نفى الباحث والأكاديمي السعودي سعد الصويان أن تكون الأشعار التي أوردها ابن خلدون في مقدمته تعد مقدمات للشعر النبطي. وقال: "ان الاستثناء الوحيد هو المقطوعة الأخيرة التي تقع في ستة أبيات والتي قد تكون أقرب المقطوعات الى ما نسميه بالشعر النبطي بحكم أنها جاءت من بادية حوران شمال الجزيرة العربية".
جاء ذلك خلال محاضرة الشعر الشعبي التي ألقاها الصويان مساء الثلثاء 21 يونيو/ حزيران الجاري في مركز الفنون، ضمن فعاليات الأيام الثقافية السعودية في البحرين.
ابن المقرب العيوني
وبدأ الصويان محاضرته بقوله: "لم تصلنا أية نماذج شعرية من زمن الدولة العيونية سواء بالفصحى أو العامية عدا ما قاله شعراء متعلمون أمثال علي بن المقرب العيوني. وهو شاعر فصيح ولكن فصاحته ليست فصاحة فطرة وانما هي فصاحة رجل العالم المتبحر في اللغة العربية وعلومها. يقول الباحث علي الخضيري عن ثقافة علي بن المقرب العيوني: "وهو متبحر أيضا في اللغة العربية متمكن من أسرارها ودقائقها كما يبدو ذلك من الاطلاع على أية قصيدة، ولعله قد درس النحو والصرف دراسة مفصلة". وبما أنه لم يصلنا أي موروث نبطي من الدولة العيونية لذلك يصعب علينا البت بصورة جازمة ما ان كانت الفصاحة مستمرة بين البدو في ذلك العهد، ولكن الأقوى أن العامية كانت قد تفشت بين البدو آنذاك، وصار شعراؤهم ينظمون بها. هذا ما توحي به محاولة الخضيري في رد فصاحة شعر ابن المقرب الى كونه متعلما تعليما عاليا مكنه من اجادة الفصحى".
حديث ابن خلدون
وقال الصويان متحدثا عن ابن خلدون وحديثه في مقدمته عن الشعر البدوي أو الحوراني: " ابن خلدون الذي عاصر امارات العقيليين التي قامت في شرق الجزيرة بعد زوال الدولة العيونية أورد في مقدمته عدة أسماء على ما نسميه نحن الآن بالشعر النبطي وذلك في قوله: "وأهل المشرق من العرب يسمون هذا النوع من الشعر بالبدوي والحوراني والقيسي"، فهو لم ينسبه الى معاصريه من العقيليين بل نسبه الى القيسيين الذين جاءوا قبلهم أي الى العيونيين. ومعلوم أن مؤسس الدولة العيونية "عبدالله العيوني" ينتسب الى مدينة العيون بالاحساء وينتمي الى عبدالقيس الربيعية. وفي غياب النماذج الشعرية فان هذه النسبة التي أوردها ابن خلدون ربما تكون دليلا على وجود الشعر النبطي في زمن العيونيين".
نماذج متشابهة
وأضاف: "ونحن لا نجد في المصادر ما نسد به هذه الفجوة الواسعة بين آخر ما وصلنا من نماذج لأشعار البادية الفصيحة وأول ما وصلنا من نماذج الشعر النبطي الا ما ذكره ابن خلدون في مقدمته والذي جاء بصورة مقتضبة وعاجلة. فأورد عينة من القصائد التي نال منها التحريف والتصحيح بحيث لم يعد من السهل قراءتها واقامة وزنها وفهمها والتحقق من لغتها ولغة التلفظ بها لدرجة أن الكثير من المحققين لمقدمة ابن خلدون يقفزون فوق هذه الأشعار لعدم تمكنهم من التعامل معها. والذي دفع علماءنا وكتابنا الى التحمس لهذا الرأي هو ما ذكره ابن خلدون في مقدمته عن الشعر البدوي بوجه عام والشبه الواضح بين النماذج التي أوردها منسوبة لبني هلال وبين الشعر النبطي القديم".
بني هلال
وذاكر الصويان جملة من كلام ابن خلدون عن بني هلال فقال: "في مقدمة الجزء السادس من تاريخه يذكر ابن خلدون تفاصيل كثيرة عن بني هلال فيورد لهم مزيدا من الأشعار ما يؤكد أن حديثه في مقدمته عن شعر البدو في عصره جاء بناء على معايشته لبقايا بادية بني هلال في بلاد المغرب وليس معايشته لبدو الجزيرة العربية بالذات الذين من المرجح أن معرفته بهم آنذاك لم تكن مباشرة. فمعلوم أن بني هلال وبني سليم بدأوا هجرتهم من جزيرة العرب على شكل موجات بشرية منذ نهاية القرن الرابع الهجري وكانت لغتهم فصيحة آنذاك وشعرهم فصيح وبعد مرورهم على العراق والشام واستقرارهم بعض الوقت في مصر اجتازوا الطريق الى المغرب في أواسط المئة الخامسة".
ظلال من الشك
وأضاف: "أي ان ابن خلدون جاء ليكتب عن بني هلال وسليم بعد حوالي مئة عام من تركهم لجزيرة العرب وثلاثمئة عام منذ استقرارهم في المغرب. وفي استخدامه لعبارة "ومن قولهم على لسان" في تقديمه الى القصائد المنسوبة الى شخصيات هلالية قديمة تنصل من نسبة هذه القصائد وايحاء بأن قائليها من المتأخرين منهم. فهي ليست قصائد "سلام" و"ذياب" الهلاليين الذين هاجروا من الجزيرة العربية أنفسهم، وانما من المتأخرين الذين نحلوا هذه القصائد ونسبوها لهم. أي ان هذه القصائد المنحولة التي تحققت نسبتها كلها جاءت في وقت مـتأخر ربما تجاوز مئتي عام من قدوم بني هلال الى المغرب بعد أن اختلفت لهجة الهلاليين في شمال افريقيا عن لهجة أسلافهم في جزيرة العرب بعد أن قطعوا صلاتهم بغرب الجزيرة، وليس هناك ما يشير - ولو من بعيد - الى أن عرب الجزيرة على علم بالمقطوعات الشعرية الهلالية الواردة في المقدمة، وكل ذلك يرمي بظلال من الشك بشأن اعتبار هذه المقطوعات النواة الأولى للشعر النبطي، على خلاف ما يقول الشيخ ابن خميس وأبوعبدالرحمن ابن عقيل وبعض المؤرخين للشعر النبطي".
تختتم غدا "الأحد" فعاليات "الأيام الثقافية السعودية في البحرين" التي بدأت مساء الاثنين 20 يونيو/ حزيران الجاري بمركز الفنون بالتعاون بين ادارة الثقافة والفنون بوزارة الاعلام وسفارة المملكة العربية السعودية. وضمت فعاليات الأيام الثقافية معرضا تشكيليا سعوديا وأمسية شعرية مشتركة للشاعر السعودي علي بن حمري والشاعر البحريني علي عبدالله خليفة، مع محاضرة لسعد الصويان عن الشعر الشعبي
العدد 1023 - الجمعة 24 يونيو 2005م الموافق 17 جمادى الأولى 1426هـ