فيلم "احزر من؟" الذي يعرض حاليا في سينما الدانة يمكن النظر اليه من زاويتين. من جهة فيلم خفيف فكاهي يعتمد السخرية في تصوير تلك العلاقة المتوترة بين أب يحب ابنته ويخاف عليها من صهر يريدها للزواج. ومن جهة هو فيلم من النوع الثقيل الذي تعمد قلب الطاولة على رؤوس العنصريين مستخدما لفتهم في سياق معكوس.
وفي الجهتين الفيلم خفيف وساخر وقصته بسيطة. إلا أن اعتماد المخرج المنطق المعكوس اعطى قوة استثنائية للسيناريو حين اطاح بتلك الانماط الجاهزة عن "السود" و"البيض" وقلبها رأسا على عقب. فالصورة النمطية عن الافارقة "السود" في أميركا تحولت الى صورة نمطية جديدة كسرت قاعدة التعامل المسبق مع الالوان. وكذلك تحولت صورة الأبيض "الانغلوساكسون" الى عكسها.
قوة الفيلم هنا. فهو استخدم الانماط السائدة في التفكير وقام بتفكيكها والسخرية منها من خلال الاستخدام المعكوس لتلك اللغة العنصرية التي تقيم التمييز بين البشر استنادا الى لون البشرة لا روح الإنسان وقيمه واخلاقه.
"احزر من؟" فيلم ضد العنصرية بامتياز. فالمخرج نجح في كسر تلك الانماط المسبقة عن الالوان وتفكيكها وإعادة تركيبها في صورة مقلوبة. فالأبيض في الفيلم هو "أسود" كما رسمتها لغة العنصريين في ذهنية التفكير لدى السواد الأعظم من الناس. والأسود في الفيلم هو "أبيض" وفق تلك الرسومات التي حفرتها كتابات العنصريين على مدى الدهور.
"احزر من؟" هو مفاجأة فعلا وصفعة قوية أطلقها مخرج الفيلم لكسر انف العنصريين وتحطيم ذاك الكبرياء القائم على تصورات وهمية تكرست في قاع ذهن الكثير من الناس.
لم يدخل المخرج في تعقيدات فلسفية أو تاريخية ولم ينزلق نحو محاضرات ايديولوجية ثقيلة الدم بل عمد الى تصوير فيلم بسيط وخفيف وساخر في سياق درامي معكوس قلب فيه المخيلة ووضعها في سياق مختلف عن تلك الصور النمطية السائدة.
بساطة الفيلم ربما تكون مصدر نجاحه لأنه استطاع التقاط تلك المفارقات المرسومة في ذهن المشاهد والتعامل معها بخفة وإعادتها اليه في صورة صادمة لتصوراته الثابتة التي لا تتغير عن الأسود والأبيض. والبساطة في الفيلم كانت نقطة قوة له لأن المخرج لا يريد كسر القاعدة وانما تقديم صورة مغايرة لقناعات راسخة اراد هزها بحياء من الداخل والسخرية منها.
تتحدث قصة الفيلم عن علاقة حب بين فتاة سوداء وشاب أبيض. هذه العلاقة ليست محور القصة بل تلك الحكايات البسيطة التي تحيط بها. الشاب الأبيض جاء من أسرة محطمة، والده ترك أمه حين كان في الثانية من عمره. والدته اعتنت به وشب لا يعرف والده الذي غادر البيت وهو طفل صغير. والشاب الأبيض وبسبب وضعه العائلي المحطم نشأ في جو موبوء فتعلم السكر "الشرب" والاحتيال وتعود على استخدام وسائل غير شريفة للتقدم الاجتماعي وتحقيق طموحاته. وبسبب هذه التركيبة الطامحة فشل الشاب في حياته أو في تعامله مع مسئوليه ولم ينجح في نشاطه العملي. انه باختصار شخص محطم وفاشل وعاطل عن العمل ومفلس.
الفتاة السوداء الجميلة جاءت من أسرة متماسكة وطبقة وسطى ناجحة. فوالدها يعمل في مصرف ومستقيم ولا يقترب من الكحول وشريف ومخلص ويحب زوجته ويتعامل معها بلطف واحترام وتقدير. الأب والأم والابنة من أسرة مثالية ومستقرة وطموحة. فالاخلاق مسألة اساسية عندها والعلم من أهداف الأسرة للتواصل والتقدم الاجتماعي. وبسبب هذه الحال نجح الأب في تربية ابنته وتوفير أفضل الفرص للتعلم في ارقى جامعات نيويورك. كذلك استطاع الأب ان يكتسب سمعة جيدة بين اقرانه وجيرانه ومحيطه الأسري. فهو محط اعجاب وتقدير لما يتميز به من عقلانية وواقعية واخلاق حميدة أعطته كل تلك القدرات الشريفة التي نالت تقدير الجميع وخصوصا رؤساءه.
القصة عادية جدا إلا أن مخرج الفيلم قلبها بقصد كسر تلك الصورة النمطية الكاذبة عن الأبيض والأسود. والقصد من قلب تلك التصورات "الصور النمطية" هي السخرية من العنصريين والشماتة من لغتهم وتحديدا حين رد نكاتهم عليهم... بنكات مضادة.
فكرة المخرج قوية. وقوتها في بساطتها. فالشاب الأبيض هو الفاشل المفلس المحطم وشارب الخمر وجاء من أسرة مدمره غادرها الأب مبكرا. والفتاة السوداء هي الناجحة المرتاحة اجتماعيا "طبقة وسطى" وجاءت من أسرة متماسكة يرعاها الأب بعمله الشريف وسمعته الجيدة واخلاقه الرفيعة. فهو لا يشرب ولا يقامر ويسهر الليالي لتربية أسرته والعناية باولاده... والأهم فهو يحب زوجته ويحترمها ويقدر لها تعبها المنزلي.
القصة إذا مقلوبة فهي تصدم ذاك التيار العنصري الذي يعتمد لغة بذيئة في التعامل مع الالوان ويقرأ البشر من خلال لون البشرة. ولأن المخرج قلب الصورة وتعاطى بسخرية من تلك الانماط من التفكير التي تعتمد التمييز في لغتها وسلوكها نجح الفيلم في توجيه صفعة مستخدمة الفكاهة وسيلة لبهدلة المجموعات العنصرية على انواعها. فالعنصري عنصري في كل الاشكال والالوان والاتجاهات. وجوهر العنصرية هو التمييز بين الاشياء. فهناك التمييز بين الالوان والتمييز بين الطبقات الاجتماعية "فقير، غني" والتمييز بين الاجناس "أوروبي، إفريقي، آسيوي" والتمييز في الجنس "رجل وامرأة" والتمييز في الاديان "مسلم، مسيحي"... الى آخر أنواع التفرقة بين ابناء البشر.
"احزر من؟" يعتمد التمييز والتفرقة ويسخر في الآن من كل أنواع "العنصريات" اللونية والاجتماعية والقومية والجنسية متوخيا في ذلك كسر تلك الصور النمطية الثابتة التي ترسخت في الذهن بفعل تراكم الزمن.
السخرية هي أفضل وسيلة لبهدلة هذه الأنواع المتعددة من "العنصريات". والشماتة "احتقار" هذه الانماط من التفكير كانت من أدوات "احزر من؟" الناجحة في اذلال سياسة التمييز والتفرقة بين البشر.
عنوان الفيلم توخى الذكاء أيضا. فاحزر من؟ كانت مفاجأة للوالد "أب الأسرة" الذي اعتقد ان طالب يد ابنته من السود. فهذه مفاجأة... مفاجأه للأب وأيضا مفاجأة للمشاهد. فالابنة الشاطرة اخفت سر اللون عن والدها. وتركت الأمور تجري على الطبيعة حتى اكتشف والدها ان الشاب المفلس شارب الخمر العاطل عن العمل الذي لا يعرف والده "والأبيض أيضا" يحب ابنته فعلا وليس طامعا بثروتها وموقعها الاجتماعي المميز.
وحين تجري الأمور على طبيعتها بعد عراك بسبب السلوك الاجتماعي والنظرة الى الحياة وقراءة العلاقات من خلال الماضي والحاضر والمستقبل تستوي عقدة الفيلم وتنتهي الى فك عناصرها وصولا الى إعلان الأب قبول زواج ابنته من ذاك المفلس العاطل والمحطم... والأبيض.
نهاية القصة هي رسالة اجتماعية ذكية. فالمخرج اراد ان يقول إنه آن آوان التخلص من تلك الادران العنصرية وتجاوز ثقافة التفرقة والتمييز بسبب اللون أو الموقع الطبقي أو الانتماء الديني. فالإنسان هو الاساس وكل البشر من فروع جاءت من مكان واحد وتفرقت بفعل الزمن والتطور ولابد من ان تلتقي في النهاية. فالاشياء ليست باقية على حالها وكل الأمور قابلة للتطور والتحول والانتقال من نقيض الى آخر.
للأسف هذه الرسالة الاجتماعية "الإنسانية" لن تصل بسهولة. بينها وبين واقع الإنسان الكثير من المحطات لابد ان يتطور نحوها لتجاوز العنصريات في كل اشكالها والوانها. فالعنصرية كالحرباء تتلون في أكثر من مشهد وتتسلل الى ثقافة الإنسان في الكثير من الانماط والصور. فهناك عنصريات تختلط فيها الالوان بالاديان بالمذاهب بالطوائف بالمناطق بالطبقات بالاجناس والاقوام والقبائل. فرنسا مثلا حرمت منذ شهور المحجبات المسلمات من التسجيل في المدارس الرسمية بذريعة الحرص على نقاء العلمانية وصفاء الجمهورية. وفي الأسبوع الماضي منعت محجبة مسلمة من استئجار شقة في فلوريدا واشترط عليها خلع حجابها حتى تقبل بالسكن في المدينة.
اليوم ليس بعيدا عن أمس. ففي الولايات المتحدة مثلا اضطر الرئيس الأميركي ابراهام لينكولن إلى إعلان وثيقة حقوق الإنسان وتحرير العبيد "الافارقة السود" لحاجته اليهم في معركة الفيدراليين "الوحدويين" ضد الكونفدراليين "الانفصاليين" خلال الحرب الأهلية في العام .1860 وبسبب انضمام الافارقة "السود" الى الجيش الفيدرالي نجح لينكولن في ايقاع الهزيمة بخصومه وتغير منذ ذاك الحين تاريخ أميركا. إلا أن صورة أميركا العنصرية لم تتغير في الواقع إذ قتل لينكولن بعد نهاية الحرب واستمر التمييز في التعامل اليومي مع السود.
بعد مئة سنة على مصرع لينكولن اغتيل جون كيندي وجاء نائبه ليندون جونسون ليغرق أميركا في مستنقعات حرب فيتنام. وبسبب حاجته للسود للخدمة كجنود اضطر الى اصدار وثيقة تعطي الافارقة حقوقهم المدنية ومساواتهم بالجنس الأبيض. وحتى الآن وعلى رغم مرور أكثر من 40 سنة لاتزال التفرقة العنصرية موجودة في الحياة اليومية وفي النظرة الى الآخر وفي التعاطي الموضوعي مع الاشياء. فالصور النمطية لم تكسر ولم ينجح الإنسان في التغلب عليها والسيطرة على انفعالاتها والتحكم بتلك الالتواءات التي تصدر عفويا في سلوكيات البشر.
"احزر من؟"، فيلم أميركي بسيط وخفيف حاول ان يوجه رسالة ساخرة يهز فيها تلك العقليات والعنصريات والصور التي استقرت في ذهن المشاهد في أطر ثابتة هي اقرب الى النمط المتوارث الذي يعطل الواقع ويعرقل امكانات تجاوزه... إلا في حالات نادرة كما حصل مع الأب المثالي في تعامله مع صهره الذي انتزع منه اثمن ما يملك: ابنته
العدد 1027 - الثلثاء 28 يونيو 2005م الموافق 21 جمادى الأولى 1426هـ