في وقت تستثمر الإدارة الأميركية الحوادث الجارية في لبنان إثر جريمة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، التي جاءت بعد الانتخابات في العراق والانتخابات في الأراضي الفلسطينية، للإشادة باستراتيجيتها لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير، واصلت الصحف الأميركية رصد التطورات اللبنانية فبدت استقالة حكومة عمر كرامي في لبنان مساهمة في تعزيز جهود أميركا لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط! ودعا البعض واشنطن إلى عدم الاستعجال على طريق دمشق بالإضافة إلى نصائح بأخذ كلام الرئيس السوري بشار الأسد جديا وعدم التهور بإقامة حكومة موالية للغرب ومتكيفة مع "إسرائيل" في بيروت، يظن صقور واشنطن أنها ستكون بوابة أميركا إلى دمشق. مع التحذير من أن حزب الله اللبناني سيقاوم ويقوض الخطوات الأميركية كافة في هذا الاتجاه، لكن برز أيضا تشجيع لأميركا في المضي قدما في مشروعها "للشرق الأوسط الكبير" لأن الثمار بدأت تلوح في لبنان على رغم المخاوف الكبيرة التي أقر بها المعلقون وخصوصا الفوضى الظاهرة في بيروت والمنطقة وأبعاد هذه الفوضى وخطورتها.
فعلق فلينت ليفرت في مقال بـ "نيويورك تايمز" تحت عنوان "لا تستعجلوا على الطريق نحو دمشق" على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري فاعتبر أنه منح حياة جديدة لفكرة قديمة تتمثل باستخدام مسألة استقلال لبنان لتقويض موقع سورية الاستراتيجي. فصقور الإدارة الأميركية مثل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ورئيس مجلس الأمن القومي إليوت أبرامز يعتقدون أن الضغط على دمشق للخروج من لبنان يفسح المجال أمام إقامة حكومة موالية للغرب ومتكيفة مع "إسرائيل" في بيروت ومساعدة الأميركيين على فرض تأثيرهم على المنطقة.
وأضاف أن الصقور الأميركيين يؤمنون أيضا بأن الضغط على سورية باستخدام الورقة اللبنانية قد يفسح المجال أمام انهيار النظام السوري وإزالة دولة بعثية مارقة أخرى. ومن هنا رأى ليفرنت، أن الاضطرابات التي شهدها لبنان بعد اغتيال الحريري والتي وصلت أوجها مع استقالة حكومة كرامي، قد تشكل بابا استراتيجيا، ولكن ليس للتدخل العسكري الذي يطمح إليه بعض أعضاء الإدارة الأميركية.
غير أن المسئول الأميركي حذر من أن أية جهود أميركية لتشكيل حكومة موالية للغرب في لبنان ستجابه بالتأكيد بمقاومة من جانب حزب الله، ما سيؤدي لفشل هذه الجهود وإحداث المزيد من الفوضى في المنطقة. واستنتج أنه سيكون من الحكمة أن تستفيد واشنطن من التركيز الدولي الحالي على موقع سورية في لبنان من أجل تحسين الأجواء السياسية اللبنانية. وأوضح أنه بمساعدة الشركاء الدوليين والدول العربية الرئيسية فسيكون من الممكن دفع سورية نحو تنفيذ آخر عملية إعادة انتشار لقواتها في المدن اللبنانية إما من خلال سحبها إلى الأراضي السورية أو إلى البقاع. ودعا ليفرنت، الإدارة الأميركية إلى الأخذ بجدية دعوة الأسد إلى إجراء حوار ثنائي مع الأطراف اللبنانيين والاستفادة من هذا الأمر من أجل التفاوض مع دمشق لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في لبنان بإشراف مراقبين دوليين.
وعبر ديفيد إغناطيوس في "واشنطن بوست" عن ذهوله لرؤية الأنظمة العربية في الشرق الأوسط تتساقط واحدة تلو الأخرى، مشيرا إلى إسقاط الحكومة الموالية لسورية في لبنان وإلى الانتخابات العراقية وإلى طلب الرئيس المصري حسني مبارك تعديل الدستور للسماح لأكثر من مرشح واحد بالترشح لمنصب رئاسة الجمهورية. وإذ لاحظ المعلق الأميركي أن هذه التغيرات حصلت بعد فوضى عارمة وثورة شعبية كما هي حال لبنان، أعرب عن خشيته من أبعاد هذه الفوضى وخطورتها. ولفت إلى أن التعجرف الأميركي سبب لأميركا الكثير من المشكلات خلال السنة الأولى من الغزو على العراق، موضحا أن الأمور بدأت تتحسن حين تولى العراقيون أنفسهم زمام الأمور.
