أن يأمر الرسول "ص" المسلمين أن يولوا وجوههم شطر المسجد الحرام. وفيها ثالث الحرمين الشريفين، وهي مدينة الأنبياء، ومدينة الإسراء والمعراج، إضافة إلى كثرة الأحاديث النبوية التي تحث المسلمين على شد الرحال إلى بيت المقدس وزيارته والصلاة فيه.
ولا ننسى المكانة العلمية التي تتميز بها القدس، إذ كانت مركز إشعاع علمي يقصده العلماء من جميع أصقاع العالم الإسلامي لطلب العلم والمجاورة ومجالسة العلماء.
لهذه الأسباب، كانت الأرض المقدسة موضع اهتمام العلماء، وبرز نوع من الأدب إسلامي يدعو إلى زيارة القدس والتبرك بمقدساتها، وكثرت المؤلفات التي تبحث في فضائلها. ومن أهم المصادر التراثية كتب الجغرافيا والرحلات، التي تعرضت بشكل واسع للمدن والقرى الفلسطينية.
المدن المقصودة للزيارة
لقد عرف التراث الجغرافي العربي أنواعا من أدب الرحلة، يتميز بعضه عن بعض بالسبب الدافع إليها، فمنها رحلات الحج "أو الرحلات الحجازية" التي تميز بها المغاربة والأندلسيون وتركوا تراثا غنيا غاية في الأهمية ودقة الوصف والإفادات الفريدة. وهناك الرحلات الجغرافية المرتبطة باكتشاف المكان الآخر، وتسجيل أوصاف المدن والجبال والأنهار وتقدير المسافات، برع فيها عدد من الرحالة جوابي الآفاق، الذين وعوا أهمية ما يقومون به وسجلوه. وهناك المذكرات الجغرافية التي سجلها السفراء في بعوثهم، وتميزوا بالملاحظة الذكية التي تطرقت إلى جوانب مفيدة عما كتبوا عنه أرضا وشعوبا وعادات. والجامع بين أنواع الرحلات كلها التطرق إلى المكان والإنسان، ووصف الأرض وما عليها وما تنبته من نتاج، وذكر المتميزين من الأعيان والعلماء الذين التقاهم الرحالة في تلك الأصقاع.
ويأتي في مقدمة المدن المقصودة للزيارة، مكة المكرمة والمدينة المنورة، لما لهما من القدسية والمكانة الدينية والعلمية على امتداد التاريخ الإسلامي، وهما مقصد الحاج لأداء مناسكه، ينجذب إليهما المسلمون من الأصقاع كافة، متجشمين عناء السفر وركوب الأخطار، واستأثرا بالنصيب الأكبر من أدب الرحلة وارتبطا به.
ويأتي في المرتبة الثانية من حيث الكم، مدينة القدس الشريف، التي كانت مقصدا للرحالة ومزارا ومتبركا وموئلا لطلب العلم والمجاورة، لما لها من مكانة دينية ولارتباطها بالأرض المقدسة، بالإضافة إلى كونها مركزا علميا يؤمه علماء المسلمين من مختلف أنحاء العالم. واعتمادا على هذه المعطيات برز أدب إسلامي يدعو إلى زيارة القدس والتبرك بمقدساتها، وحفلت دور الكتب وخزائن المخطوطات بكمية كبيرة من الرحلات المقدسية، وكتب الفضائل، وكان قرب المسافة - نسبيا - بين المقدس والحجاز مدعاة لكثير من الرحالة المغاربة والأندلسيين للتوجه إلى زيارة بيت المقدس بعد أداء فريضة الحج. فعند مدينة أيلة "العقبة في جنوب الأردن" يفترق ركب الحاج الشامي عن المصري، ومنها يختار زوار القدس التوجه إليها بالبر عبر غزة أو الخليل.
والمدينة الثالثة التي جذبت اهتمام القصاد، واحتلت مكانا في أدب الرحلة، إلى جانب المدن ذات الطابع الديني: مكة المكرمة والقدس، هي مدينة القسطنطينية لمكانتها السياسية باعتبارها عاصمة الخلافة منذ أن فتحها العثمانيون العام 1453م. وأصبحت وجهة الكثير من البعثات الدبلوماسية، كما هي وجهة التجار وبعض أصحاب المصالح الذين شدوا الرحال إليها للوقوف بباب السلطان، إما لرفع مظالمهم ضد الولاة المحليين، أو للتكسب وطلب الاسترفاد.
القدس في كتب الرحالة
سنقصر الحديث في هذا الباب على بعض نماذج الرحلة إلى القدس، المشهور منها المتوافر، إذ إن كثيرا من هذه الرحلات إما مفقود أصله أو مازال مخطوطا لم يطبع.
فمن أقدم نصوص الرحلات المقدسية رحلة ناصر خسروا المسماة "سفرنامة" وهي باللغة الفارسية تمت ترجمتها إلى العربية. ويعتبر ناصر خسرو أول رحالة مسلم يزور بلاد الشام وفلسطين ويدون انطباعاته ومشاهداته عن نمط الرحلة بوصفها المتعارف عليه.
وقام الرحالة المغربي محمد العبدري برحلته إلى المشرق، وبعد أن أدى فريضة الحج عاد عن طريق البر. وعند عقبة أيلة "مدينة العقبة في جنوب الأردن" إذ ينفصل ركب الحاج الشامي عن المصري، توجه إلى فلسطين مارا بالخليل وحلحول وصولا إلى القدس، ولم تتجاوز مدة إقامته في القدس خمسة أيام، لذلك جاءت إفادته ضئيلة نسبيا استغرقت أربع صفحات من كتابه الموسوم بـ: الرحلة المغربية "أو العبدرية".
أما الرحالة المغربي الذائع الصيت ابن بطوطة الطنجي فقد زار القدس مرتين: الأولى العام .1325 والثانية .1348 وجاء كلامه عن القدس مقتضبا جدا تضمن أربعة أبواب: ذكر المسجد المقدس، ذكر قبة الصخرة، ذكر بعض المشاهد المباركة بالقدس الشريف، ذكر بعض فضلاء القدس. ورحلة ابن بطوطة مشهورة معروفة سماها: "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار".
رحلة خالد البلوي
ومن الرحلات رحلة خالد بن عيسى البلوي الأندلسي، الذي زار فلسطين العام ،1337 في رحلته المسماة "تاج المفرق في تحلية علماء المشرق". وأقام بالقدس مدة شهرين، وترك لنا وصفا دقيقا للمواضع التي مر بها، ودون مشاهداته الكثيرة عن القدس وعن الحرم الشريف بما فيه المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وأورد ذكر طائفة من علماء بيت المقدس الذين التقاهم.
وقام الرحالة إبراهيم الخياري بزيارته فلسطين، وهو عالم من أهل المدينة المنورة، سافر إلى القسطنطينية العام 1669 لرفع مظلمته إلى السلطان العثماني، وفي طريق العودة مر على القدس، ولم تتجاوز مدة إقامته يومين، غير أنه ترك وصفا جيدا للمدينة ضمنه كتابه المسمى "تحفة الأدباء وسلوة الغرباء".
وقام الفقيه والمتصوف الشيخ عبدالغني بن إسماعيل النابلسي، وهو عالم كبير من أهل دمشق الشام، بزيارة فلسطين مرتين: الأولى العام ،1690 وسماها "الحضرة الأنسية إلى الرحلة القدسية"، والرحلة الثانية وهي الكبرى قام بها العام 1694م، وسماها "الحقيقة والمجاز في الرحلة إلى بلاد الشام والحجاز". وتضمنت الرحلتان وصفا مفصلا للقدس الشريف وللمشاهد والمقامات والمزارات ولقبة الصخرة والمسجد الأقصى، وتضمنت عقد مجالس العلم ومحاورة العلماء، ما يبرز الحياة العلمية التي كانت تحتلها مدينة القدس في أفئدة المسلمين.
وللشيخ مصطفى بن كمال الدين البكري الصديقي، تلميذ الشيخ عبدالغني النابلسي، ثلاث رحلات إلى القدس: الأولى العام 1710 وسماها "الخمرة المحسية في الرحلة القدسية". والثانية العام 1716 وسماها "الخطرة الثانية الأنسية للروضة الدانية القدسية". والرحلة الثالثة العام 1716 وسماها: "الحلة الذهبية في الرحلة الحلبية". وحفلت رحلاته بذكر المواضع ووصف مدينة القدس وما بها من معالم ومزارات، وتعداد من بها من العلماء.
ومن الرحلات المهمة في ذلك العصر رحلة الشيخ مصطفى بن أسعد اللقيمي العام ،1730 المسماة بـ: "موانح الأنس في رحلتي لوادي القدس". وكما يدل عنوان الرحلة فقد اعتنى اللقيمي بذكر القدس والحرم الشريف، وزيارة نواحيها، وكانت إقامته بالقدس فرصة للقاء العلماء ومحاورتهم.
رحلة محمد المكناسي
وآخر الرحلات التي نتطرق إليها، رحلة السفير محمد بن عثمان المكناسي المسماة بـ "إحراز المعلى والرقيب في حج بيت الله الحرام وزيارة القدس الشريف والتبرك بقبر الحبيب"، فقد خرج السفير المكناسي من المغرب مبعوثا من سلطان المغرب إلى السلطان العثماني العام ،1785 وأمره بالتوجه بعد ذلك إلى الحجاز، وبعد أن قام بهاتين المهمتين زار فلسطين وترك لنا وصفا دقيقا لمدينة القدس ونواحيه
العدد 889 - الخميس 10 فبراير 2005م الموافق 01 محرم 1426هـ
وصف القدس
لا تعرفون الوصف الوجداني هههههههههه
حلو
حلو كتير المعلومات