وافق 1600 من القادة الأفغان في يونيو/ حزيران وفي الاجتماع الأخير للويا جيرغا (الاجتماع الكبير للقادة القبليين)، على برنامج لإعادة التكامل الاجتماعي لمتمردي الطالبان من الرتب الدنيا والمستعدين لأن يشجبوا العنف ويقبلوا الدستور الأفغاني والعودة إلى بيوتهم، وذلك من خلال حوافز محتملة، مثل فرص العمل والتدريب الحرفي أو المشاريع التطويرية لمجتمعاتهم.
ويشكّل اجتماع «اللويا جيرغا» هذا خطوة مهمة إلى الأمام نحو بناء الإجماع والمصالحة الوطنية بين الأفغان.
وقد جرى تصميم البرنامج لاجتذاب متمردي الطالبان الذين ليس لهم انتماء أيديولوجي للطالبان، والذين انضموا إلى حركة التمرد سعياً للحصول على تعويض مادي. إلا أن إعادة استيعاب جنود الطالبان هؤلاء لا يشكّل سوى بُعداً واحداً لعملية مصالحة أوسع.
ورغم أن الولايات المتحدة تدعم وتموّل إعادة استيعاب جنود الطالبان، إلا أنها مازالت ترفض الموافقة على التفاوض مع قياداتهم، الأمر الذي يخلق من حيث الجوهر حاجزاً رئيسياً أمام جهود المصالحة الأفغانية. وتستمر هذه الاستراتيجية رغم حقيقة أن غالبية حلفاء الناتو وكبار المسئولين الأفغان والأميركيين اعترفوا علناً أنه لا يمكن الفوز بهذه الحرب بالأساليب العسكرية وحدها. وإذا أُريد لأفغانستان أن تتقدم باتجاه السلام الدائم، يتوجب تغيير استراتيجية الولايات المتحدة الشاملة.
وتستمر قيادة الولايات المتحدة والطالبان بوضع شروط مسبقة متضاربة على حكومة كابول تقف حائلاً أمام عملية المصالحة الوطنية وتمنعها من التقدم.
تريد الولايات المتحدة على سبيل المثال أن تتوقف الطالبان عن القتال وأن تقبل بالدستور الأفغاني.
ويريد الطالبان في هذه الأثناء خروج جميع القوى الأجنبية كشرط مسبق للانضمام إلى عملية الحكومة السياسية. إضافة إلى ذلك فإن قيادة الطالبان العليا منفتحة للحوار مع الولايات المتحدة، ولكن فقط بشرط ألا تكون هناك شروط مسبقة أخرى لعقد المحادثات.
وحتى يتسنى كسر هذا الجمود وبناء الثقة بين الجانبين وتيسير المصالحة، دفعت حكومة كارزاي الأمم المتحدة في الشهور الأخيرة لإزالة أسماء قادة معينين من الطالبان من قائمة الإرهابيين لديها.
وتدور إشاعات بأن كابول وإسلام أباد تقومان بإغراء كبار القادة من طالبان للانضمام إلى العملية السلمية في أفغانستان. إلا أن قرار الجنرال الأميركي ديفيد بتريوس الأخير بوضع شبكة حقاني على القائمة السوداء كمنظمة إرهابية قد يعمل على إفشال هذه المبادرات. وتعتبر شبكة حقاني هذه مجموعة متمردة في أفغانستان وباكستان متحالفة عن كثب مع الطالبان.
وقد أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن هدف بلده في أفغانستان هو «إفشال وتفكيك ودحر القاعدة» وفي الوقت نفسه وقف «قوة اندفاع» الطالبان.
وتسعى سياسة مجابهة التمرد التي تتبعها الولايات المتحدة إلى إضعاف تمرّد الطالبان قبل الموافقة على الحوار الرسمي بين إدارة الرئيس كارزاي وزعماء التمرد. وتحتاج استراتيجية تحقيق هذه الأهداف إلى إعادة التقييم.
أولاً، لا يوجد سوى 50 إلى 100 من ناشطي القاعدة في أفغانستان، حسب المسئولين الأفغان والأميركيين، الأمر الذي يعني أن وجود قوة عسكرية هائلة لتتعامل مع هذا العدد من الناشطين أمر غير متكافئ بالمرة.
ثانياً، يكمن الأسلوب الوحيد لوقف «قوة اندفاع» الطالبان في مساعدة عملية مصالحة أفغانية المحور، الأمر الذي يدعم بقوة فكرة التفاوض مع كبار الضباط والقياديين في الطالبان.
كانت هناك، في نهاية المطاف تسع سنوات من محاربة التمرد دون الانخراط في حوار جاد لإعادة هذه العناصر إلى الحظيرة السياسية. ولم يزد ذلك الطالبان إلا قوة. بذلك يرتكز الاستقرار في أفغانستان على إعادة تقييم عدم فاعلية توجه القوة القاسية وتحول لا مناص منه نحو الاستخدام النشط للقوة الناعمة لتحقيق الأهداف السياسية طويلة الأمد.
إن أفضل السبل لمساعدة حكومة كابول على إعادة الاستقرار إلى الدولة هو مساندة استراتيجية المصالحة الكاملة، والتي تنطوي على مد يد المصالحة نحو كبار قادة الطالبان.
ثالثاً، يحتاج جميع اللاعبين الرئيسيين، بمن فيهم حكومات أفغانستان وباكستان والولايات المتحدة وحلفاء الناتو، ضمن آخرين، للتأكيد على التطور الاجتماعي الاقتصادي وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات والتعليم وحقوق الإنسان في أفغانستان.
وأخيراً فإن استغلال الخلافات العرقية لأجل المصالح السياسية من قبل اللاعبين الإقليميين والمشاركين من الداخل هو أمر يجب احتواؤه من قبل الولايات المتحدة. يتوجب على قادة الغالبيات والأقليات الأفغانية أن يعملوا معاً لتحقيق السلام في أمّتهم الممزقة.
لن يؤدي العنف المستمر والانخراط العسكري طويل الأمد إلا إلى المزيد من الدمار للمجتمع الأفغاني.
سوف يمهد دعم الجهود الأفغانية لتسوية الخلافات الداخلية وتقوية مؤسسات الدولة الأفغانية، الطريق نحو الاستقرار على المدى البعيد.
لا يستطيع لا الأفغان ولا المجتمع المحلي السماح لأفغانستان أن تصبح ملاذاً آمناً للإرهابيين
العدد 2893 - السبت 07 أغسطس 2010م الموافق 26 شعبان 1431هـ