العدد 960 - الجمعة 22 أبريل 2005م الموافق 13 ربيع الاول 1426هـ

القضاء يمنعه من ممارسة الصحافة 10 سنوات وقضية أخرى تنتظره في مدريد

الصحافي المغربي علي لمرابط يعود للواجهة...

بعد انحسار الأضواء عنه منذ إطلاق ملك المغرب سراحه، عاد اسم الصحافي المغربي علي لمرابط ليتصدر القصاصات الإخبارية التي مصدرها المغرب وإسبانيا، إثر قضاء ابتدائية الرباط بمنعه من العمل والكتابة الصحافية لعشر سنوات مع غرامة مالية تقارب 4500 يورو في قضية جنائية كان قدر رفعها عليه مواطن صحراوي، وهو القرار الذي أثار ردود فعل مختلفة سواء في الرباط أو مدريد. ومن المرتقب أن تتفاعل قضية لمرابط أكثر، لكن هذه المرة أمام القضاء الإسباني، إذ عمد صحافيان مغربيان يعملان في مكتب وكالة المغرب العربي الحكومية في مدريد إلى رفع قضية عليه بعد أن اتهمهما بكونهما جاسوسين يعملان لصالح جهاز الاستخبارات المغربية.

خلفية القضية

قضت ابتدائية الرباط بمنع علي لمرابط من احتراف الصحافة لعشر سنوات، ما يعني منعه من الكتابة، مع غرامة مالية قدرها 50 ألف درهم "حوالي 4500 يورو" مع النفاذ المعجل على رغم كل طرق الطعن بعد مؤاخذته بجنحة القذف. كما قضت المحكمة على المتهم بأداء درهم واحد رمزي للضحية مع نشر الحكم بيومية "الأحداث" المغربية أكثر الصحف المغربية انتشارا، لمدة 3 أسابيع متوالية.

القضية جاءت على إثر الشكوى التي تقدم بها "أحمد خر" المواطن المغربي من أصل صحراوي في حق الصحافي علي لمرابط بتهمة الكذب والافتراء بعدما صرح في حوار مع أسبوعية "المستقل" إثر تحقيق قام به من مخيمات البوليساريو بجنوب غرب الجزائر لصالح يومية "إلموندو" الإسبانية، جاء فيه أن "مختطفي تندوف من الصحراويين المغاربة ليسوا بمختطفين وإنما ذلك كذب وافتراء، وأنهم موجودون في مخيمات البوليساريو بملء إرادتهم".

وبحسب شكوى المواطن الصحراوي، فإن "المشتكي قد تم اختطافه في سنة 1975 رفقة مجموعة من المغاربة المنحدرين من الأقاليم الصحراوية وأن ذلك مثبت لدى السلطات المغربية وكذا لدى الجهات الحقوقية الوطنية والدولية المهتمة بالأمر".

وحتى لا يحمل قرار المنع أية حمولة سياسية، وإعطاءه البعد الجنائي، إذ مرت القضية من أمام القضاء أفاد مصدر قضائي أن الحكم بمنع علي لمرابط من مزاولة مهنة الصحافة لمدة عشر سنوات يستند إلى المادة 87 من القانون الجنائي. وأضاف أن هذه المادة تنص إلى الحكم بالمنع من مزاولة مهنة أو نشاط في حق المحكوم عليهم من أجل جناية أو جنحة عندما يتبين للمحكمة أن الجريمة المرتكبة لها علاقة مباشرة بمزاولة المهنة أو النشاط. وفسر المصدر نفسه أن المنع من مزاولة مهنة من المهن، حسبما جاء في المادة 87 من القانون الجنائي، والذي لا يمكن أن تفوق مدته عشر سنوات ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، وهو تدبير وقائي، يكون عند الإخلال بشروط ممارسة هذه المهن.

لمرابط: الحكم يترجم حال القصر

في البداية جاء رد علي لمرابط على القرار بمنعه من ممارسة مهنة الصحافة على صفحات يوميتي "إلموندو" الإسبانية و"الخبر" الجزائرية التي تصنفها الرباط في دائرة الصحف المعادية لها، ومما جاء في رده أن "القرار غير مسبوق في تاريخ المغرب حتى في عهد الحماية"، حسبما نشرت "إلموندو".

