مازلت أذكر مدى انبهاري من "تكنولوجية" مكتبة الجامعة التي أدرس فيها خلال سنتي الدراسية الأولى في نيوزلندا "أو "بقر لاند" كما يحلو للشباب البحريني هنا تسميتها". ربما بدوت كالقروية "المتخرعة"حينها. فممرات المكتبة، إذ الحركة شبه معدومة، مظلمة لحين يسير أحدهم عبرها فتنفتح المصابيح تلقائيا، حتى دورات المياه مبرمجة، وبيني وبين نفسي أقول "واااو شهالكشخة". "لكن تلوموني؟" فليس ذلك بمستبعد عن طالبة لم تعرف غير مكتبات البحرين أيام المدرسة، مكتبات في أقصى تطورها وظفت عددا ضئيلا من الحواسيب المتواضعة للبحث عن كتاب ما.
في أسبوعي الأول، رحت أجرب الشبكة الهائلة التي تمكنك من البحث خلال كل ما تحويه المكتبة في دهاليزها، ومن باب الفضول، بحثت عن كلمة "البحرين"، لم أكن أتوقع الكثير، ولكنني شهقت عندما وجدت في نتائج البحث شريط فيديو يتيم عن البحرين، لم أتمالك نفسي، فاستعرته في اليوم ذاته.
وما أجمل محتواه!
إنه لمن المؤسف أن يعرف الأجانب عن تاريخنا ما لا نعرفه نحن عنه.
الشريط كان ببساطة تقريرا وثائقيا عن التعذيب في البحرين خلال السبعينات والتسعينات. ضم الفيلم عددا من المقابلات مع الضحايا الناجين، وأهالي الضحايا غير الناجين، تضمن التقرير كثيرا مما هو مضلل عندنا في البحرين، حقائق ما تم تزويره، ووقائع مخفية أو مشوهة لا يعلمها إلا من عايشها ومن لم تردعه إنسانيته فكان أحد أدوات التعذيب حينها.
نعم، هو الماضي الأسود الذي لن تنساه عوائل كثيرة، ولكن الكثير على رغم جروحه الدفينة، فتح قلبه متفائلا، آملين بغد أفضل وبعهد عادل يضمن للإنسان الحرية والعدالة. ربما يأتي الغد المأمول ببطء، ولكنه آت لا محالة.
ولكن من الزاوية المقابلة، فإن هذا الماضي، لابد أن تفتح أوراقه أمام الملأ، حتى تتم المصالحة الحق بين الشعب والحكومة. فأقل تكريم لهؤلاء الذين ضحوا من أجل بناء بحرين مشرقة، هو أن يكتب تاريخهم بموضوعية ورصانة، من أجلهم ومن أجلنا، فلنا الحق نحن الجيل القادم أن نعرف مجريات تلك الحقبة، نحن الجيل الذي يغلب عليه التجهيل السياسي والتعتيم التاريخي، وبات من الضروري أن يتولى أحد إمدادنا بمواد تاريخية موثقة حتى تتكون في أذهاننا الصورة كاملة ولا تقتصر فقط على ما انتقته وزارة التربية والتعليم وضمنته في كتب المواد الاجتماعية.
يحضرني الآن الشعور نفسه الذي شعرت به قبل ثلاث سنوات وأنا أتابع الفيلم، شعور غضب وحزن، ليس حزنا على ما عاناه أبناء البحرين وحسب، بل وحزنا على وطني أيضا، حزنت كثيرا ألا تتضمن مكتبة هائلة خلاف هذا الشريط، على رغم واقعيته، فأنا أحب أن يروج لهذا الوطن بالخير، من دون مبالغة أو تزييف. لذلك آمل من الجهات المعنية، كمركز الدراسات والبحوث مثلا، أن يزود المكتبات في أنحاء العالم، وخصوصا الجامعية منها بالإصدارات البحرينية والدراسات والبيانات الحديثة، شريطة أن تكون حيادية وصادقة.
لا أعلم إن كان الخوض في هذه الأمور مازال من المحرمات أم لا. فلحرية الكتابة سقفها عندنا، ولم أتطرق لهكذا موضوعات سابقا، ولم أجرب سابقا أن يتعرض مقال لي للتشذيب لأنني أتجنب درب الزلق بمهارة، فلا أعلم مدى ارتفاع السقف "وشقد أقدر أمد رقبتي"، ولكنني سأعرف قريبا، ومن ثم أختار، هل أبقي رقبة الزرافة أم أكتفي برقبة السلحفاة؟
*طالبة جامعية في نيوزيلندا
العدد 1018 - الأحد 19 يونيو 2005م الموافق 12 جمادى الأولى 1426هـ