على رغم أن فصول القضية وكل ما نشر عنها في وسائل الإعلام الألمانية، يكشف بما لا داعي للشك أن خالد المصري اختطف من قبل عملاء وكالة الاستخبارات الأميركية، السي آي إيه، ونقل واحتجزت حريته في سجن بأفغانستان، ومنع من الاستعانة بمحام كما حرم من كل فرصة للدفاع عن نفسه وإثبات براءته. القضية محرجة للإدارة الأميركية التي منحت السي آي إيه الضوء الأخضر لخطف مواطنين عرب تتهمهم الولايات المتحدة بممارسة الإرهاب ضاربة بعرض الحائط القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية. إن كان في السويد أو ألمانيا، في إسبانيا أو إيطاليا، تجرى عمليات خطف مواطنين عرب يحملون جنسيات أوروبية ويتم نقلهم إلى معتقلات في أفغانستان أو غوانتنامو. كما قضية خالد المصري محرجة للحكومة الألمانية التي تلتزم الصمت وتمتنع عن تأنيب الولايات المتحدة وموقفها لا يختلف عن مواقف حكومات أوروبية أخرى. غير أن الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي تريد الآن إثارة القضية على أعلى المستويات وتدرس سبل مضادة يمكن أن تقوم بها المفوضية الأوروبية والاتحاد الأوروبي لوقف حملات خطف مواطنين من أراضيها.
على مدى سنوات، وقف الأوروبيون موقف المتفرج على خرق فاضح لحقوق الإنسان. وكانت ولاتزال طائرة "غلف ستريم" التابعة للسي آي إيه تحط وتنطلق في مطارات أوروبية وآسيوية وعربية وعلى متنها طاقم من المسلحين الملثمين الذين ينفذون عمليات خطف مواطنين عرب، بغض النظر عما كانوا إذا يحملون جنسيات أوروبية، من دول مثل ألمانيا والسويد وإيطاليا إلى أفغانستان وغيرها. ويقول رئيس الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي مارتن شولتس: غير مقبول السكوت على عمليات خطف مواطنين أوروبيين والتحقيق معهم من دون حصولهم على حق الدفاع القانوني.
وكانت قضية خطف المواطن الألماني من أصل لبناني خالد المصري قد فجرت مناقشات ساخنة بشأن سلوك السي آي إيه في أوروبا. واهتمت وسائل الإعلام الألمانية بقصته ونشرت تفاصيلها ووجهت أصابع الاتهام للولايات المتحدة وللحكومات الأوروبية التي لا تتجرأ على تعنيف القوة العظمى.
في نهاية العام 2003 أوقف خالد المصري في مقدونيا ونقلته وحدة كوماندوز أميركية إلى أفغانستان، إذ احتجز في سجن بالقرب من كابول يحمل اسم رمزي Salt Pit خضع خلالها للاستجواب وعومل كإرهابي. ثم تبين للأميركيين أنهم ألقوا القبض على شخص بريء. وفقا لما أكدته مصادر أمنية أميركية طلبت مستشارة البيت الأبيض للأمن القومي كوندليزا رايس في ذلك الوقت وجورج تينيت مدير السي آي إيه الإفراج عن خالد بعد اطلاعهما على ملفه. على رغم ذلك أمضى خالد ستة أسابيع قيد الاحتجاز قبل أن ينقله الأميركان إلى مكان ناء على الحدود المقدونية الألبانية.
يصف أحد كبار المستشارين القانونيين السابقين في السي آي إيه، جيفري سميث قضية خالد المصري بأنها فضيحة وقال: ليس من حق الولايات المتحدة استنادا إلى القانون الأميركي أو الدولي خطف واحتجاز حرية أحد ليوم واحد من دون محاكمة. كما ليس من حقنا حجز حرية أحد نعرف أنه بريء.
احتاج الأميركيون لأيام قليلة للتأكد من هوية خالد المصري وليس عدة أشهر. هذا ما ذكره محاميه مانفرد جنجديتش. وكون اسم رايس وتينيت ورد الآن في القضية يرى المحامي أن المسألة لها بعد آخر، ولذلك يسعى خالد المصري مع محاميه لمطالبة الإدارة الأميركية بتعويضات. وقال جنجديتش: المؤكد أن خالد تعرض للخطف واحتجز طيلة نصف عام في أفغانستان. وهو يستحق الحصول على تعويضات نتيجة معاناته كما يستحق الحصول على اعتذار من الولايات المتحدة.
في أوروبا وحدها هناك أربع حالات خطف تعرض لها مواطنون من أصل عربي على أيدي كوماندوز أميركي. إلى جانب خالد المصري هناك إمام اسمه أبوعمر اختطف في ميلانو وكذلك مواطنان مصريان كانا يعيشان كلاجئين سياسيين في ستوكهولم.
وفقا لمعلومات وثائق تحدث عنها برنامج "فرونتال 21" المختص بنشر قضايا فاضحة ونقلا عن محاضر تحقيق أعدتها أجهزة الأمن السويدية، تم الاتفاق مع السي آي إيه على خطف اللاجئين المصريين في مدينة ستوكهولم وتم وضع خطة لنقلهما إلى طائرة "غلف ستريم" التي حطت سرا وكانت جاثمة على أرض مطار بروما. حصل هذا في نهاية العام .2001 كانت الخطة أن ينقل المصريان من السويد إلى مصر. لكن الأمور سارت في اتجاه آخر. في تقرير له يشير رئيس شرطة الأمن السويدية، كيف ترجل رجال كوماندوز ملثمون من طائرة "غلف ستريم" وقال إن رجال الأمن السويديين اندهشوا لهذا المشهد وكانت هذه واحدة من العمليات التي دأب الأميركان على القيام بها وظهر واضحا أن أعضاء الوحدة لديهم خبرة كافية للقيام بأعمال خطف من هذا النوع. حين أحضروا المصريين إلى الطائرة كان واضحا أنهما تعرضا إلى الضرب وكانت ملابسهما ممزقة وغطي رأساهما بقبعتين من الصوف ولم يعرفا ماذا كان يجري حولهما.
تتطابق أقوال المسئول الأمني السويدي مع الأقوال التي قدمها خالد المصري بشأن تفاصيل عملية الخطف التي تعرض لها بعد نقله إلى سكوبيي عاصمة مقدونيا. وجاء في تقرير رئيس شرطة الأمن السويدية أن السويد قبلت العرض الأميركي بنقل المصريين إلى بلدهما الأصلي لسبب واحد وهو أن الأميركيين جهزوا طائرة سريعة مسموح لها التنقل داخل أجواء أوروبا لتنفيذ عملية خطف وتسليم اللاجئين المصريين للسلطات المصرية.
تكشف هذه المعلومات أن السي آي إيه تملك حرية مطلقة في التصرف وبعلم وتعاون مع دول أوروبية كما تكشف عملية خطف اللاجئين المصريين في ستوكهولم على رغم أن السويد منحتهما حق اللجوء السياسي وكان بوسعها محاكمتهما على أرضها لو أنهما خرقا قوانينها. وفقا لمعلومات مؤكدة فإن السي آي إيه تملك أكثر من طائرة تعمل في مهمات مريبة تحط بحرية وتقلع بحرية في مطارات أوروبا. في ألمانيا وحدها حطت طائرات السي آي إيه 80 مرة في مطار رامشتاين الأميركي العسكري القريب من مطار فرانكفورت الدولي، خلال عامين ونصف العام. في حال ثبوت التهم بأن السي آي إيه تخرق القانون الدولي من خلال أعمال الخطف المريبة التي تنشط بها منذ وقت فإن استخدامها مطارات أوروبية يعرض الدول الأوروبية للمسائلة وربما المحاكمة.
هذا ما يؤكده أيضا أستاذ القانون الدولي في جامعة ميونيخ غيرغ نولته. هناك تكهنات بأن الحكومة الألمانية تحاول طمس قضية خالد المصري والحيلولة دون قيام المدعي العام في مدينة ميونيخ برفع دعوى ضد الولايات المتحدة، ما سيؤدي إلى خلاف جديد بين برلين وواشنطن. لكن الحكومة الألمانية تعمل وراء الكواليس للحصول على تعهد أميركي بعدم تكرار هذه العملية على أرضها. لذلك فإن ضغط الحكومة على القضاء واضح لأن المدعي العام في ميونيخ يتحدث عن متهم مجهول! بينما وسائل الإعلام الألمانية أشارت بوضوح إلى الجهة المسئولة عن خطف خالد المصري وحجز حريته نصف عام في أفغانستان: الولايات المتحدة.
مما لا شك فيه أن الأوروبيين يشعرون بخوف شديد من ظهور خلاف جديد مع واشنطن. وهذا ما عبر عنه تصريح أدلى به المتحدث الرسمي باسم الحكومة الألمانية بيلا أندا الذي قال ردا على سؤال عما يمكن الحكومة الألمانية عمله للحيلولة دون تكرار أعمال الخطف في ألمانيا وأوروبا في المستقبل: لاتزال التحقيقات التي يقوم بها المدعي العام في ميونيخ جارية ولذلك نمتنع عن التعليق. حتى المتحدث الرسمي يخشى التصريح بكلمة واحدة تثير غضب الأميركيين على رغم أنه من واجب الدولة أن تحمي مواطنيها. على العكس من الموقف الألماني المثير للجدل فإن النقاش يزداد حدة داخل البرلمان الأوروبي الذي يعير أهمية أكبر لهذه القضية. ففي نهاية الأمر تكشف جوانبها عن خرق خطير للقوانين الأساسية في الاتحاد الأوروبي وفقا لرأي شولتس الذي قال: إننا ندرس حاليا السبل الكفيلة بعرض القضية للنقاش داخل المفوضية الأوروبية وعرضها على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وكلما زاد الاعتقاد بأن الولايات المتحدة خرقت القوانين الأوروبية فإنه ينبغي وضع إجابة على السؤال: كيف يمكن لأوروبا حماية مواطنيها من خطر جهاز استخبارات دولة صديقة؟
بينما طائرات السي آي إيه تحط وتقلع بحرية في مطارات أوروبا فإن حكومة برلين تحتمي بوكلاء النيابة الذين يشك المرء بنواياهم في الكشف عن الجهة الفاعلة ومقاضاتها. لكن ينقص وكلاء النيابة دعم سياسي. بينما لا ينتظر أن يحصلوا على هذا الدعم السياسي من الحكومة الألمانية فإن المؤشرات توضح أنه سيأتي قريبا من طرف البرلمان الأوروبي
العدد 1050 - الخميس 21 يوليو 2005م الموافق 14 جمادى الآخرة 1426هـ