العدد 2420 - الثلثاء 21 أبريل 2009م الموافق 25 ربيع الثاني 1430هـ

«تحديات المال البشري»... مؤشر المساهمة في العملية التعليمية

في الحلقة الأخيرة من تقرير مؤسسة محمد بن راشد...

في التقرير الذي أصدرته مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، «تحديات رأس المال البشري في العالم العربي»، بالتعاون مع وحدة المعلومات والاستراتيجيات بمؤسسة «برايس ووتر هاوس كوبرز»، يكشف مؤشر المساهمة في العملية التعليمية، عن رغبة كبيرة لدى القطاع الخاص في التعاون وتطوير النظام التعليمي في المنطقة الغربية، إذا ما أتيحت له الفرصة لتحقيق تلك الرغبة.

وأعرب 68 في المئة من قادة الأعمال عن اعتقادهم بأن تشاطر المعلومات عن طريق إلقاء كلمات في الجامعات والمؤسسات التعليمية كضيف متحدث، يعتبر أحد المجالات الرئيسة للإسهام في إصلاح التعليم، بينما رأى 66 في المئة منهم أن ذلك يتم من خلال توفير الدورات التدريبية وتقديم النصح للطلاب. وحازت فكرتا الانتساب إلى عضوية الجامعات والاستثمار في المدارس أقل تقدير من التأييد.

وكشفت المقابلات المتعمقة التي أعقبت جراء الاستبانة، أن العديد من الرؤساء التنفيذيين العرب يرغبون في الإسهام في تطوير التعليم، وبصفة خاصة الإسهام في التدريب.


مساهمة قادة الأعمال في النظام التعليمي

تشير نتائج الاستبانة إلى أن 35 في المئة فقط من الرؤساء التنفيذيين العرب يؤمنون بنجاح القطاع الخاص في بلادهم وتطبيق توقعاتهم إلى النظام التعليمي.

وتنخفض هذه النسبة إلى أدنى المستويات في دول الخليج لتصل إلى 31 في المئة، بينما ترتفع إلى أعلى المستويات في دول المشرق العربي لتصل إلى 48 في المئة. وبصورة عامة، فإن نحو ثلثي الرؤساء التنفيذيين العرب أبدوا رغبتهم في المشاركة في إدخال التحسينات اللازمة على النظام التعليمي، استنادا إلى مؤشر المساهمة التعليمي الخاص بهذا الاستبانة. ويتفاوت الأمر من دولة إلى أخرى عبر المنطقة، على رغم أن الرؤساء التنفيذيين في الجزائر ولبنان يبدون أكثر استعدادا للإسهام عندما تتم المقارنة بالمعدل الإقليمي.

ويعتبر إعراب معظم قادة الأعمال العرب عن رغبتهم في الإسهام في تطوير التعليم أساسا يصلح البناء عليه لتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.

وتوحي التجارب التي جرت في العديد من الدول العربية بأن وجود التزام حقيقي من قبل القطاع الخاص يشكل عنصرا رئيسيا من عناصر تطوير تعاون ناجح بين القطاعين العام والخاص في إصلاح التعليم والتدريب.


التعاون بين القطاعين العام والخاص

أشار قادة الأعمال العرب بوضوح إلى عدم التوافق بين مهارات الخريجين ومتطلبات أرباب العمل في السوق المحلية.

وتكشف نتائج الدراسة أن 35 في المئة فقط من الرؤساء التنفيذيين العرب قد أبلغوا احتياجاتهم لأنظمة التعليم، في حين أن 72 في المئة منهم على استعداد للمشاركة في إصلاح التعليم إذا سنحت الفرصة.

ويشير الرؤساء التنفيذيون إلى ثلاثة أنواع من عدم التطابق فيما يتعلق بالخريجين الجدد:

أولا، هناك عدم توافق في الكمِّ من حيث كفاية العرض، وهي ظاهرة مقصورة إلى حد كبير على دول الخليج العربي. وثانيا، هناك عدم توافق في النوع من حيث المهارات الشخصية والمهارات التقنية للشباب الخريجين، من حيث توافقها مع ما هو مطلوب من قبل القطاع الخاص. وثالثا، ثمة عدم توافق هيكلي، من حيث فحوى التخصصات، بين تلك التي تحصل عليها الخريجون وبين الاحتياجات الحالية والمستقبلية لسوق العمل.

ومن أجل ردم الهوة التي تسببها عوامل عدم التوافق تلك، يوصي الرؤساء التنفيذيون العرب بالتعاون في نظام التعليم في مختلف المجالات بين القطاعين العام والخاص.


استراتيجيات إصلاح التعليم

يوصي الرؤساء التنفيذيون العرب بإنشاء لجان تتألف من ممثلي الحكومة، والتعليم، وممثلي قطاع الأعمال للعمل على: وضع استراتجيات وطنية لإصلاح التعليم، وتقديم المشورة بشأن إعادة تطوير المناهج الدراسية، وتحديد معايير الاعتماد للمؤسسات التعليمية، وصياغة استراتيجيات وطنية للتدريب المهني.


الربط بين الصناعات والتعليم العالي

أعرب نحو نصف الرؤساء التنفيذيين الذين شملتهم الاستبانة عن اهتمامهم بتقديم خدماتهم للجامعات والمدارس. وفي هذا الصدد فإنهم يوصون بتمثيل قادة الصناعات المختلفة في مجالس إدارة الجامعات العامة ولجان الأقسام، لتقديم المشورة بشأن البرامج والمناهج المقترحة لتلبية الاحتياجات الحالية واحتياجات السوق في المستقبل.

ويرحب ثلثا الرؤساء التنفيذيون الذين شملهم الاستطلاع بالمشاركة في أداء الجامعات من خلال آليات مبتكرة، ويوصون بالبرامج المشتركة الآتية: وضع برامج للتأهيل المهني والتدريب التطبيقي، وإعداد برامج التوجيه والنصح، واستضافة الخبراء والمتحدثين، وإعداد وتنظيم المحاضرات.

وأشاروا إلى محدودية التخطيط الوظيفي للطلاب، واقترح الرؤساء التنفيذيون، مشاركة القطاعات التجارية في هذا التخطيط الوظيفي مع الإدارات الجامعية لضمان اتساق العرض والطلب بين درجات البرامج التعليمية واحتياجات قطاع سوق العمل. وعبر هؤلاء الرؤساء عن مشاركتهم من خلال الملتقيات المهنية، والمشاركة في الملتقيات والمؤتمرات التعليمية.


صياغة استراتيجيات البحث والتطوير الوطنية

أعرب الرؤساء التنفيذيون العرب عن عدم كفاية برامج البحث والتطوير المشتركة بين الحكومات والقطاعات ومؤسسات التعليم العالي، ما يحد من القدرة البحثية والقدرة التنافسية للجامعات في المنطقة، ولمعالجة هذا النقص يوصي الرؤساء التنفيذيون بوضع استراتيجيات بحث وتطوير وطنية يكون من شأنها تشجيع المبادرات البحثية المشتركة بين القطاعات والجامعات والحكومات، في الصناعات والمجالات ذات الأهمية الاستراتيجية وذات التأثير في الاقتصاد.

وتشمل استراتيجيات البحث والتطوير اتخاذ إجراءات من قبيل: تحديد المجالات الرئيسية للبحوث والتي من الممكن أن تكون استراتيجية للاقتصاد، وتطوير الصناديق الحكومية للاستثمار في مشروعات البحث والتطوير المشترك، ووضع البنية الأساسية القانونية للملكية الفكرية المشتركة، ووضع حوافز وإعفاءات ضريبية للقطاعات التي تساهم في تمويل مشروعات البحث والتطوير مع الجامعات، ووضع حوافز للشركات الأجنبية للاستثمار في أنشطة البحث والتطوير المشتركة مع الشركات المحلية والجامعات.


توصيات لإصلاح التعليم

ويعتقد غالبية الرؤساء التنفيذيون العرب بأن لتحسين التعليم أهمية قصوى في ردم الفجوة في المهارات، وهذا ما يثبته انخفاض معدلات الرضا لديهم عن مستويات أنظمة التعليم في المنطقة، والتي تقف عند مستوى 42.6 نقطة فقط على مؤشر كفاءة التعليم، فيما عدا لبنان الذي تصل فيه إلى 80.6 نقطة. ويتفق جميع رؤساء مجالس الإدارات على أن «مستوى نظام التعليم في بلدانهم»، بالمقارنة مع المعايير الدولية، منخفض بدرجة كبيرة.

وفي المتوسط، يرى أقل من ثلث الرؤساء التنفيذيين من دول الخليج وشمال إفريقيا أن نظام التعليم لديهم يتفق مع المعايير الدولية، بينما على النقيض من ذلك، يرى أكثر من 60 في المئة من الرؤساء التنفيذيين من بلاد المشرق العربي أن نظام التعليم المحلي في بلادهم يتفق مع المعايير الدولية.

ويعتقد قرابة ثلثي الرؤساء التنفيذيين في جميع أنحاء العالم العربي أن نظام التعليم الخاص يوفر معايير متوقفة على النظام التعليمي العام. ومن أجل معالجة مواطن الضعف الواضحة في نظام التعليم الوطني قدم الرؤساء التنفيذيون العرب توصياتهم الآتية:


النظام المدرسي والمناهج الدراسية

أعرب الرؤساء التنفيذيون عن تحفظات شديدة بشأن نوعية وأهمية المناهج التي يتم تدريسها، وكذلك بشأن أساليب التقييم التي تستند إلى حد كبير إلى مفهوم «الحفظ».

وفي هذا الصدد، يوصي الرؤساء التنفيذيون باستخدام أفضل الممارسات العالمية في قطاع التعليم وتطبيقها في النظام المدرسي الوطني، مع الحفاظ على القيم العربية، الأمر الذي اتفق عليه 90 في المئة من الرؤساء التنفيذيين العرب الذين شملتهم الدراسة، وتغيير المناهج الدراسية وتحويلها من التركيز على «النظريات» إلى «التطبيق العملي» المتوافق مع احتياجات سوق العمل، والانتقال من التقييم المعتمد على «الحفظ» إلى التركيز على تطوير مهارات التفكير التحليلي والانتقادي.


المعلمون

وفي شأن المعلمين، أوصى الرؤساء بإعادة هيكلة عملية فرز واختيار المعلمين للانتقال إلى نظام يضمن وجود آلية رقابة فائقة الجودة، وإعادة النظر في أجور المعلمين لاجتذاب أفضل المهارات، وإدخال نهج جديد لأصول التربية للتأكيد على تطوير نوع آخر من المهارات للطالب؛ والتي يمكن نقلها إلى سوق العمل، وتحسين التصور الثقافي لمهنة التدريس بحيث تحظى بالتكريم والاحترام في المجتمع.

الاعتماد

أما في موضوعة الاعتماد، فأوصوا بوضع نظم اعتماد مستقلة وآليات لمراقبة الجودة تستند إلى المعايير الدولية على جميع مستويات التعليم، فهناك 86 في المئة من الرؤساء التنفيذيين العرب يشعرون بأن من المهم استخدام جهات مستقلة للرقابة والتفتيش للوصول إلى معايير الجودة المنشودة، وإنشاء نظام تصنيف خاص بالجامعات على الصعيدين الوطني والإقليمي لتحديد أفضل الجامعات وتشجيع المنافسة الإيجابية.


الجامعات

وعلى مستوى الجامعات، أوصوا بإجراء بحوث مفصلة عن احتياجات السوق الحالية والمستقبلية من حيث الطلب على برامج الجامعات ومجالات الخبرة، وإجراء بحوث مفصلة عن أوجه القصور في المهارات الشخصية والتقنية بحسب التخصص، بالمقارنة مع متطلبات السوق؛ وتعديل المناهج الدراسية والدورات المتقدمة وفقا لذلك، وقياس أداء أساتذة الجامعات على أساس المعرفة المضافة من خلال البحوث العلمية.

كما أوصوا بتعزيز الشراكات الأجنبية وبرامج التبادل الدولي مع الجامعات والمؤسسات التعليمية، وزيادة برامج التعليم المستمر والبرامج التنفيذية.


التدريب المهني

أما على مستوى التدريب المهني، فأوصى الرؤساء التنفيذيون بتقييم ودراسة حاجة السوق الحالية والمستقبلية من المهن والمهارات ذات الصلة، ووضع استراتيجية وطنية للتدريب المهني وفقا لذلك، وتعزيز الشراكات بين الصناعة ومراكز التدريب المتخصصة في قطاعا معينة، وزيادة التركيز على إنشاء مؤسسات تدريب مهني جديدة، وتطوير تلك المؤسسات بما يتفق مع المعايير الدولية، وإنشاء نظم للرقابة لضمان الحفاظ على معايير الجودة، وخلق حوافز للقطاع الخاص للاستثمار، تقنيا وماليا، في مراكز التدريب، ومعالجة المفاهيم الثقافية السلبية السائدة تجاه بعض المهن.


توطين العمالة

كشفت نتائج الدراسة، أن الغالبية العظمى من الرؤساء التنفيذيين الخليجيين يعتقدون بأن فرض عدد إجباري من العمالة المواطنة لتوظيفها في المؤسسة لن يفيد في تحسين أداء الشركة، بينما نسبة 41 في المئة فقط يعتقدون بأن هذا التوزيع سيعود بالفائدة على الاقتصاد على المدى الطويل.

وقد تم رصد وجود قدر كبير من القلق بهذا الشأن، إذ إن مثل هذا التوزيع من شأنه التأثير سلبا على إنتاجية الشركات وقدرتها التنافسية بسبب «اضطرارها» للتوظيف على أساس «العدد» لا على أساس «المهارات». وفي الحالات التي يكون فيها الاختيار مبنيا على أساس التخصصات المهنية يزيد حجم التحدي الذي تواجهه الشركات لإشغال هذه الوظائف، في الوقت الذي يكون فيه عدد المواطنين في هذه المجالات غير كافٍ.

ويوصي الرؤساء التنفيذيون الخليجيون بأن تكون سياسات التوطين جزءا من استراتيجية العمل الأوسع نطاقا والتي تعمل جنبا إلى جنب مع قطاعات النمو الاقتصادي الحالية والمستقبلية، على أن تتم تغطية الطلب المستقبلي على المهن من خريجي نظام التعليم الجديد.

ويؤكد الرؤساء التنفيذيون أنه كي تكون مبادرات التوطين قوية فعالة يجب أن ترتبط ببرامج تدريبية. وفي هذا الصدد، يوصون بإنشاء صناديق تدريب خلاقة ترعاها الحكومة لتمويل البرامج التعليمية، وبمنح الحوافز أو تطبيق الإعفاءات الضريبية لتشجيع الشركات على الاستثمار في تدريب المواطنين.


الخلاصة

يشير تقرير «تحديات رأس المال البشري في العالم العربي»، إلى أن النمو الاقتصادي في المنطقة لم يصاحب بتطور كبير في الموارد البشرية، ويوضح أهمية إقرار إصلاحات ملموسة وسريعة لاستمرار النمو الاقتصادي في المنطقة.

وتفتقر أسواق العمل إلى مهارات رئيسية، مثل التواصل وروح الفريق والمهارات التحليلية والفكر الإبداعي، وخصوصا في منطقة الخليج. كما تكشف نتائج الاستبانة أن إيجاد أعداد كافية من العمالة الماهرة لايزال التحدي الاستراتيجي الأكبر للأعمال العربية. وتتضح أهمية هذا التحدي بشكل أنصع في منطقة الخليج، حيث تجب إدارته بعناية بالغة.

ويستفاد من نتائج الاستبانة أن تحسين نوعية التعليم يشكل استراتيجية مهمة لتجسير فجوة المهارات. كما يعتبر تحسين تدريب المدرسين أحد أهم الأولويات في هذا المجال. ونظرا إلى إلحاح الوضع القائم، أعرب قادة الأعمال العرب عن رغبة قوية في المشاركة في تطوير التعليم على جميع المستويات. كما أعربوا عن رغبتهم القوية في تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.

وقد كشفت مقابلات متعمقة مع بعض أبرز قادة الأعمال في المنطقة عن العديد من الأمور المهمة. وبدا الموضوع الأشد إلحاحا متمثلا في الحاجة إلى قيام الحكومات بتوفير حوافز للقطاع الخاص للاستثمار في تطوير رأس المال البشري، وخصوصا في مجال التدريب. كما أكد عدد كبير من قادة الأعمال الحاجة إلى تعزيز العلاقات بين الجامعات والقطاع الخاص، من خلال برامج تستهدف تلبية احتياجات أسواق العمل. وتستطيع الحكومات من ناحيتها إقامة آلية عمل لمتابعة تحقيق النتائج المرجوة في هذه المجالات.

وبغض النظر عن تحديات أسواق العمل، يجدر بنا أن نلاحظ أن هناك قناعة بأن عدم الاستقرار السياسي المحلي والإرهاب العالمي يشكلان تهديدات حقيقية لقطاع الأعمال، وخصوصا في منطقة المشرق العربي التي تعيش أجواء مضطربة، كما يجب أن يتصدر تطوير البنى التحتية أولويات الدول ذات الموارد المحدودة في المشرق العربي وشمال إفريقيا.

وبصورة عامة، أكدت نتائج الاستبانة بجرأة ووضوح أنه إذا لم يتم تنفيذ تغييرات ملموسة اليوم، فسيتأثر النمو والتطور الإقليمي بشدة في المستقبل.

العدد 2420 - الثلثاء 21 أبريل 2009م الموافق 25 ربيع الثاني 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً