العدد 924 - الخميس 17 مارس 2005م الموافق 06 صفر 1426هـ

الشريحة الصامتة إلى الأبد...جولة في عالم الصم والبكم

لا يعرفون من هو الشمر والطائفية... ويتجنبون الزواج بالأصحاء

فرض موضوع الصم والبكم نفسه بقوة على الساحة في موسم عاشوراء هذا العام، بفعل ما قامت به اللجنة الخاصة بهذه الفئة المهمشة من المجتمع. فقد شهدت الساحة خطوات تهدف إلى إدماجهم في الفعاليات الاجتماعية، ويجرى التخطيط لتوسعة هذه المساحة بشكل أكبر.

كان المنظر مؤثرا لمن شاهد موكب الصم والبكم يوم العاشر من محرم يسير بين المواكب الأخرى في منطقة النعيم التي احتضنت هذا المشروع، وكان لها الريادة في هذا المجال، إذ نظمت ترجمة فورية لموضوعات الخطابة المنبرية وتخطط الآن لتنفيذ عدد من المشروعات الأخرى. والسبب وجود نحو عشرين شخصا من هذه الفئة في منطقة النعيم، وبالتالي يسهل تجمعهم هنا، وخصوصا إذا علمنا أن هذه الفئة تتميز بولاء كبير لأصدقائها، وتعيش فيما يشبه التكتلات أو "الشلل". من هنا يسهل تجمعهم وملاقاة أصدقائهم، إذ يصعب ألا يكون لأي منهم من أبناء المناطق الأخرى صديقا في هذه المنطقة. وهو ما سهل القيام بهذه الأنشطة والفعاليات الخاصة بهم.

في عصر العاشر من المحرم، سيطر الاستغراب على الجمهور وهو يرى هذا الكم الكبير من أصحاب الإعاقة السمعية والنطقية، الذي لم يكن متوقعا. وعندما مر الموكب أجهشت جماعات من النساء بالبكاء وهن يشاهدنهم يمارسون شعائر دينية اجتماعية مثلهم مثل الأصحاء.

عندما اجتمعت اللجنة بالسيد عبدالله الغريفي وعرضت عليه اقتراحاتها بالتطوير، طلب منها تقديم خطتها مكتوبة وأبدى استعداده التام لدعمها، وتكفل بتوفير جميع احتياجاتها للعام المقبل. ويشمل برنامج العمل زيارة للعمرة وبرنامجا رياضيا خاصا، إذ تعتبر مثل هذه الأنشطة لفتة مهمة لإدماج هذه الفئة المنسية في المجتمع.

فرقة العروج التي قدمت نهاية موسم عاشوراء مسرحية "وانتصر الحق"، خصصت ليلة لهذه الفئة، فيما وجه مأتم بن رجب دعوة خاصة لاستضافتهم، ودعاهم مأتم آخر بمدينة حمد لحضور برنامج ديني آخر.

الإعلام له دور كبير في توجيه الاهتمام لمشكلات هذه الفئة، وزيادة وعي المجتمع بمعاناتها والانفتاح عليها، وخصوصا إذا علمنا أنهم يحملون تصورا عن أننا نحن "الأصحاء" نحمل حقدا عليهم، ولا يدركون أن ما يمنع مجتمع الأصحاء من التواصل معهم هو نقص الوعي والجهل بلغة الإشارة.

مجتمع من دون طائفية

هؤلاء ليس لديهم شيء من أمراضنا مثل الطائفية، فهم لم يسمعوا شيئا عن مثل هذه الممارسات التي يتورط فيها مجتمع "الأسوياء". وبما أن موسم عاشوراء يمثل خصوصية مذهبية، يقتصر الحضور فيه على أبناء الطائفة الشيعية بطبيعة الحال، ولأن الصداقات كانت تقوم بين أصحاب الإعاقة من الطائفتين، فإنه عندما دعا بعضهم بعضا إلى الحضور والمشاركة تحفظت الأسر على حضورهم بطبيعة الحال.

ملاحظة أخرى طرحها أحد أعضاء اللجنة، وهي أن نسبة الإعاقة السمعية "البكم والصم"، أكبر لدى الطائفة الشيعية في البحرين منها لدى الطائفة السنية، وأرجع ذلك إلى زواج الأقارب وخصوصا في القرى، ودلل على ذلك بوجود أربعة أو خمسة أو ستة من المصابين في بعض العوائل، وان إحدى العوائل تضم ثمانية من الأبناء المعوقين سمعيا.

على مستوى الأسرة، تتواصل الأمهات مع هذه الفئة وتحتك بها في البيت أكثر من الآباء المشغولين في الجري وراء لقمة العيش، فضلا عن الفارق النفسي بين الرجل والمرأة في التعامل مع الأبناء عموما. بعض الأسر تركز على لغة الكلام للتواصل مع الفرد الأبكم والأصم، وبمقدار ما يكون التواصل بهذه الصورة مبكرا وجادا يكون تحسن النطق عنده أكبر. وفي هذه الحال يلاحظ الفرد حركة الشفاه ويحاول النطق بإخراج أصوات قريبة منها قدر ما تسعفه حباله الصوتية.

هناك لغة الإشارة، التي لا تبذل الكثير من الأسر جهدا كبيرا لتعلمها، ومن هنا يعتمد التقدم في هذا المجال على الأسرة وثقافتها، وعلى عدد الأبناء المصابين: شخص واحد أو أكثر، فإذا كان وحيدا فيجد نفسه مجبرا على محاولة النطق أو تعلم لغة الإشارة.

بعض أفراد هذه الفئة لا يعرفون لغة الإشارة أو الشفاه أو الكتابة، بسبب اعتمادهم الكامل على العائلة، فيبقون عالة كاملة عليها. في المقابل هناك مجموعات منهم يعملون في وظائف كتابية مختلفة، أبرزها صف الحروف في المطابع والصحف، فضلا عن العمل في مجالات حرفية أخرى كالنجارة وميكانيكا السيارات.

إحدى العوائل تضم فتاة وولدا، والفتاة تتم معاملتها كالخادمة في العائلة، بينما الابن يمارس مهنة أبيه فيعمل فلاحا في الحقل، ولذلك لم يعرف هؤلاء شيئا اسمه لغة الإشارة أو الشفاه فضلا عن الكتابة.

الزواج من "الداخل"

ظاهرة أخرى نلاحظها في هذا المجتمع، وهو زواج أبناء هذه الفئة من بعضهم بعضا، وهناك ميل لرفض الزواج من أصحاء، خوفا من طغيان شخصية الزوج السليم وهيمنته المطلقة. ولذلك نجد كل واحد يميل إلى الاقتران بزميلته التي التقاها يوما على مقاعد الدراسة في مركز التأهيل، أو البحث عن أخت صديقه ممن تعاني العاهة نفسها. وفي غالبية الحالات يكون الأبناء أصحاء، وفقا لقوانين مندل المعروفة علميا في هذا المجال، وفي الوقت ذاته قد تبدأ المشكلة من جيل معين من دون أن تكون لها علاقة بالعائلة من قبل.

عندما اجتمعت اللجنة المكونة من عدد من ناشطي منطقة النعيم والعاملين في المأتم الجنوبي، وعدد من أبناء هذه الفئة، تم الاستماع إلى آرائهم وسألوا عن مقترحاتهم. أحدهم قال - بلغة الإشارة - اننا نقترح عمل كتيب تعريفي عن الفعاليات أكبر من الكتيب الحالي. شخص آخر اقترح أن تكتب كلمة "يا حسين" أمام الموكب ليستطيعوا المتابعة، وخصوصا أن عددا منهم يجيد التخاطب برموز الإشارة بينهم وانما يفتقدون الرموز الدالة على الأبجدية.

انتقاد طروحات الخطيب!

على أن الملاحظة الأهم والأقسى بالنسبة إلينا نحن الأصحاء، ما قالوه عن طروحات الخطيب هذا العام، فقالوا ان الشيخ لا يناسبهم، لأنه يخاطب الأسوياء الذين يعرفون كل شيء عن واقعة كربلاء، وكان ينتقد ما يطرحه كتاب آخرون بهذا الشأن، وهم لا يعرفون أصلا من يكون هؤلاء الكتاب ولا عن كتاباتهم، فكيف يمكنهم أن يجاروه في حديثه ويفهموا مقاصده؟ ثم انهم ليست لهم علاقة بهؤلاء الكتاب، ويريدون أن يتثقفوا من البداية، وعلى الخطيب ألا يفترض انهم يعرفون كل شيء!

على أن الخطيب لا يحمل المسئولية كاملة، فهو يخطب في مجلس عام ويخاطب جمهوره المتنوع بين خريج الجامعة وطالب المدرسة ورجل الأعمال والرجل البسيط، وعليه فمن الصعب أن ينزل في حديثه إلى البدايات التي تجاوزها الناس فيملونه.

ملاحظة أخرى وصلت من الجانب النسائي: "نحن نريد أن نتزود بثقافة إسلامية عامة، وليس الاقتصار على المناسبات الدينية وذكرى الوفيات".

من يكون الشمر؟

مترجمة النساء الطالبة الجامعية والناشطة في هذا المجال، زمزم الزاكي طرحت ملاحظة غريبة حدثت لها هذا العام، وهي أن فتاة عمرها ثمانية أعوام أوقفتها أثناء ترجمة كلام الخطيب لتسألها عن "الشمر"، من يكون؟ وهي معلومة بسيطة يعرفها أطفال سن الرابعة في مجتمعنا، ولكنها تحيرت كيف توضح لها بينما الخطيب يواصل محاضرته. فوجهت السؤال بدورها إلى الحاضرات الأخريات، فغلبهن الحياء لعدم معرفتهن الإجابة، فاضطرت إلى عدم متابعة الترجمة لتوضح لهن انه قاتل الامام الحسين "ع".

المعلومات البديهية عند الأصحاء جديدة بالكامل على هذه الفئة التي لم تسمع من قبل عن الكثير الكثير من معلوماتنا ومسلماتنا وبديهياتنا، لأنهم ببساطة لم يسمعوا بها من قبل، ولم يكن هناك من يجهد نفسه في إيصال هذه المعلومات إليهم، فتراهم يروحون ويغدون، وهم يشاهدون المواكب وحركة الناس غير المعتادة في موسم محرم أو رمضان، ولكنهم لا يدركون ما وراءها. والذين يحضرون منهم المجالس يدركون أن هناك حدثا أو تجمعا موسميا، يأكلون مع الناس ثم ينصرفون، ولم يكونوا يدركون أن هناك وقائع وحكايات تروى عن التاريخ، وذكرى لأسماء كبيرة نحن نعرفها ولكنها لم تصل إليهم، لأنهم ببساطة لم يسمعوا بسبب عاهة الصمم، ولم يكلف أحدنا - نحن الأصحاء الأسوياء - نفسه ليوصل إليهم تفسيرا لما يدور حولهم في عالم العقلاء!


لجنة الصم والبكم... هكذا كانت البدايات

في إحدى حفلات الزواج، انتبه مهدي النعيمي، أحد الوجوه البارزة في لجنة الصم والبكم، إلى وجود عدد كبير من المعوقين سمعيا، جاءوا للتبريك لزميلهم، وهو ما نبهه إلى وجود فئة كبيرة معزولة ومنعزلة ومنطوية على نفسها، تعيش على هامش المجتمع. فتساءل في نفسه: "لماذا لا نحس بهم وبوجودهم؟"

ولأنه كان يدرس في دولة الكويت الشقيقة "هندسة بحرية"، كان يلاحظ الطلاب البحرينيين من أصحاب هذه الإعاقة الذين يدرسون هناك لعدم وجود مركز خاص بهم آنذاك، ومن هناك تعرف على جانب آخر من رحلة معاناتهم في الحياة. الجانب الآخر الأصعب هو ما اكتشفه من سفر بعضهم إلى الكويت وتحملهم عناء وكلفة السفر في موسم عاشوراء، ليحضروا المجالس الحسينية التي تتم ترجمتها إلى لغة الإشارة هناك. يقول النعيمي: "فكرت في الأمر، لماذا لا نتحرك على تنظيم مجلس خاص يجمعهم ويوفر عليهم هذه المشقة؟ وطرحت الفكرة على الإدارة فاستجابت لذلك. ومن هنا عقد أول مجلس خاص بالصم في تاريخ البحرين ليلة السابع من المحرم العام الماضي، وحضره نحو أربعين شخصا، وزاد إلى ثمانين بعد ليلتين. وطالبت النساء بعقد مجلس خاص لهن، وهكذا كان".

وكيف كان تنظيم المجلس؟

- قبل المجلس وزعنا استبانة عليهم، وكانوا كلهم يطالبون بعقد مجلس خاص معزول وليس في المأتم العام، وهكذا نزلنا عند رغبتهم. ولكن عرضت مسرحية ودعوناهم إلى حضورها مع الآخرين، فتقبلوا الفكرة. وفي هذا العام، طرحنا قضية إدماجهم مع الآخرين الأصحاء، فتقبلوا ذلك. في المجلس الأول كانت أنظار الناس تتجه نحو المترجم لأن ذلك كان شيئا غريبا بالنسبة إليهم، ومع الأيام أصبح الأمر مألوفا، وأخذ الجمهور يتقبل الموضوع، واندمج معهم.

وكيف تشكلت لجنتكم؟

- تشكلت من ستة أفراد: عبدالله عبدالرسول، وفاطمة عبدالله، "طبيبان"، أحمد النعيمي، محمد التيتون، علياء اليوسف، ومحدثكم مهدي النعيمي. وانضم إلينا عدد من المعوقين سمعيا، مع المترجم شوقي المعتوق والمترجمة زمزم الزاكي، وهناك آخرون انضموا إلينا، ونحن نرحب بجهود كل من يتعاون معنا في هذا المجال.

ماذا عن مشروعات المستقبل؟

- لدينا طموحات كبيرة، ولكن تحدنا الإمكانات، ونحاول أن نعقد دورات تثقيفية وندوات بعد شهر صفر لتوعية أولياء الأمور والجمهور بحسن التعامل مع هذه الفئة من المجتمع. حتى طرحوا علينا في آخر اجتماع للجنة استعدادهم لتنظيم مسرحية خاصة بالقضية الحسينية. وهناك اقتراح بتنظيم محاضرات متنوعة شهريا: صحية، ثقافية، تربوية أو نفسية لكيلا تنحصر بالمحاضرات الدينية

العدد 924 - الخميس 17 مارس 2005م الموافق 06 صفر 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً