قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين منا أن موضوع التحدث عن فوائد الصوم، العادات الغذائية السيئة ناهيك عن نصائح الأطباء واختصاصيي التغذية الروتينية في هذا الشهر الفضيل أمور باتت من المسلمات ومن الحوارات التي أكل الدهر عليها وشرب ولكن في حقيقة الأمر ما هي إلا "طقوس" إن جاز التعبير تكسب شهر رمضان ميزته وتضيف له تلك الخصوصية والاهتمام الزائد دون سواه من الأشهر وإن بدت في ظاهرها معادة ومكررة إلا أن الإحساس النفسي بإقبال هذا الشهر لا يكون إلا بالاستعداد له دينيا، سلوكيا، ثقافيا وصحيا سنة بعد أخرى الأمر الذي استوجب منا وقفة عند تلك "الطقوس السنوية" متناولين فيها رأي الأطباء واختصاصي التغذية عن فوائد الصوم والعادات الغذائية السيئة على حد سواء. رئيسة قسم التثقيف الصحي واستشارية طب العائلة أمل الجودر تقول إن الله فرض الصيام على المسلمين والمسلمات شهرا في كل عام ليكون نظاما حياتيا دوريا يلتزم به الإنسان المؤمن واتصالا روحيا بين العبد وربه وقد يتظاهر الإنسان بأداء فريضة الزكاة أو الحج ليقال عنه حاج أو مزك ولكنه لا يستطيع التظاهر بالصوم ولعل هذا ما جعل للصوم منزلة خاصة كما ورد في الحديث القدسي "وإن كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي عليه". واستطردت مشيرة إلى أثر الصوم على الصحة العضوية والنفسية فهو يخلص البدن من الشحوم والسموم المتراكمة طوال العام ويقي من السمنة ويعالجها كما وأنه فرصة لإعطاء المعدة والأمعاء والكلى والدورة الدموية فترة من الراحة ناهيك عن انه فرصة مواتيه لمن يريد التوقف عن التدخين فبإمكانه اختيار هذا الشهر للبدء في ذلك بالإضافة إلى آثاره غير المباشرة كالوقاية من السكري وأمراض القلب والسرطان وإلى غير ذلك والاهم من ذلك الفائدة الروحية التي تعود على النفس البشرية بالراحة والاطمئنان في عصر أصبح القلق والتوتر من سماته وبذلك يسهم الصيام أيضا في منع التأثيرات المترتبة على القلق والتوتر. ونوهت الجودر إلى أن فوائد الصيام العضوية والنفسية لن تتم إلا عندما يلتزم المسلم بآداب الصيام ويعرف تمام المعرفة أن تمام التقوى لله في هذا الشهر أن يأكل المسلم ويشرب من دون إسراف تصديقا لقوله تعالى: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" "الأعراف: 31".
القرآن الدواء
وتضيف "ان عدم الالتزام بالنص القرآني كثيرا ما يؤدي إلى التخمة والمشكلات الهضمية في الشهر الفضيل ويسأل البعض أليس الصوم صحة فنرد نعم ولكن ليس باستبدال النهار بالليل واستمرار الأكل والسهر طول الليل والشعور بالتخمة والخمول طول النهار فليس هذا ما رمى إليه الإسلام الأمر الذي يجعل من الدواء داء لتنتشر أمراض الضغط والأوزان الكبيرة والسكر والكولسترول ناهيك عن ارتفاع الضغط". واستطردت "امرنا رسول الله "ص" بأن نعجل بالفطور ونؤخر السحور وبذلك نقلل فترة الصيام إلى أقل فترة ممكنة كما وأوصى فقال "تسحروا ففي السحور بركة". هذا وأكدت أن وجبة السحور ضرورية جدا لكونها وسيلة في تعويض الصائم عن وجبة الإفطار في الأيام العادية. وأشارت إلى أن تلاوة القرآن والاستماع إليه يعود على الصائم بالراحة النفسية والقرب إلى الله سبحانه وتعالى الأمر الذي يقوي من صحته النفسية ويعزز من مناعته. ويذكر أن ما أشارت له من فوائد تعود على المسلم من أداء الصلوات والدعاء والاستغفار في هذا الشهر من الناحية العضوية بسبب أدائه للحركات المختلفة. هذا ونوهت إلى ضرورة تدريب الطفل على الصيام من سن التاسعة أو العاشرة وبالتدريج أي يفطر فطوره في الصباح ومن ثم يصوم طوال فترة المدرسة ويتغذى خفيفا ويصوم حتى موعد الفطور أما الطفل المصاب بأمراض كالسكري وفقر الدم المنجلي فلا ينصح بصيامه. وعلى صعيد متصل ذكرت الجو در بعض العادات السيئة المنتشرة في شهر رمضان كالسهرات و"الغبقات" التي تلاقي رواجا كبيرا من الشباب وانها عادة غير صحية إذ يكثر فيها تناول الأغذية الدسمة والحلويات ويؤدي السهر إلى عدم حصول الجسم على كفايته من الراحة بالإضافة إلى قضاء معظم الأوقات في أمور غير مفيدة والأجدر أن تتحول هذه التجمعات إلى وقت مبكر من التاسعة إلى الحادية عشرة على الأكثر ويتم فيها تناول وجبات صحية مفيدة ويفضل لو تدور حول ذكر الله وتلاوة القرآن الكريم والمناقشات الاجتماعية الهادفة وممارسة الرياضة المفيدة بدلا من الجلوس ولعب الورق على حد قولها.
اقتصاد في الأدوية
وعلى صعيد متصل كشف الطبيب بكلية العلوم الصحية فيصل الناصر أن دراسات أثبتت أن شهر رمضان يعد من الأشهر التي تقل فيها نسبة استخدام الأدوية نتيجة قلة مضاعفات بعض الأمراض كالسكري وضغط الدم والذي يعد الشهر الفضيل واحدا من علاجاتها إذ ذكر أن الله فرض الصيام لما له من فوائد جمة على المؤمن وتأثير مباشر عليه نفسيا وعضويا فإن اختل جانب يختل الآخر. وأضاف "يجب على المسلم اتباع الأسلوب الصحيح والمناسب سلوكيا وغذائيا في شهر رمضان فالشره في الأكل يؤدي إلى زيادة مضاعفات الأمراض أو ظهور أمراض أخرى ناهيك عن الإحساس بالخمول وعدم القدرة على العمل". هذا وأكد فيصل أن الطب في المملكة يسعى إلى تقليل عدد المدخنين إلا انه للأسف انتشرت في الفترة الأخيرة عادة شرب "الشيشة" وقضاء معظم الوقت في المقاهي الأمر الذي من شأنه أن يمنع فرصة الإقلاع عن التدخين فيقلب الشهر من عون إلى فرعون - على حد قوله لا يخفى على الكثير منا أن شريحة كبيرة من فئات المجتمع البحريني يعدون من مرضى السكري الأمر الذي حدا بنا إلى سؤال استشاري أمراض السكري فيصل جعفر المحروس إذ قال: "لا شك أن لمرضى السكري علاقة كبيرة بالأكل فقد وجد من الاحصاءات أن السكري يختار مرضاه من البدناء فوق سن الأربعين فمن كل 10 حالات مرضى بالسكر 9 منهم بدناء وواحد فقط نحيف الأمر الذي يؤكد تأكيدا قاطعا أن البدانة تلعب دورا كبيرا بالإصابة بمرض السكري، كما وجد أن تقليل المواد النشوية تحديدا يسبب تحسنا واضحا في مرضى السكري البالغين لدرجة أن هؤلاء يستغنون عن العلاج بواسطة الأنسولين أو الحبوب ويستمرون على تنظيم الغذاء كعنصر وحيد في العلاج فيجب على من هم على درجه كبيرة من البدانة أن يتخلصوا من الوزن الزائد الأمر الذي يسهم في عودة السكر في الدم إلى نسبته الطبيعية من دون علاج، هذا ووجد أيضا أن نسبة المضاعفات لدى مرضى السكري مثل تصلب الشرايين تزيد كلما زاد وزن الجسم". أمام هذه الحقائق وغيرها تظهر أهمية شهر رمضان فقد دأب بعض الناس على اعتباره شهرا للأكل وليس للصوم بمعنى أن الدولة تزيد من التموين في هذا الشهر ويقتضي الأمر استيراد الكثير من الماعز والخراف والأبقار للتزود باللحوم الحمراء ويعلق المحروس على ذلك ليشير إلى أن الكثير من الناس في هذا الشهر الفضيل يصاب بأمراض نتيجة لكثرة الأكل بدلا من أن تصبح أجسادهم ونفوسهم صحية وخصوصا مرضى السكري الذين يجب أن يكونوا على دراية بأفضل الطرق لاستغلال هذا الشهر للعلاج وتفادي المضاعفات. إذ كشف عن وجود حقيقة علمية فيسلوجية تقول إن في حالات مرضى السكري يخيل للبعض أن امتناعهم عن النشويات والسكريات يفيدهم في حين أن ذلك يعد خطأ فادحا على حد تعبيره. واستطرد ذاكرا أن الإقلاع عن المواد النشوية قد يعرض المريض لحال من التسمم نتيجة نقص احتراق المواد النشوية والاعتماد على المواد غير النشويه كالدهنيات ويعرف الناس هذه الحال بظهور الأسيتون في البول ويؤدي إلى الغيبوبة عند تجاهله لذلك من الممكن عمل رجيم للأكل على الإفطار ويفضل أن يتكون السحور من البروتينات كاللحوم والخضراوات وقليل من الخبز مع تحليل البول بعد الأكل بساعتين. وأشار إلى إمكان أن يأخذ المريض الأنسولين تحت الجلد كأنسولين مائي قبل وجبة الإفطار ويعطى أيضا قبل وجبة السحور في حين يجب على من يحتاجون إلى كميات كبيرة من الأنسولين أن يفطروا. ونوه المحروس إلى أن الصيام يسمح به في حدود لبعض مرضى السكري وخصوصا البدناء الذين نسبة السكري لديهم قليلة نسبيا ولا توجد لديهم مشكلة الأسيتون ولا يأخذون كميات كبيرة من الأنسولين أو الحبوب على مدار ساعات النهار، الأطفال في دور النمو، مرضى السكري الذين يشكون مضاعفات بالإضافة إلى مرضى السكري النحفاء. وأكد بدوره ضرورة أن لا يزيد الأكل في شهر رمضان عنه في الأشهر العادية مع محاولة تجنب أصناف الحلويات المتعددة ليمسي هذا الشهر مليئا بالتقوى والإيمان واتباع سنن الدين الحقيقي ليخرج المسلم منه أكثر صحة وعافيه وليس أكثر مرضا وضعفا. نستعيد في كل سنة ذات الطقوس ولربما نحس بأننا نؤديها ونسمعها للمرة الأولى وقد لا نبالغ لو نقول إنها بطعم ولون مختلف وإن كانت في ظاهرها واحدة فليس بالإمكان غض الطرف عنها
العدد 1127 - الخميس 06 أكتوبر 2005م الموافق 03 رمضان 1426هـ