عالمها كان ظلاما دامسا، أضاءه هو بإشارات من يديه طبعها على كفيها وذراعيها، إذ لم يجد وسيلة غير تلك لايصالها الى عقلها. فتح للنور طريقا في حياتها، وعلمها كيف تصمد وتثابر وتتحدى ما هو أكثر من الصعاب لا لتتفوق... بل لتعيش فقط!
تلك باختصار هي الفكرة الرئيسية في حكاية ميشيل ومعلمها ساهاي، وهي الفكرة التي اعتمدها المخرج أساسا لفيلمه الذي أعطاه أسما مميزا هو Black وهو اسم يشترك مع ملصق الفيلم في تقديم ايحاء للمشاهد بأنه أمام فيلم حركة، عصابات، اثارة، مغامرات، وكل ما يندرج تحت هذه النوعية من الأفلام، لكنه ببساطة ليس هذا أو ذاك بل هو فيلم يحكي قصة انسانية رائعة، تمتزج فيها الدموع ببسمات الانتصار، وتتقاطع فيها خطوط الخيبة مع النجاح، يتناول كاتبها من خلالها قصة فتاة شاءت الأقدار أن تنتزع منها كل قدرة على الاتصال مع العالم لتصبح عاجزة عن أن ترى أو أن تسمع أو أن تتخاطب مع من حولها. في سن العامين تبدأ معاناتها ومعاناة أسرتها تلك، وتبدأ ميشيل حياتها في عالم أسود لا نور فيه ولا أمل، لا أصوات مبشرة ولا حتى قدرة على التعبير عن أي ألم تستشعره تلك الصغيرة.
يبدأ الفيلم بالمشهد الذي تصعق فيه الأم لمعرفتها ما حل بابنتها، لنبدأ بعدها مسيرة شاقة في عالم الظلام مع تلك الصغيرة التي تكبد والديها وأسرتها الأمرين جراء إعاقتها تلك، فهذه الصغيرة التي لا تتصل مع العالم الخارجي عبر أية قناة غير قادرة على حماية نفسها، وليس الأمر كذلك وحسب بل ان عزلتها تلك وعدم قدرة الأسرة على تهذيب طباعها حتى تبدو للمشاهد وكأنها حيوان بري غير مروض، تجعلها مصدر خطر للأسرة إذ تتسبب في حرق جزء من منزل الأسرة مرة، وتوشك ايذاء شقيقتها الصغرى في مرة أخرى، الى جانب كثير من الحوادث المزعجة حينا والمؤلمة حينا آخر التي تتسبب فيها ميشيل.
والطفلة خلال كل ذلك لا تعي شيئا، أو لعل ذلك ما اعتقده والداها، والدتها التي لم تجد سوى الدموع سبيلا للتخفيف مما يعتصر في قلبها، وليس سوى كف حانية تربت بها على خد في محاولة منها لتعويضها عن كثير مما لم تحصل عليه، أما الأب فيبدو متألما لكن بشكل مختلف إذ إنه يقسو على ميشل حينا وتسيل دموعه حينا آخر شفقة على حال هذه الطفلة المبتلاة.
يظل حال الأسرة كذلك حتى تسوق لهم الأقدار معلما للصم والبكم هو برديب ساهاي الذي دفعته معاناته الشخصية أو لعلها معاناة شقيقة له أفقدتها الاعاقة اياه، لأن ينذر نفسه لعالم الصم والبكم، وليصر على مواصلة دربه مع ميشيل على رغم كل الاعاقات والمصاعب وعلى رغم استحالة الأمر مؤمنا ان لا شيء مستحيل وانه يجب أن يكسر كل الحواجز مع هذه الفتاة العاجزة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
هكذا تبدأ رحلة ميشيل نحو النور يستعرضها معنا مخرج الفيلم سانجاي الليلا بانسالي بكثير من التفصيل الذي نستشعر من خلاله صعوبة هذه الرحلة وحلاوة تجاوز العقبات فيها ولذة الانتصار على الظلام في نهايتها، ولنرى كيف تمكن هذا المعلم القوي الارادة من أن يصنع انسانا آخر من ميشيل، ليحولها الى حاولت ان ترد له جميله ذاك في نهاية الفيلم.
قصة فيلم Black مؤثرة بكل ما تحمله الكلمات من معان، ساعد على ابراز قوتها سيناريو قوي كتبه ل من بارغاس كاباديا وباواني اير، وأداء مؤثر قدمه اميتاب باتشان في دور المعلم، وباتشان غني عن التعريف ليس لمحبي الأفلام الهندية فقط بل حتى لأشخاص مثلي تعد مشاهدة هذا الفيلم تجربة شبه جديدة بالنسبة إليهم، جديدة على المستوى الشخصي إذ إنني لا أذكر عدد سنوات عمري حين شاهدت آخر فيلم هندي، لكنها بالتأكيد لم تتجاوز الثامنة، وجديدة أيضا على مستوى الأفلام الهندية التي ما اعتدنا منها هذه الروعة والعمق والواقعية في الأفكار والقصص، والتلقائية في الأداء.
وعودة الى الأداء تتألق الطفلة ايشا كابور في دور الطفلة الصغيرة، مشعثة الشعر، غائرة النظرات، بفمها الفاغر على الدوام ومنظرها الذي يبعث الشفقة بقدر ما يثير الاشمئزاز. الدور حقيقة أصعب من أن تتمكن طفلة في مثل عمر ايشا لا أظنها تتجاوز الاثني عشر عاما، في أن تقدمه بهذه البراعة التي تسيل لها دموعنا في جميع المشاهد.
راني ماكرجي أيضا بدت مميزة الى حد كبير في دور ميشيل الشابة، فقد أشعرت المشاهد أنه أمام شابة تعاني من اعاقة حقيقية، أداؤها تجاوز ما اعتدنا عليه من كثير من الممثلين سواء في السينما الهندية أو سواها، نحن لسنا أمام شابة مغمضة العينين، مائلة الرأس، تتلمس الطريق بعصاها، بل ان ماكرجي عملت على أن تتحرى الدقة في أدائها ذاك وان تهتم بجميع تفاصيل هذا الجسد شبه العاجز، لتتجاوز كل المألوف من الحركات و ليصل الأمر الى الكيفية التي تسير بها مباعدة بين قدميها محنية ظهرها بعض الشيء، ماكرجي تمكنت فعلا من اقناعنا بعجزها السمعي البصري الكلامي.
إخراجيا كان الفيلم مميزا أيضا، تمكن مخرجه من أن ينقل ببراعة بعض الآلام التي تعتصر نفس ميشيل عبر بعض المشاهد، واستطاع ان يجسد تسلل النور الى عقلها، بل وتمكن أيضا من ان يقدم إيحاء بخيبات الأمل التي اصابتها نتيجة بعض الاخفاقات في حياتها وذلك عبر تلاعبه بالاضاءة في بعض هذه المشاهد.
موسيقى الفيلم لم تكن رائعة وحسب، بل انها من ذلك النوع الذي يظل يرافقك أياما تتردد خلالها المعزوفة في عقلك، هي موسيقى رائعة أبدعها أمين نارين وزوهاد خان، وقد جاءت متناسبة وملائمة للتفاصيل الانسانية التي يحفل بها الفيلم.
الفيلم بشكل عام مميز ليس على مستوى السينما الهندية فقط، كما انه قطعا يشكل علامة بارزة يمكن أن تعزز موقع السينما الهندية عالميا، وتغير الفكرة المعتادة عن أفلام هذه السينما
العدد 1027 - الثلثاء 28 يونيو 2005م الموافق 21 جمادى الأولى 1426هـ