أما تصريحاته لـ "الخبر" فقد كانت غير مسبوقة باعتبارها تعرضت بشكل مباشر لشخص الملك وللمؤسسة الملكية الحاكمة وهو ما يحظره الدستور المغربي في الفصل 19 الذي "يعتبر شخص الملك مقدسا"، ومما جاء على لسانه، أن "القصر الملكي المغربي أحمق، إذ كان سابقا في وضع قلق، لكنه الآن أحمق تماما"، وأضاف "لأول مرة يحكم على صحافي خلال فترة زمنية لا تتجاوز الأسبوع، ولم يحصل ذلك أبدا في تاريخ المغرب، فصدور الحكم بهذه السرعة يعتبر سابقة في تاريخ المغرب".

وعن منعه من الكتابة لمدة 10 سنوات قال لمرابط: "إن منع الكتابة بهذه السنوات الطويلة لم تتم حتى خلال عهد الحماية الإسبانية والفرنسية للمغرب، إذ لم يمنع أي صحافي من الكتابة لمدة 10 سنوات"، وأكد "أن القصر الملكي ومحمد السادس لديهما مشكلة مع الصحافة"، وأضاف "سأدخل إلى بلادي ونرى فيما بعد، ولن يمنعني أحد من الكتابة أو أن أصدر صحيفة، هذه حرب طويلة"، لينهي حديثه عن ضعف سحب الصحافة المغربية بالقول "توجد أمية كبيرة في المغرب وصلت إلى 65 في المئة، والنظام المغربي لا يريد أن يخرج المغاربة من أميتهم، لأنه ليس من مصلحة النظام الحاكم القضاء على الأمية".

أما المحامي عبدالرحيم الجامعي فدافع عن علي لمرابط. فقد ذكر في تعليق له عن القرار أن هذا الحكم "يعتبر حكما غيابيا لا مثيل له وغير عادل"، مؤكدا احتجاجه على "رفض المحكمة تمكينه من الترافع على موكله وعدم تمكينه من مهلة قصد إعداد الدفاع وحضور موكله"، معتبرا أن غياب المتهم لا يمنع المحامي من مؤازرة موكله. ووجه بالمناسبة نداء إلى جميع الصحافيين للتصدي لمثل "هذه الأحكام غير العادلة باعتبارها تشكل خطرا يمس بمهنة الصحافة"، مشيرا إلى أن لمرابط "لم يسبق له أن كتب عن المشتكي أو ألمح إليه بالصفة أو النعت ولم تكن له أية مصلحة لتقديم الشكاوى"، وانه لو كان هناك قانون يطبق على المخالفين من القضاة لأحيل القاضي الذي أصدر هذا الحكم على المجلس التأديبي ليعلمه إحدى قواعد العمل القضائي".

ردود الفعل متفاوتة

ردود الفعل التي خلفها الحكم القضائي في حق لمرابط جاءت متفاوتة بين مؤيد ومتحفظ ومعارض.

سياسيا جاء الرد الوحيد من زعيم حزب الاستقلال وزير الدولة المغربي عباس الفاسي الذي أكد أن تصريحات لمرابط عن المحتجزين المغاربة في مخيمات البوليساريو تمس بكرامة الشعب المغربي قاطبة وسكان الأقاليم الجنوبية المسترجعة "الصحراوية" بصفة خاصة، وعليه فإن المجتمع المدني في شمال المغرب وجنوبه يحتج عليها ويستنكرها.

وأكد الأمين العام لحزب الاستقلال أنه لا يمكن من حيث المبدأ الطعن في الحكم الصادر في حق لمرابط عقب الدعوى التي رفعها ضده أحد ممثلي المجتمع المدني بعد زعمه أن "مختطفي تندوف ليسوا كذلك وأن الأمر مجرد كذب وافتراء"، مسجلا أن الدعوى تم رفعها من قبل المجتمع المدني وليس من طرف الدولة. وأضاف في هذا الصدد أنه كان بالإمكان تسجيل هذه الدعوى من قبل الشعب المغربي بأكمله للمطالبة بالحق المدني، إلا أن بعض "الجمعويين" نابوا عنه في ذلك وقرروا داخل جمعيتهم التصدي لتصريحات المرابط.

المسئول المغربي جدد بالمناسبة تأييده لمواصلة العمل بمبدأ حرية الصحافة بالمغرب انسجاما مع موقف حزب الاستقلال بهذا الخصوص منذ سنة ،1958 مذكرا في هذا الصدد بمقترح القانون الذي تقدم به فريق حزب الاستقلال بمجلس النواب أخيرا والقاضي بإلغاء العقوبة السالبة للحرية، "ما عدا حال المساس بالثوابت المقدسة للبلاد والمتمثلة في الإسلام، والملكية، والوحدة الترابية".

أكثر من رد

اعتبرت جمعيات حقوقية صحراوية مساندة لـ "أحمد الخر" المختطف الصحراوي السابق لدى البوليساريو الحكم الصادر في حق علي لمرابط حكما "مخففا" لا يتناسب مع حجم التهمة الموجهة إليه. وأوضح ممثلو "جمعية المنبر الصحراوي للوحدة والتضامن" و"جمعية أولياء ضحايا القمع بمخيمات البوليساريو" و"جمعية الساقية الحمراء للوحدة والتضامن" في تصريحات لهم "أن هذا الحكم يبقى مخففا بالنظر إلى حجم القضية التي لا تمس الناشط الحقوقي أحمد الخر فقط بل تمس أزيد من 30 مليون مغربية ومغربي.

أما المشتكي "أحمد الخر" فقد أعرب عن ارتياحه للحكم الصادر في حق علي لمرابط، إلا أنه يبقى في رأيه "حكما مخففا" لأن هذه القضية - كما قال - لا تعني المحتجزين والعائدين من مخيمات تندوف فحسب بل هي قضية تعني المغاربة قاطبة، وهو الرأي الذي وافقه عليه دفاعه ممثلا في المحامي عبدالرحيم البوحميدي الذي اعتبر أن الحكم الصادر في حق المتهم "مخفف جدا بالنظر إلى تمادي وتعنت" علي لمرابط في ادعاءاته ضد المواطنين في الأقاليم الجنوبية الصحراوية والمحتجزين المغاربة لدى البوليساريو .

في المقابل اعتبرت النقابة الوطنية للصحافة المغربية الإطار النقابي للصحافيين المغاربة أن التأويل القانوني الذي أدى إلى الحكم على علي لمرابط بالمنع من مزاولة مهنة الصحافة لمدة 10 سنوات "ينبغي أن يراجع"، مؤكدة في المقابل اختلافها معه في الممارسة الدقيقة لقواعد المهنة وأخلاقياتها وتحامله على الزملاء واستخفافه برسالة الصحافة.

وأوضحت النقابة في بلاغ لها أن الحكم بمنع علي لمرابط من ممارسة المهنة لمدة عشر سنوات جاء "بناء على نص لا علاقة له بقانون الصحافة"، مذكرة بأنه سبق لها أن "عبرت عن انتقادها لمثل هذا الحكم عندما صدر في حق الزميلين الصحافيين خالد مشبال ومصطفى العلوي". وأضافت النقابة أنها "تختلف مع علي المرابط في الممارسة الدقيقة لقواعد وأخلاقيات المهنة سواء فيما يتعلق بتحامله على الزملاء، وآخرها كان اتهامه لمراسلي وكالة المغرب العربي للأنباء بمدريد بالقيام بنشاط مخابراتي، بالإضافة إلى استخفافه وتحديه لصدقية رسالة الصحافة". أما رئيس نقابة الصحافيين المغاربة يونس مجاهد فقد اعتبر "أن أخطر ما في الأمر هو ارتباط علي لمرابط باليمين الإسباني الفاشستي"، وأضاف أنه "علاوة على ذلك، فإن لمرابط صرح بأن الصحيفة التي كان يعتزم إصدارها ستمول من طرف أجهزة مخابرات أجنبية"، مؤكدا أن مثل هذا "الموقف لا يمكن أن يقبل في أي بلد ديموقراطي".

ردود الفعل الإعلامية الخارجية كان أبرزها من ملتقى الصحافيين المتوسطيين المجتمع في مدينة ألميرية الإسبانية، الذي اعتبر قرار حكم القضاء المغربي بمنع علي لمرابط من ممارسة مهنة الصحافة لمدة 10 سنوات كان قرارا "قاسيا" مبرزا في الوقت نفسه أنه "يتعين علينا أن نجعل مهنتنا تحظى باحترام وثقة المجتمع".

وعبر الصحافيون المتوسطيون أيضا عن تضامنهم مع "الصحافيين المغاربة في نضالهم الجماعي من أجل دمقرطة ممارسة المهنة".

قضية أخرى في مدريد

ذكرت وكالة الأنباء المغربية نقلا عما أسمته المصادر القضائية أنه تم رسميا إحالة دعوى بتهمة القذف ضد علي لمرابط المتعاون مع الصحيفة الإسبانية "إيل موندو" على محكمة الدرجة الأولى بمدريد رفعها مراسلا الوكالة المغربية بمدريد. ويتابع صحافيا الوكالة منصور المدني وسعيد إدا لحسن، لمرابط بناء على مقاله المنشور بتاريخ 11 مارس/ آذار الماضي في صحيفة "إيل موندو" بعنوان "جيش من المخبرين". وقد نعت لمرابط في هذا المقال الصحافيين بـ "المخبرين" لحساب مصالح الاستخبارات المغربية، "التي كانت على علم قبل الاعتداءات الإرهابية لمدريد بأن ثمة شيئا ما قيد الإعداد ضد إسبانيا أثنار"، وفق مقال علي لمرابط.

ورفع الدعوى الموضوعة في إطار الحق في حفظ الشرف، المحامي خيسوس سانتايلا لوبيز، المعروف بمرافعاته في القضايا المتعلقة بجنح الصحافة، والذي مارس لسنوات وظيفة رئيس القسم القانوني بجمعية الصحافة بمدريد إحدى كبريات النقابات المهنية بأوروبا. ويدفع المحامي سانتايلا في حيثيات الاتهام بكون المتعاون مع "إيل موندو" وجه "اتهامات من دون أي سند، تمثل قذفا خطيرا في حق الصحافيين المغربيين في مقاله المعنون "جيش من المخبرين".

وأضاف المحامي في حيثيات الاتهام "أن القصدية وتأويل المقال المكتوب من قبل علي لمرابط "جيش من المخبرين" لا يهدفان سوى لنشر مزاعم تروم الإثارة... متهما بشكل مجاني ومن دون أي سند مهنيي الوكالة المغربية المعتمدين بمدريد".

وأبرز المحامي خطورة السياق الذي وجهت في إطاره مثل هذه الادعاءات، موضحا أن اختيار تاريخ 11 مارس، اليوم الذي يخلد ذكرى الاعتداءات الإرهابية المأسوية في مدريد، لنشر المقال القذفي أعطى للاتهامات التي وجهها لمرابط صدى لم تكن لتحظى به مطلقا في ظروف مخالفة.

وعزز محامي مراسلي الوكالة المغربية ملف الدعوى بمجموعة مقالات نشرت في وسائل الإعلام الإسبانية أعادت نشر التهم التي وجهها المرابط، وهي التهم التي أولها القراء بطريقة بسيطة: "إن صحافيي وكالة المغرب العربي للأنباء... كانا على علم بأن شيئا ما قيد الإعداد في إسبانيا من شأنه أن يأخذ منحى مأسويا بحدة ما شهدته إسبانيا في مارس 2004" بمدريد. وكشف المحامي سانتايلا عن الكثير من "التناقضات الواردة في تصريحات لمرابط" وعلى الخصوص تلك التي أدلى بها للصحيفة الإلكترونية "بيريوديستا ديجيتال"، والتي أكد فيها أنه "يجهل حتى عدد الصحافيين العاملين في مكتب وكالة الأنباء المغربية بمدريد مقدما بذلك الدليل على افتقاده للدقة والمهنية".

وطالب المحامي سانتايلا المحكمة كجبر للضرر الذي لحق بشرف وسمعة مراسلي الوكالة المغربية، بحمل المتعاون مع "إيل موندو" على الامتناع مستقبلا عن توجيه مثل هذه التلميحات ذات الطابع القذفي، كما طالب المحامي بإنزال غرامة على علي لمرابط مع نشر نص الحكم الذي سيصدر على نفقته في صحيفة "إيل موندو" وفي صحيفتين إسبانيتين أخريين توزعان في كامل التراب الإسباني.

وكان مراسلا وكالة المغرب العربي للأنباء بمدريد قد وجها في 15 مارس الماضي أي أربعة أيام بعد نشر المقال موضوع الدعوى بيان حقيقة لصحيفة "إيل موندو" وعندما رفضت الصحيفة تمكينهما من حق الرد قررا اللجوء إلى القضاء

العدد 960 - الجمعة 22 أبريل 2005م الموافق 13 ربيع الاول 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً