العدد 1099 - الخميس 08 سبتمبر 2005م الموافق 04 شعبان 1426هـ

الإمام الحسين "ع" الشخصية والقضية

كتاب أرحب من هموم الذات

يتناول الشيخ حسن الصفار في كتابه الجديد: "الإمام الحسين الشخصية والقضية" محورين أساسين يتضمنهما عنوان الكتاب، فالمحور الأول يركز فيه الكاتب على شخصية الإمام الحسين "ع" وأبعادها ومزاياها العظيمة، وفي المحور الثاني يبحر الكاتب في سماء قضية الإمام الحسين "ع" الخالدة والتي شقت طريقها للأجيال من قبل حدوثها بأكثر من نصف قرن منذ الولادة المباركة للحسين وإلى أن تقوم الساعة. في مقدمة الكتاب يؤكد الشيخ الصفار تميز نخبة قليلة من بني البشر بتطلعها إلى أفق أرحب من هموم الذات، فتسعى إلى إسعاد الآخرين، ولخدمة المبادئ والقيم السامية، وللارتقاء بمستوى الحياة إلى الأفضل والأحسن. ويمثل الإمام الحسين قمة المجد السامقة لهذه النخبة في التاريخ البشري. ينطلق الكاتب في معالجته لشخصية الإمام الحسين منذ اللحظات الأولى لولادته والتي رافقتها ظاهرة فريدة من نوعها تتمثل في أسلوب استقبال الرسول الأعظم "ص" لهذا الوليد المبارك، وفي هذا الإطار انتقد الشيخ الصفار أسلوب الانتقاء المصلحي للنصوص الواردة في السيرة النبوية، مؤكدا أن الموضوعية تقتضي أن تكون درجة الاهتمام بأي نص أو حدث، تابعة لمقاييس وضوابط علمية، تأخذ في الاعتبار مستوى الصحة والوثاقة في النقل، وموقعية ذلك الأثر المنقول في منظومة الفكر والتشريع الديني، وضمن سياق الوقائع التاريخية. واستعرض الشيخ الصفار نماذج من الروايات التي تتحدث عن الظاهرة الفريدة والتي رافقت ولادة الإمام الحسين "ع"، ومنها ما ورد في المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، حديث رقم "4818" بسنده عن أم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله "ص" فقالت: يا رسول الله، إني رأيت حلما منكرا الليلة، قال: "ما هو؟"، قالت: إنه شديد، قال: "ما هو؟"، قالت: رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري. فقال رسول الله "ص": "رأيت خيرا، تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فيكون في حجرك" فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري، كما قال رسول الله "ص"، فدخلت يوما إلى رسول الله "ص" فوضعته في حجره، ثم حانت مني التفاتة، فإذا عينا رسول الله "ص" تهرقان من الدموع، قالت: فقلت يا نبي الله بأبي أنت وأمي ما لك؟ قال: "أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا فقلت: هذا؟! فقال: "نعم" وأتاني بتربة من تربته حمراء". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ويقف الشيخ الصفار وقفة تأمل عند هذه الروايات المتواترة مؤكدا أنه لا يصح المرور على هذه الظاهرة مرور الكرام، ولا ينبغي تجاهلها عند من يقدس سنة رسول الله "ص"، ويعتقد حجية أقواله وأفعاله، بل لابد من البحث عن مدلولات هذه القضية، والتأمل في أبعادها ومعانيها. وأشار الكاتب إلى أن إخبار الرسول "ص" بما سيجري على سبطه الحسين "ع" قبل وقوع الحدث بأكثر من نصف قرن هو من مصاديق المغيبات التي أخبر "ص" عن وقوعها، فوقعت كما أخبر. ويضيف الكاتب أن هذه الروايات تؤكد بجلاء أهمية الموقعية الخاصة للإمام الحسين "ع" عند جده رسول الله "ص"، وعند الله تعالى. كما أنها تؤكد أهمية الحادثة وشدة وقع مصيبة الحسين "ع" على قلب رسول الله "ص"، ولذلك يقول الكاتب: "إنه لا يصح النظر إلى حادثة كربلاء على أنها صراع سياسي على الحكم والسلطة، ولا مجرد خلاف نشب بين أطراف من السلف لا شأن للأجيال اللاحقة به. فالمسألة أعمق من أن ينظر إليها بهذه الطريقة السطحية الساذجة، إنها ترتبط بحفظ مكانة رسول الله "ص" في الأمة، وبموقعية أهل بيته