قبل أقل من ثلاث سنوات، توفر لدى أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك» وخاصة في الخليج، فوائض مالية كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار النفط لأكثر من مئة دولار للبرميل للمرة الأولى في التاريخ، وفي صيف العام 2008، واصلت الأسعار ارتفاعها الحاد لتصل إلى 147 دولاراً.
وبعد ذلك بأسابيع، بدأ النفط في مسيرة تراجع حادة مع وصول الأزمة الاقتصادية العالمية إلى قطاع المصارف الدولية، وبدأت تلوح في الأفق بوادر الركود في الغرب، لتنتشر لاحقاً في دول آسيا النامية، ما خفّض بشكل واضح الاعتماد على النفط لأغراض صناعية.
واليوم، نعود لنرى الأحداث تتكرر من جديد، فالنفط تجاوز عتبة مئة دولار للبرميل بسبب أحداث الشرق الأوسط، وعادت الأصوات لترتفع في الغرب محذرة من تأثير هذه الأسعار على النمو الاقتصادي الهش بعد الأزمة المالية، ويبدو أن دول الخليج تدرك خطورة ارتفاع الأسعار، وهي بالتأكيد، وبخلاف ما يراه البعض، لا ترغب في أن يتكرر سيناريو صيف العام 2088.
ومن الواضح أن دول منظمة «أوبك» وعلى رأسها السعودية، التي تختزن أراضيها ثلث كميات النفط الموجودة في العالم، تتطلع إلى سعر معتدل يستفيد منه المنتجون والمستهلكون على حد سواء، بحيث لا تتضرر معادلة العرض والطلب.
وحتى عندما كانت أسعار النفط في ذروتها، كان العاهل السعودي، الملك عبدالله بن عبدالعزيز، يعتبر أن السعر العادل للنفط يجب أن يتراوح بين 85 و90 دولاراً، وخاصة أن تراجع الطلب بسبب الأسعار سيعني خفض الإنتاج في دول «أوبك» التي تجمد اليوم قدرات إنتاجية يومية تعادل أربعة ملايين برميل، يوجد بينها ثلاثة ملايين برميل في السعودية.
لقد تمكنت الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا من العودة للنمو مجدداً، بينما تحتاج أوروبا والولايات المتحدة إلى تسهيلات اقتصادية ومالية لتتمكن قطاعاتها من الانتعاش مجدداً، وبسبب هذه الظروف، فإن أسعار النفط تجاوزت مئة دولار، لكنها لم تصعد حتى الآن إلى مستويات قياسية جديدة كان يمكن أن تسجلها لو أن الاقتصاد العالمي كان في وضع أفضل.
ولذلك، وقبل أن ندعو السعودية لفتح خزاناتها النفطية بقدرتها القصوى لخفض الأسعار، فعلينا أن نتنبه بأن الأسواق تسير اليوم مدفوعة بالخوف جراء الأوضاع في ليبيا، وكذلك في الجزائر ومصر وسلطنة عُمان، وهي كلها دول مصدرة للنفط أو الغاز، أو أنها تشكل معابر أساسية للطاقة.
إن أي طرف سيتولى السلطة في الدول العربية التي تشهد اضطرابات حالياً سيتطلع إلى مواصلة تصدير النفط بهدف الحصول على العوائد المالية التي تحتاجها تلك الدول بشدة، وعلينا التنبه أيضاً إلى دور صناديق الاستثمار والتحوط التي تضارب على أسعار النفط للاستفادة من تقلباتها، وهي الآن مسئولة عن عشرة في المئة من ارتفاع الأسعار اليومي.
العدد 3104 - الأحد 06 مارس 2011م الموافق 01 ربيع الثاني 1432هـ