في الشهر الماضي تحدث النائب محمد آل الشيخ الى «الوسط» متهماً الحكومة بأنها تسعى إلى ضرب الحركة النقابية وتشتيتها بمقترحات «مضادة»... وقال إن الاتفاق الدولي رقم 87 المعني بالحرية النقابية والذي اعتمدت الحكومة عليه في تعديلاته الجديدة على قانون النقابات العمالية يشترط أن «لا تكون هناك تعددية نقابية في الأسواق العمالية الصغيرة»، مشيراً إلى أن البحرين تعتبر من الأسواق الصغيرة والقطاع الخاص بها من القطاعات البسيطة مقارنة بالأسواق العالمية الكبرى.
وأشار آل الشيخ إلى أن الحكومة البحرينية لم تصادق على اتفاق 87 (الحرية النقابية وحماية حق التنظيم) إلا انها تعمل به بشكل مغلوط، موضحاً أن بنود الاتفاق أشارت إلى التعددية النقابية، إلا أنها اشترطت أن تكون في الأسواق العمالية الكبيرة وليست الصغيرة. وقال آل الشيخ: «هل يمكن لأقل من 300 عامل في مؤسسة بالقطاع الخاص تشكيل أكثر من نقابة عمالية ومن ثم يحق لهم أيضاً تشكيل أكثر من اتحاد عمالي؟»، داعياً الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين والنواب الى تشكيل «ائتلاف نيابي نقابي» لمواجهة سعي الحكومة الهادف إلى «ضرب الحركة العمالية». تمهيداً لرفض مقترحاتها، كما فعل من قبل في المقترح الأول الذي رفض من قبل لجنة الخدمات ورفعت التوصية للنواب. آل الشيخ يتحدث من داخل البحرين، في العام 2006، وهو استطاع ان يتحدث ويدافع عن حقوق العمال لأن تاريخ البحرين له عمق نضالي وانتفاضات شعبية، تأتي انتفاضة مارس/ آذار 1965، وانتفاضة التسعينات ضمن سلسلة ذهبية من الجهود البحرينية.
«الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين» تأسس بعد انتفاضات متتالية، وعقد مؤتمره الأول في الفترة من 12 وحتى 13 يناير / كانون الثاني 2004 مستهدفاً تأطير الحركة النقابية البحرينية. والقيادي في التيار الديمقراطي اليساري عبدالرحمن النعيمي تحدث العام الماضي في الذكرى الأولى لتأسيس الاتحاد العام لنقابات العمال عن دوره المرتقب في العملية الإصلاحية، وأشار الى ان ولادة الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين توج «مسيرة حافلة بالنضالات لعمال البحرين»، مسلطاً الاضواء على النجاحات الكبيرة التي حققتها حركتنا العمالية والنقابية، كاشفاً مواقف قوى المجتمع والسلطة في آن واحد. وذكر النعيمي «ان الحاجة ماسة الى تسجيل ذكريات كثرة من المناضلين العمال الذين اسهموا في وضع لبنات هنا أو هناك في هذه المسيرة الصاعدة التي لا يمكن عزلها عن النضالات البطولية للحركة الوطنية سواء في مراحلها الأولى أو في المراحل الأخيرة. ولابد من الاشارة الى ضرورة تجاوز الحساسيات بين اطراف العمل الوطني الديمقراطي في هذه القضية، فمن الطبيعي ان تكون قراءة الأحداث من زوايا مختلفة ومن مواقع مختلفة من قبل المساهمين في هذه الحركة على ضوء الالتزام الفكري أو الصراع او التحول الذي جرى في الحركة الوطنية».
وفي كتابه «البحرين 1920 - 1971» كتب المعارض سعيد الشهابي في الفصل الثامن تلخيصاً لمجريات الحوادث في عقد الستينات من القرن الماضي. وقال إن عود الثقاب الذي أشعل الانتفاضة كان «قرار شركة نفط البحرين (بابكو) تسريح مئات الموظفين من أعمالهم، فأعلن بقية العمال (وعددهم نحو 500 شخص) في 9 مارس الإضراب العام احتجاجاً على فصل زملائهم، وأعلن الطلاب إضراباً عاماً تضامناً مع موظفي شركة النفط، وبدأ بذلك مسلسل من الإضرابات والمظاهرات استمر نحو ثلاثة أشهر انتشر التوتر خلالها في البحرين، وشهدت شوارع المدن والقرى من العنف ما لم تشهده خلال أية اضطرابات أخرى، ويدرك الذين عاصروا الأحداث حقيقة ما حدث ويحملون في ذاكرتهم صوراً من التطورات اليومية على صعيد المواجهة بين الشعب والحكومة».
ونقل عن صحيفة «الغارديان» البريطانية الصادرة في 23 مارس 1965 «أن حكومة البحرين أعلنت أن على جميع أصحاب المتاجر فتح متاجرهم... وإلا فستسحب سجلاتهم التجارية، كما سيقدمون إلى المحاكمة. وكان هناك إضراب عام حدث بعد توقف العمل بشركة نفط البحرين التي حدثت فيها اضطرابات بسبب الاستغناء عن بعض العمال البحرينيين».
وفي مقال لها في 18 مارس 1965 ذكرت صحيفة «الديلي تلغراف» البريطانية «إن الإضرابات مستمرة لليوم الخامس على التوالي، وان قوات الأمن اعتقلت أعداداً أخرى من الناس، وان المتظاهرين في المحرق كانوا يطالبون بإطلاق سراح 60 شخصاً في الأسبوع السابق». كما أشارت إلى «أن البريطانيين قلقون ويخشون أن تكون الاضطرابات محركة من الخارج طمعاً في نفط الخليج». وأكدت كذلك «أن البريطانيين كانوا مستهدفين من قبل المتظاهرين».
هذه التطورات الميدانية - بحسب الشهابي - كان أساسها إضراب عمال النفط احتجاجاً على فصل بضع مئات منهم من قبل إدارة الشركة، ثم إعلان الطلاب تضامنهم مع الحركة العمالية وخروجهم في مظاهرات كبيرة طيلة الأسابيع الثلاثة التي أعقبت قرار العمال بدء إضرابهم في 9 مارس. التنظيمات السياسية ذات الاتجاه اليساري التقت في بداية الأمر وطرحت نفسها ضمن جبهة واحدة سمتها «جبهة القوى التقدمية»، وأصدرت هذه الجبهة بياناً في 15 مارس 1965 حددت فيه أهداف الحركة بالنقاط الآتية:
1- إيقاف الفصل التعسفي وإعادة المفصولين إلى وظائفهم.
2- الاعتراف للعمال بحق تكوين نقابات خاصة بهم.
3- رفع حال الطوارئ التي تعيشها البحرين منذ العام 1956 والسماح بحرية الصحافة وحرية التجمع والكلام والتظاهر.
4- إطلاق سراح المسجونين السياسيين والسماح بعودة المنفيين وإيقاف الملاحقات والمطاردات.
5- فصل الموظفين البريطانيين والأجانب من جهاز الشرطة وتصفية جهاز القمع والتجسس والمباحث.
6- تشكيل لجنة للقيام بالنظر في شئون العمال على أن يشترك ممثلون عن العمال يتم انتخابهم من قبلهم في اللجنة، ويكون عمل اللجنة النظر في شئون جميع العمال وليس عمال شركة النفط فقط.
7- تشكيل لجنة يشترك فيها العمال والطلاب للتحقيق في حوادث إطلاق النار التي أدت إلى قتل وجرح المتظاهرين في المحرق والمنامة والرفاع الشرقي وسترة، وغيرها من المناطق الأخرى ومعاقبة المسئولين عن هذه الحوادث.
لم ينتهِ إضراب عمال شركة النفط إلا في نهاية شهر مارس 1965، بينما استمرت المظاهرات الطلابية عدة أسابيع وكانت مدارس المنامة والمحرق منطلقاً لتلك المظاهرات، واضطربت جداول الامتحانات النهائية لذلك العام بسبب استمرار المظاهرات.
الانتفاضة العملية شهدت سقوط ما بين 10 و15 شخصاً من أبناء الشعب في انتفاضة الستينات، من بينهم: جاسم خليل عبدالله، عبدالنبي محمد سرحان، عبدالله سعيد سرحان (14 مارس 1965)، عبدالله بونفور (24 مارس 1965)، عبدالله الغانم (22 أبريل 1965)، فيصل عباس القصاب (14 أبريل 1965)، وآخرون ضحوا بما لديهم من أجل ان تنعم البحرين بعدالة وكرامة انسانية.
العدد 1278 - الإثنين 06 مارس 2006م الموافق 05 صفر 1427هـ