الذين يشكلون امتداده الرسالي، كما ترتبط بموقف الأمة تجاه الظلم والانحراف". ويقدم الشيخ الصفار من خلال حديثه السابق نظرة اجتماعية تتعلق بالاهتمام بمستقبل الأبناء، مشيرا إلى أن الرسول "ص" لم ينشغل بأفراح لحظات ولادة الحسين "ع" عن استشفاف مستقبله ومصيره، وفي ذلك فائدة تربوية مهمة هي ضرورة التفكير في مستقبل الأبناء، والتخطيط لأدوارهم في الحياة، مضيفا أن التفكير المستقبلي يجب أن يكون جزءا لا يتجزأ من اهتمامات الإنسان الواعي، وخصوصا مع تعقيدات الحياة الحاضرة، وزيادة متطلباتها. وتناول الشيخ الصفار البعد الاجتماعي في حياة الإمام الحسين "ع" من خلال ثلاث نقاط: الحضور الاجتماعي، النموذج الأخلاقي، والاهتمام بمناطق الضعف في المجتمع. فعند حديثه عن الحضور الاجتماعي للإمام الحسن "ع"، أشار إلى أن الإنسان بحمله لأهداف كبيرة، وبامتلاكه مستوى علميا متقدما، فإن ذلك لا يؤثر شيئا في حركة الواقع والحياة، ما لم يصاحبه حضور اجتماعي، يشق الطريق أمام تلك الأهداف الكبرى، ويترجم العلم إلى فعل ملموس. مؤكدا أن الإمام الحسين "ع" نشأ من بداية حياته في عمق الشأن الاجتماعي وفي صميم الحوادث، فجده رسول الله "ص" كان قطب رحى المجتمع وقائده الأعلى، وأبوه علي "ع" كان وزير الرسول، وساعده الأيمن، بل كان نفسه بنص آية المباهلة، فكان حضوره في ساحة الشأن العام أمرا طبيعيا. واستعرض نماذج تاريخية من سيرة الإمام الحسين "ع" تبين هذه الحقيقة. وأما عن الجانب الأخلاقي عند الإمام الحسين "ع" يقول الكاتب: "والإمام الحسين "ع" كان قمة في هذا المجال، فقد كان - فيما أجمع عليه الرواة - لا يقابل مسيئا بإساءته، ولا مذنبا بذنبه، وإنما كان يغدق عليهم ببره ومعروفه، شأنه في ذلك شأن جده الرسول "ص"، الذي وسع الناس جميعا بأخلاقه وفضائله، وعرف بهذه الظاهرة وشاعت عنه. وأما اهتمام الحسين "ع" بمناطق الضعف في المجتمع فهو كما يشير الشيخ الصفار كأهل بيته الطاهرين "ع" كانوا يعيشون للناس أكثر مما يعيشون لأنفسهم، "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" "لحشر: 9"، واستعرض نماذج في هذا المجال من السيرة العطرة للإمام الحسين "ع"، ويشير الشيخ الصفار في هذه النقطة إلى أن إنسانية الإنسان إنما تتجلى، ويصدق إيمانه باهتمامه بالمحتاجين والفقراء في مجتمعه، ومهما بلغ الإنسان من العلم، أو اجتهد في العبادة، فإنه لن تتحقق إنسانيته، ولن يصح تدينه، إذا ما تجاهل مناطق الضعف في المجتمع، وفي ذلك يقول تعالى: "أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين" "الماعون: 1 - 3". بعد هذا الحديث عن شخصية الإمام الحسين "ع" ينتقل الشيخ الصفار إلى المحور الثاني لكتابه، وهو الحديث عن قضية الإمام "ع" والمتمثلة في ثورته المباركة، ويبدأ ذلك بالحديث عن التأثير الفكري والثقافي لهذه النهضة الخالدة في مختلف ميادين المعرفة والحياة، فعلى الصعيد الديني يؤكد الكاتب أن ثورة الإمام الحسين "ع" أعادت طرح موقعية أهل البيت "ع" في الأمة، بعد فترة من التجاهل والتنكر لحقهم ولدورهم، على رغم تأكيد القرآن الكريم طهارتهم، ومودتهم كأجر للرسالة. وعلى المستوى السياسي يقول الشيخ الصفار: "أعادت ثورة الإمام الحسين فتح ملف الخلافة والحكم، والمواصفات التي يجب أن تتوافر في قيادة الأمة، والمنهج الذي يجب أن تسير عليه، وموقف الأمة من انحراف الحكم عن شريعة الله وقيم الدين". وقدمت حركة الإمام الحسين "ع" في الجانب الاجتماعي منظومة مناقبية جديدة، تنبثق من روح المسئولية والالتزام الأخلاقي، في مقابل سيطرة الروح الأنانية والمصلحية والانته

العدد 1099 - الخميس 08 سبتمبر 2005م الموافق 04 شعبان 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً