يصعب وصف حدث أكثر سخافة منافٍ للعقل، مما حدث في ضواحي بلدة الولجة جنوب القدس. جدّدت إسرائيل مؤخراً عملية بناء جدار الفصل الذي سيترك البلدة محاطة بشكل كامل تقريباً بسياج أو جدار.
في يوم الثلثاء المذكور، وصل ضباط ومسئولون من الجيش الإسرائيلي يعملون في وزارة الدفاع إلى بيت أحمد برغوث، أحد سكان البلدة ليخبروه أن الحاجز سوف يُبنى على أرضه بالقرب من منزله.
كان الحديث عبارة عن حوار طرشان في أفضل الحالات، وجدل بين رجل متهم وقضاته قبل دقائق من الحكم عليه، في أسوأها.
رفض برغوث أن يخبر الضباط أين يريد أن تعاد زراعة أشجار زيتونه التي سرعان ما سيتم اقتلاعها. «لن تنقلوها إلى أي مكان. تستطيعون إتلافها»، قال برغوث. «أنا لا أريد قطع أشجارك. أنا مقدّر لوضعك، أخبرني أين تريد أن ننقلها»، قال الضابط من سلاح الهندسة واسمه روبرت. «لن تقتلع شجرة واحدة. خذ واحدة وسأصبح إرهابياً. سأقتل»، قال برغوث. «الهدف هو بناء سياج وليس سرقة الأشجار»، قال روبرت.
بعد ذلك انتقلت المفاوضات إلى مدفن العائلة، الذي يفترض بالسياج أن يمر في وسطه بشكل يفصل برغوث عن أفراد أسرته الراحلين. «لقد قدّرت وضعك»، قال روبرت. «لقد نقلنا خط سير السياج بحيث لا يتم بناؤه فوق القبر». «أعلم أنك الحاكم وأنك الجيش وأنك السيد، وأطلب منك الرحمة. أريد أن أتمكن من الوصول إلى القبر دون قيود أو معوقات»، قال برغوث. «ما ستحصل عليه هو بوابة في السياج تسمح لك بالمرور إلى القبر»، قال روبرت. «اشرح له أنه ستكون هناك بوابة»، قال روبرت لضابط آخر من الإدارة المدنية اسمه نبيل، طالباً منه أن يترجم. ولكن نبيل، الذي يعلم على الأرجح نتيجة هذه الوعود، قال للضابط «لا تقدم أية وعود».
ليس مسرح السخافة هذا سوى مثال بسيط عن مدى صعوبة حياة السكان الفلسطينيين في الأحياء الواقعة على تخوم مدينة القدس، الذين تم فصلهم عن المدينة بجدار الفصل. يتوجب على إسرائيل إعادة النظر بضرورة جدار الفصل وتقييم الفوائد التي يمثّلها مقارنة بالأذى والضرر الذي يتسبب بهما للفلسطينيين، وعلاقاتهم مع السلطات الإسرائيلية.
يستطيع سكان الولجة الذهاب لرؤية شكل مستقبلهم (بشرط أن يتم السماح لهم بعبور الحاجز) في شمال القدس وفي قرية عقب ضاحية شالوم، وفي أماكن أخرى تم فصلها بشكل مصطنع عن المدينة باستخدام الحاجز. جعل الحاجز الحياة في هذه الأماكن مستحيلة. نتيجة للاتفاقيات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، لا يحق للسلطة تقديم الخدمات في هذه الأحياء، ولكن نتيجة للمخاوف الأمنية، لا تتوافر هذه الخدمات في تلك الأحياء وراء الحاجز. أوجد ذلك مساحات تفتقر إلى حكم القانون، حيث تداعت البنية الأساسية وتدهور الأمن المدني والعام.
يناقش أنصار الحاجز، في وجه الأذى المستمر لحياة عشرات الآلاف من السكان، أنه منع دخول المفجّرين الانتحاريين إلى إسرائيل في السنوات الأخيرة. يصعب الحوار مع الادعاء بأن الحاجز كان فاعلاً إلى حد ما في مواجهة الإرهاب. ولكن من المستحيل الجدل مع الادعاء بأن الحاجز ليس هو السبب الرئيسي في انخفاض الهجمات. واقع الأمر أن مفجراً انتحارياً واحداً لم يعبر إلى إسرائيل خلال السنوات الأربع الماضية من الولجة، حيث لا يوجد جدار. إلا أن جدار الفصل سوف يتسبب بالتأكيد بضرر خطير على حياة السكان وسوف يدفعهم نحو الفقر، وربما يؤدي إلى دفعهم نحو الأصولية السياسية.
يبدو أنه عندما يعود الأمر إلى الحاجز، تعمل الحكومة الإسرائيلية على «الطيار الآلي»، دون التوقّف لدراسة فوائده والضرر الذي يتسبب به، ودون أخذ الوقت اللازم لتقييم خط سيره، الذي تقرر قبل أربع سنوات من وصول الجرّافات إلى الموقع.
تشكَّل تحالف فريد منذ بداية العمل لمعارضة بناء الجدار في هذه المنطقة. انضمت إلى السكان الفلسطينيين جماعات بيئية انزعجت من الضرر الفادح الذي سيتسبب به الجدار للمنظر الطبيعي للأرض، وشركة تطوير عقارية إسرائيلية تملك أراضي في المنطقة حيث تخطط لبناء مستوطنة جديدة وتشعر أن الجدار ربما يُفشِل خططها، إضافة إلى مجموعة من المستوطنين من غوش إتزيون يحتجّون على الضرر غير المنطقي الذي سيوقعه الجدار على جيرانهم في بلدة الولجة. رفعت جميع هذه المجموعات أصواتها احتجاجاً على الجدار. وقد رفع الفلسطينيون وجمعية الحفاظ على البيئة، وهي أكبر منظمة بيئية في إسرائيل، الأمر إلى المحكمة العليا. نأمل الآن أن تقرر المحكمة التدخل لإيقاف الجرافات.
انتهى الحوار مع برغوث في اليوم نفسه في نهاية شهر مايو/ أيار بوعد من أحد مسئولي وزارة الدفاع للطلب من الجيش أخذ طلبات برغوث بعين الاعتبار فيما يتعلق بالمدافن والأشجار. «لا تصدروا حكم الإعدام بعد»، قال برغوث. بعد أسبوعين، جاءت الجرافات وبدأت باقتلاع الأشجار.
العدد 2912 - الخميس 26 أغسطس 2010م الموافق 16 رمضان 1431هـ