الوسط - عباس بوصفوان، حسين خلف
قال رئيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي إبراهيم شريف إنه لن يجري تغييرات عميقة شبيهة بتلك التي أحدثها رئيس الوزراء البريطاني في توجهات حزب العمال الذي يتزعمه، موضحا أن الجمعية التي يترأسها منذ مارس/ أذار الماضي، خلفا للزعيم التاريخي للجبهة الشعبية عبدالرحمن النعيمي، تشتغل وفق أسس مؤسساتية تقلص دور الفرد.
وأقر شريف بوجود إشكال يواجه ما سماها التيارات العلمانية في ظل ارتفاع معدل عمر منتسبيها، والصعوبات التي تواجهها في استقطاب الشباب، على رغم حاجة البلد إلى تيار يجمع الطائفتين، وفشل التيارات الدينية في عملها السياسي، مقارنة بنجاحها في العمل الخيري، كما قال.
وهنا الحلقة الأولى من الحوار.
يتردد أنه لم يتغير شيء في جمعية العمل الوطني الديمقراطي. تغيرت الواجهة، ولكن سيظل الزعيم التاريخي لتيار الجبهة الشعبية عبدالرحمن النعيمي مسيطرا على تلابيب الأمور، وربما يكون إبراهيم شريف حذرا في اظهار التمرد على أبيه الروحي؟
- الأحزاب السياسية لا تتغير سياساتها بتغير الأفراد بالضرورة، هناك استمرارية لعملنا السياسي، وعبدالرحمن النعيمي رجل له وضع متميز في الجمعية، لأنه مناضل سياسي منذ 45 عاما، والناس لديها ثقة فيه، إضافة إلى استقامته ونزاهته. من الصعب جدا الاستغناء عن النعيمي، وحتى مع وجوده اليوم خارج مجلس الإدارة فإننا حريصون على استخدام قدراته في تقوية نضالنا السياسي، فهو تقاعد من مجلس الإدارة ولكنه لم يتقاعد من العمل السياسي، ولديه الكثير ليقدمه، ما حدث هو انتقال الرئاسة من شخص لآخر.
ما مغزى هذا الانتقال؟
- الانتقال نتيجة لإصرار النعيمي، إذ كانت قناعة غالبية كوادرنا أن يستمر النعيمي في مجلس الإدارة، إذ إنه أنشط شخص في الجمعية، وليس فقط أكثرهم خبرة، سنه الآن في بداية الستينات ولكن ذلك لم يمنعه عن النشاط.
ماذا يعني وصول إبراهيم شريف، هل نتوقع تغييرا شبيها بما أحدثه طوني بلير في حزب العمال البريطاني، أو مثلما يحدثه تولي أي شاب آخر منصبا رئاسيا، أم ستظل كما تقول محافظا على السياسات القائمة؟
- " يضحك" دعنا نقول إن طوني بلير غير توجه حزب العمال، من توجه اشتراكي واضح إلى توجه خليط من الرأسمالية والاشتراكية. التغيير الذي يحدث في جمعية العمل ليس من هذا النوع، أولا نحن عمل مؤسسي مستمر، فعدد كبير من مجلس الإدارة الحالي كان موجودا في مجلس الإدارة السابق، ليست هناك أفكار جديدة لدى إبراهيم شريف مختلفة جذريا عما يطرحه عبدالرحمن النعيمي، ونحن في النهاية مؤسسة وإبراهيم شريف أصبح في مؤسسة من خمسين شخصا. فبالإضافة إلى 12 عضوا في مجلس الإدارة، فإننا انتخبنا 38 شخصا لعضوية الهيئة المركزية للجمعية، التي تشارك في أخذ القرارات الاستراتيجية، بينما يتولى مجلس إدارة الجمعية المهمات السياسية والادارية والتنظيمية اليومية، هذا التشكيل يعتبر مرحلة انتقالية إلى العمل الحزبي، وبالتالي نحن مؤسسة أكثر مما كنا عليه، ودور الفرد فيها مهم، ولكن إذا استطعت أن تخلق مؤسسة قوية جدا، فإن دور الفرد سيكون محدودا فيها. نعم كل رئيس جديد تكون له بصماته المختلفة لأنه شخصيته مختلفة عن سابقه، وطبيعة الأمور التي يركز عليها، نحن نتكلم عن لمسات في إطار السياسة العامة، مؤتمرنا العام لم يقرر اتخاذ سياسات جديدة، السياسات نفسها استمر عليها مؤتمرنا العام.
ماذا كانت أهم اولوياتك بتسلمك الرئاسة؟
- لدينا أولويات سياسية وأخرى تنظيمية، فيما يتعلق بالعمل التنظيمي نحن انتقلنا من آلية اتخاذ القرار في مجلس الإدارة، إلى اتخاذه من قبل الهيئة المركزية التي تضم مع عدد اعضاء الإدارة خمسين شخصا.
تقصد الهيئة التي يترأسها عبدالرحمن النعيمي؟
- لا، فعبدالرحمن هو عضو في الهيئة المركزية ورئيسها، وهو ليس صاحب قرار بل هو رئيس مكتب إدارة الهيئة المركزية، وهذا المكتب ذو طابع تنظيمي، والقرار يتخذ من قبل الهيئة المركزية في القضايا الاستراتيجية، بينما قرارات المهمات اليومية متروكة لمجلس الإدارة.
ما الأولويات الأخرى، وخصوصا في ضوء قلة عدد الأعضاء، وارتفاع معدل أعمار أعضاء الجمعية، فالمعدل خمسيني، والانتخابات الأخيرة أفرزت مجلس إدارة عن طريق التزكية، ما خططك لضخ دماء جديدة داخل الجمعية، أم ستقول ان كل شيء ممتاز ورائع؟
- الوضع الداخلي فيما يتعلق بالتمسك هو وضع جيد، ولكن ما يقلقنا وكل التيارات العلمانية، هو أن غالبية كوادرها وصلت للأربعين من العمر أو أكثر، وقليل من كوادرنا هي في العشرينات من العمر، وهذه مشكلة عويصة، نحن في حاجة للوصول إلى قطاع أكبر من الشباب، وحتى المرأة، مع ان لدينا تمثيلا جيدا في الجمعية، حوالي ربع الأعضاء من النساء، ولكننا لا نجد لهن دورا كافيا في الجمعية، نتيجة لارتباطهن بمهمات منزلية، لدينا مهمة استقطاب الشباب وتمكينهم، عبر وضعهم على ما يسمى الخط السريع للنمو ككادر سياسي.
ما الآليات الأخرى لذلك، غير أبناء أعضاء الجمعية، هل ستتعاطى وتحدث ثورة على صعيد الفكر الذي تتبناه، هل ستراجع أفكارك ومتبنياتك، أم ستظل ترفع شعار ما يسمى تعويم الآيدلوجيا، وهو هروب من مناقشة الفكر الذي تتبناه؟
- أنت تطرح أكثر من سؤال، أحدها أنه هل للآيدلوجيا علاقة بمسألة الاستقطاب؟ أعتقد أننا طرحنا ما يسمى تجاوزا تعويم الآيدلوجيا، وليس معنى هذا أن جمعية العمل الوطني ليس لها آيدلوجيا، دعنا نفقه معنى كلمة آيدلوجيا، إذ يمكنك وضع هذه الكلمة في قوالب جامدة، إسلامية شيعية، سلفية، اخوان مسلمين، ماركسي سوفياتي أو صيني، أو على طريقة جيفارا عبر حرب العصابات، أو بعثي، ناصري، هذه كلها قوالب جاهزة وبسيطة. لكنك حين تدخل في كل واحد منها ستجد أن الناصريين عدة أحزاب في مصر، وأن البعثيين أحزابا يتقاتلون فيما بينهم، والاسلاميون كذلك، إذ هذا القالب الآيدلوجي الذي يبدوا بسيطا هو ليس كذلك، بل هناك فرق كثيرة في داخله، نحن في مراجعة فكرية منذ الثمانينات، نبحث عن الفكر السياسي السليم لكي نتبناه، ووصلنا مع نهاية التسعينات إلى أنه ليس مطلوبا أن يكون للحزب السياسي أحد هذه القوالب الجامدة التي تحدثت عنها. حزب العمل البريطاني اليوم ليس له آيدلوجيا جامدة إنه حزب اشتراكي بشكله العام، لكن ليس قالبا جامدا، هذه الاحزاب ناجحة في بلدانها على رغم عدم وجود هذا القالب الآيدلوجي. نحن نقول إننا مجموعة من الناس انتموا لتنظيم سياسي ضمن برنامج سياسي محدد، وهذا التنظيم السياسي مكوناته هي مكونات المجتمع الأساسية، فهو التيار الليبرالي، وهو التيار الاسلامي المستنير، وهو التيار القومي، وهو التيار الماركسي، كل هؤلاء اجتمعوا على برنامج مشترك، وأسسوا جمعية العمل. فبالنسبة لنا الايديولوجيا عومت من ناحية الأصول، ولكن ليس صحيحا أن جمعية ليس لها مواقف، نحن لا نتكلم عن تعويم الايديولوجيا من ناحية تعويم المواقف، نحن موقفنا واضح من قضية دعم الفقراء في المجتمع، وهذا موقف يجعلنا قريبين من التفكير الاشتراكي، ولدينا موقف واضح من قضية الحريات العامة والخاصة، وهذا موقف يجعلنا قريبين من التفكير الليبرالي، ولدينا موقف واضح من الهموم القومية العربية، وهذا يقربنا من التفكير القومي.
إذا ما الذي يجعلكم لا تستقطبون الشباب؟
- لنرجع قليلا إلى الوراء، ففي السبعينات كنا أكبر تيار سياسي في البحرين. الجبهة الشعبية وجبهة التحرير كانا أكبر تيارين سياسيين في البحرين، إذ كانا يسيطران على الشارع السني بنسبة 100 في المئة، ويقتسمان الشارع الشيعي مع الكتلة الدينية. وتغير الوضع في البحرين وفي عموم العالم العربي خلال السبعينات والثمانينات والتسعينات، إذ حدث نمو كبير للتيار الإسلامي، وحدث في الوقت ذاته ضغط كبير ضد الحركة اليسارية، وتم ضربها مع الحركة القومية ضربة قاصمة. إن الحركة الإسلامية لديها مواقع قوة كبيرة لتنمية كوادرها، والحركة اليسارية كان موقعها الأساسي في الحركة الطلابية، وهذا الموقع تم تجفيف منابعه في السبعينات من خلال تقليل البعثات من جانب، ومن خلال اعتقال الطلاب وسحب الجوازات، ففي تلك الفترة ضرب التيار اليساري ونما التيار الديني الذي يحوز مواقع للتنظيم ليست موجودة الآن لدى التيار اليساري. هذه الفترة منذ السبعينات إلى 2001 أحدثت فجوة، وكانت هناك المشكلة هي أن الكادر المؤهل لقيادة التنظيم هو في الاربعينات من العمر، والناس لا يمكن تنظيمها بشكل عام إلا في فترة المراهقة إلى سن الشباب، أي بين سن الـ 14 عاما وسن الجامعة 22 عاما، وبعدها يصير من الصعب تنظيم أناس يحملون طريقة تفكيرك ويعيشون فيها، وإذا لاحظت فحتى أسامة بن لادن قال إنه سينظم الشباب البالغ من العمر 15 عاما و16 عاما إننا في التيار العلماني فقدنا التواصل بسبب الخمسة وعشرين سنة الضائعة، مع الجيل الشاب.
تقصد ان هذا حدث ليس بسبب انكم حزب مبني على الماضي، أو على معطياته؟
- نحن نعتقد أن هذا حدث بسبب الفجوة التنظيمية، ولعدم وجود مواقع.
ما آلياتكم للاستقطاب؟
- أول شيء إن هناك أحزابا أساسية جديدة في البحرين، كانت في أساسها جمعيات دينية. وبحسب ما أراه من التجربة البرلمانية الحالية، فإن هذه الأحزاب أثبتت فشلا سياسيا، ليس فشيلا ذريعا ولكنها ليست ناجحة، لأنها لم تأت للعمل السياسي بخلفية سياسية، بل أتت على خلفية عمل ديني وخيري. هذه التيارات دخلت البرلمان ولم يحس الناس أنها تستطيع مقارعة السلطة، وذلك لأنهم لم يقارعوها طوال الثلاثة عقود الماضية، وبالتالي لم يستطيعوا أن يكونوا ممثلين للشعب ويحاسبوا الحكومة، بل ظلوا على المنوال نفسه من التعاون مع السلطة التنفيذية، وتجنب المصادمة معها، مع ان التعريف يقول إن من هو خارج السلطة معارضة، ومن هو داخل الحكومة فهو موالاة، وهؤلاء خارج السلطة لكنهم ليسوا معارضة، وهذه معادلة غريبة موجودة في الساحة. التيارات الدينية السنية التي دخلت البرلمان، هم خارج السلطة لكنهم ليسوا معارضين، وهذا الشكل يخلق فراغا لا يستطيع أن يملأه أحد بفكر متطرف أو متحجر.
يفترض أن يعطيكم هذا فرصة للاستقطاب؟
- نحن نتكلم عن الفرص، وهي موجودة للاستقطاب بالنسبة للشارع السني، بينما الشارع الآخر وهو الشارع الشيعي في البحرين، هو شارع يشعر بالغبن وبالظلم، وبالتالي وجودنا بالقرب من هذا الشارع يكسر الحاجز الذي كان موجودا بيننا وبين كثير من الناس الذين كانوا يعتقدون أو يتوهمون بأننا تيار ضد الدين، ونحن أثبتنا في كل ما نطرحه أننا لسنا ضد الدين، بل نعتقد ان الدين عنصر مهم من عناصر هذا المجتمع. واليوم لدينا سيدة محجبة في مجلس إدارة العمل الوطني، ولدينا الكثير من المتدينيين داخل الجمعية، لكنهم متدينون متنورون وليسوا من الذين يريدون دولة دينية في البحرين، أو يريدون الحكم كاملا للشريعة الاسلامية، نحن أوصلنا الرسالة للناس، لكن ليس بالضرورة أن تصل هذه الرسالة لهم في الوقت الذي نريده.
يفهم من كلامك بأنك ترى فرصكم موجودة في الشارع السني بشكل أكبر؟
- لا، بل فرصنا موجودة في الشارع البحريني، أعتقد أن هناك شارعا في البحرين يريد أن يرى نفسه شارعا واحدا، هناك ميول طائفية واضحة وبارزة لدى ابناء الطائفتين، لكن هناك من يعتقد أنه مظلوم وهو الوحيد في ذلك، بينما هذا ليس صحيحا، بل هو مظلوم أكثر من غيره، لكن هناك مظلومين غيره. وهناك من يعتقد أن الآخر المظلوم لو أخذ حقه فإنه سيخسر حقه، وهذا ليس صحيحا، لأن واقع الحال أن ما يوزع هو الشيء البسيط، وما يؤخذ خارج الطائفتين هو الشيء الأكبر. والمطلوب ليس أن يأخذ الشيعة من حق السنة، ولا يحتاج أن يدافع السني عن حقه أمام الشيعي، ما هو مطلوب هو أن يتم الأخذ مما يأخذه الآخرون، ممن يسرقون المال العام والأراضي، ويأخذون العمولات إلخ. عدم الثقة الموجودة الآن بين الشارعين ليست وضعا طبيعيا، وهناك مجال على المدى البعيد وحاجة لدى المجتمع إلى تيار يجمع الطائفتين، ونحن نحاول أن نكون أحد التيارات التي تقول إن هناك حقوقا مشروعة لدى الشيعة في هذا البلد، و لدى السنة هناك خوف مشروع جزئيا من الفقدان، ودورنا كتنظيم سياسي هو أن نثبت للناس أن ما سيأخذه الشيعة لن يأتي من الطرف السني، بل سيأتي فعليا ممن يأخذ من الطرفين. هناك حاجة إلى تيار سياسي أو أكثر ليملأ هذا الفراغ ويجمع بين الطائفتين في تنظيم سياسي واحد، كل التيارات السياسية الناجحة شعبية حتى الآن، هي ناجحة وسط طائفة واحدة فقط، أنا لا أقول إن هذه التيارات طائفية، لكنها ناجحة وسط طائفة واحدة فقط.
نفهم أنك تشعر أن الأفق ليس إيجابيا بالنسبة لكم؟
- أقول اننا نلمس حاجة لدى المجتمع في وجود تنظيم سياسي يمثل الطائفتين.
لديكم فروع للجمعية، في المحافظة الوسطى، وفي المحرق، ولديكم موقع على الانترنت، وهناك استمرارية لنشر مجلة "الديمقراطية"، ولفعاليتكم مساء الأربعاء، ولكن لستم قادرين على إيصال عضو بلدي واحد، أو عضو واحد في البرلمان، دون مساعدة من رفاقكم في التحالف، أو بالأحرى الوفاق؟
- هذه ليست فقط معضلة جمعية العمل الوطني. في الانتخابات البلدية الماضية كانت اللوائح الدينية اكتسحت جميع القوائم الأخرى، لكني أعتقد أن الوضع في البحرين في طريقه للتغير، ولن يستمر على الوضع الحالي، لأن هناك فشلا لدى بعض التنظيمات السياسية الدينية التي أوصلت مترشحيها للمجالس البلدية. تحليلي للوضع اننا بدأنا نخرج من مرحلة كان التركيز فيها على الدين، وهل يذهب المترشح للمسجد أم لا، إلى مرحلة ينتقل فيها الناس إلى النظر، عمن سيذهب إلى المؤسسة ويخدم مصالحهم. وأعتقد أن هذا التحول سيكون تدريجيا، لكنه يبدو ملموسا، نحن مثلا نذهب كثيرا إلى مجالس المحرق، ونرى أن عددا كبيرا من الأفراد ينتقدون أداء التيارات الدينية التي فازت بمقاعد المحرق، لم نكن نسمع مثل هذا الصوت قبل ثلاث سنوات، لكن بإمكانك الآن أن تنتقد بسهولة، ولا يحاسبك أحد، ويقول لك هل تذهب لصلاة الفجر أم لا.
هل أنتم بديل. الناخب سيختار دينيا آخر إذا فشل الديني الراهن؟
- قد يختار دينيا آخر، وقد يختارنا. هذا له علاقة بحجم عملنا الشعبي وسط الناس، وعملنا الشعبي حتى الآن ليس كافيا لأن يجعلنا نصل إلى غالبية الناس، وهذا القصور سببه فجوة الأجيال، ليس لدينا كادر شاب في هذه المناطق يستطيع أن يستقطب عناصر
العدد 1046 - الأحد 17 يوليو 2005م الموافق 10 جمادى الآخرة 1426هـ