من هنا دعا إغناطيوس، واشنطن إلى المضي قدما في ضغوطاتها على المنطقة شرط أن تترك للشعوب فرصة أن تخوض ثورتها وتقرر مصيرها بنفسها. ولفت إلى أن التحديات المرتقبة في منطقة الشرق الأوسط وخصوصا في لبنان، كثيرة وخصوصا فيما يتعلق بدور حزب الله في لبنان، واصفا الحزب بالقوة السياسية الأكثر تنظيما في البلد. فأوضح أنه لا يمكن أن يصنف حزب الله على أنه منظمة إرهابية وأن يشارك في بناء ديمقراطية جديدة في لبنان وإنما عليه الاختيار بين الأمرين. هذا، وأشار المعلق الأميركي إلى وجود مؤشرات تدل على احتمال أن يتخلى حزب الله عن سلاحه مقابل مشاركته في تشكيل الحكومة اللبنانية شرط ألا تكون هذه الحكومة معادية لسورية. فرأى إغناطيوس، أنه على رغم أن هذا سيكون ثمنا باهظا بالنسبة إلى حزب الله فإن اشتراك الحزب في التغيير السياسي هو أمر مهم بالنسبة إلى مختلف الأطراف ويستحق العناء.
وفي هذا السياق، لفت المعلق الأميركي إلى أن هناك تخوفا مزدوجا من قبل السلطة السورية وحزب الله من أن يعقد أي منهما اتفاقا منفردا مع واشنطن لا يأخذ في الاعتبار مصلحة الطرف الآخر. ومن ناحية أخرى، وبعد أن أفاض بالحديث عن لبنان، تطرق إغناطيوس، إلى شئون الدول الأخرى في الشرق الأوسط، فاعتبر أن الخطر الأكبر هو محاولات إيران الحثيثة للسيطرة على الحكومة العراقية، مؤكدا أن هذا الأمر سيفشل كل المحاولات الرامية إلى إحلال نظام ديمقراطي في العراق. وفي الختام، أكد المعلق الأميركي أن على أميركا أن تكمل مشوارها في الشرق الأوسط من دون أن تتراجع لأن هذا المرحلة تشكل منعطفا تاريخيا مهما.
ونشرت "نيويورك تايمز" خبرا افتتاحيا تحت عنوان "الحكومة اللبنانية الموالية لسورية تستقيل بعد حملة احتجاج". فاعتبرت أن استقالة كرامي ستهيئ الوضع لمعركة حادة بشأن العلاقة بين سورية ولبنان. وعلى رغم ملاحظتها حشود المعارضة في الشارع اللبناني، اعتبرت أن السبب الرئيسي وراء الاستقالة هي الضغوط الكثيفة التي مورست على الحكومتين اللبنانية والسورية منذ اغتيال الحريري واتهام سورية بالوقوف وراءه. ورجحت أن تساعد الاستقالة في تعزيز جهود أميركا لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. غير أنها حذرت من أن عدم الاستقرار يهدد بإلحاق الضرر بالاقتصاد اللبناني وتعزيز الانقسامات في لبنان.
من جانبها "واشنطن بوست" وعلى رغم ملاحظتها أن الاحتجاجات الشعبية استطاعت تخطي معظم الخلافات الدينية والحزبية التي أججت سنوات الحرب اللبنانية، فإنها حذرت من أن الأحزاب التي لم تنضم إلى المعارضة تهدد نجاح تحرك المعارضة من جهة وطابعها السلمي من جهة أخرى. وأوضحت أن الأحزاب الشيعية الرئيسية مازالت على الحياد بما في ذلك حزب الله الذي أعلن قادته دعمهم للحكومة الموالية لسورية
العدد 912 - السبت 05 مارس 2005م الموافق 24 محرم 1426هـ