العدد 1288 - الخميس 16 مارس 2006م الموافق 15 صفر 1427هـ

غزو العراق ومشقة رأب الصدع بين جانبي الأطلسي

على رغم مرور ثلاثة أعوام على الصدام العلني بشأن غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة مازال صناع السياسة الأوروبيون والأميركيون منهمكين في مهمة شاقة لرأب الصدع في علاقاتهم المضطربة.

وأسفرت الجهود المضنية التي يبذلها الجانبان من أجل استعادة الثقة في العلاقات عبر الأطلسي عن بعض النجاحات المهمة.

ففي مفارقة كبيرة عن مشاداتهما الكلامية بشأن الحرب على العراق التي عارضتها فرنسا وألمانيا وبلجيكا والكثير من الدول الأوروبية الأخرى، يعمل المسئولون على جانبي الأطلسي حاليا جنبا إلى جنب في نزع فتيل التوتر في منطقة الشرق الأوسط وكبح طموحات إيران النووية.

ونجحت المستشارة الألمانية الجديدة أنجيلا ميركل في تحسين العلاقات مع إدارة الرئيس بوش لتنهي بذلك سنوات من التوتر في العلاقة بين برلين وواشنطن. لكن في الوقت الذي تسعى فيه الحكومات على جانبي الأطلسي لتناسي خلافات الماضي يحذر المسئولون والمحللون في بروكسل من أن رجل الشارع في أوروبا لايزال متوجسا إزاء السياسة الخارجية الأميركية. ولاتزال استطلاعات الرأي تكشف عن استياء الأوروبيين من لهجة واشنطن في إطار «الحرب على الإرهاب» والشكوك بشأن الاستراتيجية الأميركية لما بعد الحرب على العراق وتزايد الانتقادات فيما يتعلق بالتعامل مع المعتقلين في معتقل خليج غوانتنامو بكوبا. وأثرت أيضا مزاعم عن أن وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي. آي. إيه) تدير سجونا سرية في أوروبا بالسلب على صورة واشنطن في أوروبا. ويقول فريزر كاميرون من مركز السياسة الأوروبية وهي منظمة مستقلة مقرها بروكسل إن «الصور السلبية لأميركا مستمرة في أوروبا». ويضيف كاميرون أنه مع تزايد عدم الثقة الشعبية تجاه السياسة الخارجية الاميركية فإنه ينبغي للساسة الأوروبيين أن يكونوا حذرين بالنسبة إلى الحد الذي سيذهبون إليه في إعادة بناء جسور العلاقات مع الولايات المتحدة. ويعترف الدبلوماسيون الأوروبيون بوجود فجوة واسعة بين خطوات صناع السياسة الذين يريدون تعاونا وثيقا مع الولايات المتحدة ونظرة الشعوب الأوروبية للولايات المتحدة. ويقول دبلوماسي أوروبي كبير بشيء من الحذر «إن شكوك المواطنين الواسعة تجاه الولايات المتحدة والتي تسبب فيها مسلسل العراق مازالت قائمة وتزداد اشتعالا بفعل ما يعتبره كثيرون فشلا للسياسة الأميركية في العراق».

ويختلف سمير سعد الدين مع هذا الرأي متسائلا باستنكار عن «أي نوع من الحياة يعيشها العراقيون في الوقت الراهن؟»، مشيرا في هذا الشأن إلى أنهم باتوا يفتقرون إلى الكهرباء والماء. وقال سعد الدين إن الأميركيين تعهدوا بإعادة توفير هذه الخدمات إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن. اتهام آخر للاميركيين يوجهه جاسم زغاير وهو يجلس على أحد مقاهي وسط المدينة إذ يقول إن الولايات المتحدة جاءت إلى العراق وهي تحمل في جعبتها سياسة طائفية مشيرا إلى أن مجلس الحكم الذي أقامته واشنطن وما تلاه من حكومات في بغداد اعتمد على هذه السياسة. وأضاف بالقول إن العراقيين هم من يتحملون في الوقت الراهن عواقب هذه السياسة. وخلال الشهور القليلة الماضية اتخذت أعمال العنف في العراق شكل مواجهة مذهبية بين السنة العرب والشيعة. ودفعت هذه المواجهة الكثير من المحللين إلى توقع نشوب حرب أهلية. وقال زغاير إن الاميركيين زرعوا الفتنة مضيفا أنه يأمل ألا يجني الاميركيون حصاد ما زرعوه في هذا الصدد.

أما بعض الموظفين الحكوميين الذين عانوا خلال الأعوام الـ 14 التي فرضت فيها الأمم المتحدة عقوبات على العراق فيرغبون فقط في نسيان تلك الأعوام المؤلمة.

وعقب الإطاحة بنظام صدام حسين أجرت السلطات الاميركية إصلاحات على رواتب نحو مليون من موظفي الحكومة وهو ما أدى لزيادة هذه الرواتب بشكل كبير.

ومن بين هؤلاء الموظفين هناء زكي التي تعمل كاتبة في وزارة الثقافة إذ تقول إن الحرب غيرت حياتها بشكل كامل إذ بات بمقدورها حاليا أن توفر كلف ما تحتاجه. ويبلغ راتب هناء في الوقت الحالي 600 ألف دينار عراقي شهريا (400 دولار) مقارنة براتبها قبل الحرب الذي لم يكن يتجاوز 35 ألف دينار. ولكن الأمر بالنسبة إلى أشخاص آخرين مثل محمود عزيز الذي يعمل في وزارة الكهرباء يختلف إذ يرى هذا الرجل أن الزيادة التي طرأت على راتبه لا تكفي لمواجهة الارتفاع الهائل الذي تشهده أسعار إيجار الشقق أو شرائها في بغداد.

ويشير في هذا الصدد إلى أن إيجار شقته ارتفع ثلاث مرات في ثلاثة أعوام وهو ما يجعل أي زيادة في راتبه بلا قيمة فعلية. وعلى رغم هذه الصعوبات مازال الكثير من العراقيين يأملون في مستقبل أفضل. وتقول سعاد إبراهيم التي تعمل معلمة في مدرسة ابتدائية إن العراقيين لديهم الذكاء الكافي لتنحية خلافاتهم جانبا إذا ما كانت بينهم أية خلافات من الأصل مشيرة إلى أن أهم ما في الأمر هو أن أيام صدام السوداء قد ولت. غير أن رجلا طاعنا في السن رسم صورة قاتمة للعراق إذا ما بات اندلاع الحرب الأهلية وشيكا. وقال الرجل رافضا ذكر اسمه إنه إذا ما بدأ العراقيون في محاربة بعضهم بعضاً سيصبح عهد صدام «للأسف الشديد» عصرا ذهبيا بالنسبة إلى الجميع مشيرا إلى أن حدوث ذلك سيجعل العراقيين يصبون لعناتهم على الأميركيين حتى يوم القيامة

العدد 1288 - الخميس 16 مارس 2006م الموافق 15 صفر 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً