هذه قصص واقعية ترويها ممرضة بحرينية مازالت تعمل في إحدى المؤسسات الصحية بالمملكة... ارتأت نشرها من دون أن تعلن عن اسمها (مؤقتاً على الأقل) لأسباب قالت أنها كي لا تضطر إلى الابتعاد عن الحقيقة خوفاً من مسئول أو محاباة لأحدهم بحكم الزمالة ربما...
قد تبدو الأسماء الواردة في هذه القصص غير واقعية لكن شخوصها موجودون بعضهم ترك عمله وآخرون مازالوا في وظائفهم يحاولون مساعدة من هم بحاجة إلى المساعدة.
«الوسط» ستنشر ابتداءً من اليوم (السبت) هذه القصص كما وردتها، وها هي الحلقة الأولى التي ستتبعها حلقات أبطالها: ملائكة الرحمة وزمانها: أشهر قليلات مرت، أما مكانها: فهي أروقة المؤسسات الصحية في البحرين.
المحرر
تخرّجنَ من المدرسة كلٌ تحمل آمالاً وأحلاماً واثقةً بأنّ الحياة ستجود عليها بتحقيقها.
مريم كانت الأذكى بينهن، كانت متفوقة في الفيزياء والرياضيات بالذات، وكثيراً ما توصلت إلى حلول من خارج الكتاب تدهش معلمتها، كانت تجد نفسها مهندسة، وقبلت في الجامعة، لكنها - على رغم مجموعها العالي - لم تحصل على بعثة ولا إعفاء، وأبوها، الذي عوضها القدر عن فقره بذكائها لم يكن قادراً على دفع رسوم الجامعة لكي يتسنى لابنته الذكية أن «تحقق ذاتها»... كانت - في الوقت نفسه - قدمت أوراقها - عبثا - لكلية العلوم الصحية، واجتازت مقابلة التمريض، كانت تعلم أنها لا تستطيع إلاّ أن تكون ممرضة فاشلة! فهي أولاً فتاة رقيقة، لا تحتمل رؤية الدم ولا تتصور نفسها تغرز إبرة في جسد مريض أو تشاهد طفلاً يتعذب، وثانياً، هي شديدة الحياء، كيف ستتكلم إلى الطبيب؟ وكيف ستجيب على أسئلة المريض وكيف ستعامل زميلها الشاب؟! وإضافة إلى ذلك، فهي تسمع حكايات كثيرة عن مرضى يتحرشون بالممرضات، لو حدث لها مثل ذلك، فكيف ستدافع عن نفسها وهي كالحمل الوديع؟
بدا لها أن التمريض مهمة شاقة وخطيرة، وأنها تتطلب جرأة اجتماعية وثقة بالنفس أكبر مما لديها هي، ولأنها لم تجد في شخصها مواصفات الممرضة التي افترضتها في عقلها فقد كان تقديمها الطلب في كلية العلوم الصحية من بدايته مجرد «تحصيل حاصل»... حين لم تجد لمستقبلها طريقاً آخر قبلت الالتحاق بالتمريض، واضعةً نصب عينيها الإيجابية «الوحيدة» التي وجدتها مشجعة لها على المواصلة، وهي حصولها على «مخصص» يزداد قليلاً كلما انتقلت إلى السنة التالية.
منى تخرجت من ثانويتها بمجموع فوق المتوسط، لكنه ظل أضعف من أن يؤهلها للقبول بالجامعة، ففكرت أن «تجرب حظها» مع التمريض الذي كان - أيامها - يقبل من هم أقل منها أيضاً، لم تكن تحمل أية فكرةٍ مسبقة ولا حتى «تصورات» عن المهنة، لم تحب التمريض ولم تكرهه، كل ما كانت تريده هو أن تواصل الدراسة... أية دراسة، فمجموعها الـ «جيد» لا يعني بالضرورة أنها بلا طموح أكاديمي.
المقيّمون في المقابلة وجدوا منى خفيفة الظل، واعتبروا بشاشتها صفة مطلوبة بإلحاح في الممرضة، ومن أجل بشاشتها تساهلوا مع انجليزيتها الضعيفة آملين أن تتطور لغتها - تلقائيا - مع الدراسة المكثفة.
نجلاء، التي سبق أن رقدت في المستشفى مرتين، الأولى كي تخضع لعملية استئصال اللوزتين والثانية لاستئصال الزائدة الدودية، تعرف جيداً ما هو عمل الممرضة. إن لها أيضاً أخاً أكبر مصاباً بفقر الدم المنجلي، كان يرقد أحياناً في أجنحة بها عددٌ من المرضى كبار السن، حين تذهب لزيارته، كانت تركز لتسمع ما يدور خلف الستائر المشدودة حين تأتي الممرضات «للتبديل»، فتتناهى إلى سمعها أشياء تستنتج من خلالها أن الممرضات يتعاملن مع بول وبراز المرضى، ينظفنه! فكرهت التمريض... وعزز كراهيتها له ما سمعته من أقرباء لها أكبر سناً من أن الممرضة ليست - في الحقيقة - إلا «خادمة»! ما حملها على الالتحاق بدراسة التمريض في النهاية شيئان: الأول، ضمانها الأكيد لتوافر الوظيفة بعد سني الدراسة - بل قبلها! والثاني، أنه يوفّر لها فرصة أفضل للاختلاط بالجنس الآخر بدواعي العمل. هكذا، تظن أن لديها فرصة أفضل للتعرّف على شريك الحياة قبل أن تقترن به! على عكس نجلاء، كان أهل نوال يعتقدون بأن «العنوسة» هي مصير الممرضة! فقلة من الرجال - وقتها - كان بإمكانهم أن يتفهموا مسألة مبيت نسائهم خارج المنزل. المجتمع يحكي الكثير عن أشياء تحدث في النوبة الليلية، ولا يهم إن كانت حقائق أم روايات كاذبة، فهم ليسوا مستعدين بأي حال أن يدفعوا ثمن اختيار ابنتهم لهذه المهنة من أعصابهم وراحة بالهم! كما أن يُسْرَ حالهم لا يجعلهم بحاجة إلى إغراءاتٍ من مثل المخصص ولا حتى للوظيفة اللاحقة.
يقلقهم كثيراً وضع ابنتهم الذي سيكون، فهي ستلامس أيدي الرجال لتعد نبضات قلوبهم وتلف حزام قياس الضغط على أذرعهم وهم لا يضمنون حسن نوايا كل المرضى.
لكن نوال كانت واثقة بنفسها أكثر من الجميع، وكانت تجد ردوداً على كل الاعتراضات وأجوبة لكل الأسئلة ومخارج من كل المشكلات التي اعترض بها أهلها سبيلها، كيف لا وقد قررت منذ زمن بعيد ألا تكون إلا ممرضة؟! إنها حتى لم تقدم طلب التحاق بأية دراسة أخرى في أية جامعة أو معهد!
أوجه ندائي هذا عبر صفحات صحيفة «الوسط» الموقرة لعل وعسى أجد الحل لمشكلتي التي تتمثل وباختصار في انني موظف بسيط أسكن في بيت والدي القديم المتهالك مع زوجتي وأولادي ووالدتي العجوز إذ إنني أنام مع بناتي في حجرة واحدة والتي هي عبارة عن مجلس في الأساس بنيته بعد شق الأنفس ووالدتي في حجرة متهالكة أخرى. بيتنا قديم جداً نصفه من الحجر والطين والآخر من الطابوق المتهالك بسبب تسرب حدث من قبل خط الماء الرئيسي للمنطقة والذي تبرأت منه وزارة الكهرباء والماء وكأن تلك الوزارة تزيد من معاناتي معاناة أخرى.
لا أطيل عليكم تقدمت بطلب مساعدة إلى المجلس البلدي الشمالي بعدما سمعت عن مشروع جلالة الملك... مشروع البيوت الآيلة إلى السقوط، وكم كانت فرحتي بهذا المشروع وبعد تسليمي للأوراق المطلوبة لممثل المنطقة انتظرت الرد وكم طال الانتظار... سنة إن لم يكن أكثر. وبعد طول انتظار وشعوري باليأس قمت بمراجعة المجلس البلدي الشمالي والتقيت إحدى الموظفات مع أحد المهندسين وبعد أن أخبرتهما بقصة طلبي وبعد البحث أفادوني بأنه لا يوجد طلب لي في الأساس! سألتهم كيف ذلك والممثل البلدي تسلم الأوراق وحضرت مجموعة منهم وقاموا بالكشف والتصوير... أيعقل أن يأتوا من دون وجود طلب؟ أجابوني أنهم من المحتمل أن يكونوا مبعوثين من البلدية وليس من قلبهم. فسألتهم: الذي تسلم الأوراق ممثل البلدي الشمالي شخصياً فكيف يكون من أتى من قبل البلدية؟! عموماً بعد شد وجذب طلبوا مني العنوان مرة أخرى، أي انني سأضطر إلى تقديم طلب جديد بعدما انتظرت لأكثر من سنة فلم يكن لي خيار سوى الموافقة مضطرا بعد أخذ وعد منهم بأنهم سيأتون للكشف في حدود الأسبوعين أو الثلاثة على الغالب... وانتظرت إلى الآن بعد مضي أكثر من ثلاثة شهور ولا حس ولا خبر وكلما راجعتهم بالهاتف أفادوني بأن المهندسة لا وقت لديها وأن الطلبات كثيرة وعليّ الانتظار وليتهم يعلمون مدى المعاناة والمأساة التي أعانيها. فساعات العمر تمضي والأولاد يكبرون معي في الغرفة نفسها ووالدتي المسكينة تعيش في حجرة لا تقيها أمطار وبرد الشتاء فإلى متى الانتظار يا مسئولي هذا المشروع؟!
منذ أيام صدرت أوامر من سمو رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة حفظه الله ورعاه بإلغاء الزيادة المقرة في أسعار اللحوم، بما يعادل مئة فلس للكيلوغرام الواحد... كما أمر بمواصلة الدعم الحكومي للحوم، وبالتالي خرج الجزارون وعامة الشعب من زوبعة ولربما مسيرة كنا في غنى عنها، إذ إن لدينا من المسيرات ما يكفي لتغطية سنوات مقبلة، بما أنها أصبحت الحل الأول والأسرع!
ونحن هنا بصدد الحديث عن الكيلوغرام الواحد من اللحم، ما يغذي عائلة مكونة من سبعة أشخاص على أقل تقدير، غير آكلة اللحوم طبعا. أما الزيادة الأخرى التى حدثت وفي الفترة نفسها تقريبا فهي الزيادة في أسعار الكعك بواقع مئة فلس للقطعة الواحدة، ما يساوي قيمة خمسة أقراص من الخبز، ويغذي خمسة أشخاص! ما حدث غريب فعلا وغير مقبول من جميع النواحي وجميع المقاييس، برر باعة هذه البضاعة أن هذه الزيادة في الأسعار سببها ارتفاع أسعار الطحين! ولو افترضنا أن هذا الادعاء صحيح وأن أسعار الطحين قد ارتفعت فعلاً فهل هذا الارتفاع يبرر هذه الزيادة المفاجئة والخيالية التي تعادل 50 في المئة على السعر السابق؟! أعتقد أن ما يحدث شيء يرفضه العقل.
ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء، ماذا سيفعل البحريني بهذا الراتب المتواضع؟!
أخبرتني إحدى الصديقات بأن صواني الكعك أصبحت لا تمس، إذ تحولت إلى مادة للعرض والزينة، إذ انقطع الناس عن شرائها وذلك بسبب هذه الزيادة المجحفة... فما كانت تشتريه بسعر دينار ومئتي فلس ارتفع سعره ليصبح ديناراً وثمانمئة فلس بفارق ستمئة فلس، أي ما يعادل ثلاث قطع من الكعك! ما يحدث ليس عدلاً، البحريني لا يستحق هذه المعاملة ولا يستحق هذا الابتزاز، أين جمعية حماية المستهلك مما يحدث على الساحة؟ هل يقتصر دورها على التقصي في الأمور بعد ارتفاع الأسعار؟ متى نحل الأمور قبل تحولها إلى مشكلات وقبل تفاقم وتضخم الوضع؟ الأسئلة كثيرة وتحتاج إلى الكثير من البحث والتقصي وأتمنى أن يصل مقالي إلى من يعنيهم الأمر لأخاطبهم فأقول: إذا كان في الإمكان خفض أسعار اللحوم بواقع مئة فلس للكيلوغرام الواحد، فلا أعتقد بأن هذا غير ممكن مع قطعة من الفطائر بالكاد تغذي شخصاً واحداً؟!
أميرة بوحمي
العدد 1247 - الجمعة 03 فبراير 2006م الموافق 04 محرم 1427هـ