في ذلك اليوم «المشئوم»، قررت أن «أطاوع» صديقة لي وأذهب معها لمشاهدة عرض فيلم توثيقي عن النساء وإنجازاتهن بعد أن حصلنا على دعوة خاصة. ولأننا لا نعرف «شنو سالفة الفيلم بالضبط»، وكل ما سمعناه أنه يعرض إنجازات النساء، أخذتنا «الحمية النسائية» وقلنا «خلنا» نحضر الفيلم، يمكن يلهمنا بأشياء.
المهم، ذهبنا في الموعد المحدد، واستغربنا الاستقبال «الحافل» والمنظم من بداية القاعة وحتى أجلسونا في «مقاعدنا المخصصة»، وكان المكان كله يعج بالحضور، وما في «مقعد فاضي»، ولما تلفّت حولي، رأيت الحضور كلهم من «الكباريّة»، والوجوه «اللي نشوفها في الجرايد كل يوم». تفاءلت خيراً بنصيحة صديقتي، وقلت لها أكيد اليوم «وناسة، كل هالعالم حاضرين يعني أكيد الفيلم روعة».
المهم، بدأ الافتتاح بالكلمات التي تشوقنا للفيلم، وتذكر محاسن وتاريخ مخرجه «الأمير كي» العظيم، واللي ترك موضوعات الدنيا كلها، وركز على «المرأة الخليجية والبحرينية» حتى «يسوي» عنها تحفته الفنية.
وزادت جرعة التشويق عندي أنا وصديقتي، وقلت يا سلام، أخيراً سيرجع للمرأة البحرينية مجدها، ونشاهدها في فيلم ما «بطلة» يضرب بها الأمثال، وتحتذي بها الأجيال.
بدأ الفيلم، بموسيقى «غربية» صاخبة أولاً، تشعر معها أن الحرب ستقوم، أو أن الأحداث تتصاعد بقوة، على رغم أن المشهد لا يعدو سياقة إحدى البطلات السيارة لتتجه إلى المنزل الذي صور فيه الفيلم... كله.
بدأ الفيلم، وانتهى، في موقع واحد، وبمشهد واحد، وبنفس الأشخاص. التقت بطلتنا بعدد آخر من «البطلات» النساء في منزل إحداهن، وبدأ الحديث ليقدم نصائح «حصيفة» للبطلة الأولى صغيرة السن، من النساء اللاتي من المفروض أنهن مثال كبير للإنجاز النسائي في الخليج.
الفيلم الرائع، لم يكن أكثر من مقابلة، تتفوق عليها في أحيان كثيرة المقابلات التلفزيونية «التحفة» التي يقدمها تلفزيون البحرين، بل إن تلفزيوننا العظيم، لو كان أعد المقابلة، ربما كان «عبرنا» نحن المشاهدين وأخبرنا «ليش اختار هؤلاء النساء بالذات»، و«ما هي قصتهن»، بدل أن «يفرض علينا شخصيات لا نعرفها».
وكنت طول الفيلم، أنا وصديقتي، وباقي المشاهدين الذين يملأون القاعة بالتأكيد، شاخصين بأبصارنا، ننتظر أن يحصل شيء، أي شيء في الفيلم الرائع، الذي لا هو توثيقي، ولا هو حدثي، ولا ندري ما هي قصته. فالمقابلة تقطع فجأة، ليعرض الفيلم مقطعاً «كلامياً» بصور «ما أعرف من وين يابوها» لتاريخ النساء في الإسلام، ونرجع للمقابلة، ثم فجأة يقطع الكلام، ليعرض مقطعاً كلامياً آخر من تاريخ نساء الخليج، وهكذا، حتى انتهى الفيلم.
المصيبة، أن الفيلم كله باللغة الإنجليزية، على رغم أن مخرجه وطاقم العمل يؤكدون أنه موجه إلى «الفتيات الخليجيات» صغيرات السن؟ وسألت نفسي، ثم صديقتي، يا جماعة هل نحن عرب أم إنجليز؟ عموماً، «فوّتْنا هالملاحظة» لأن طاقم الإنتاج «يقول» إنه سيضع ترجمة «عربية» للفيلم فيما بعد، «يا زعم الفيلم أجنبي يعني!».
ما علينا، انتهى الفيلم، وبدأت القاعة تضج بالتصفيق الحار، وقام المخرج الأميركي الرائع بعرض طاقم إنتاجه المبدع فرداً فرداً، كاتب الفيلم «وكأن للفيلم قصة تكتب»، المصور، الإضاءة، الموسيقى، الصور، لم يترك صغيرة أو كبيرة قام بها أي أحد إلا وذكرها، يعني باختصار الفيلم كان نصف ساعة، وهو تحدث ساعة عن طاقم الإنتاج.
ثم بدأ دور الحضور في الأسئلة والتعليقات، وكان التعليق الأول من إحدى الفتيات الحاضرات التي قالت «that was amazing »، وصارت تصرخ بحماس وتمجد في الفيلم وصانعيه وممثليه، وكنت أطالعها وأنا فاغرة فاهي «بالمعنى الحرفي للكلمة»، وأقول في نفسي «شنو هذا الـamazing» لايكون كنا حاضرين فيلم ميل جيبسون وأنا ما أدري. وانتهت الأخت، ولحقتها التعليقات الأخرى، الكل يمدح الفيلم، الكل يقول إنه رائع وأنه «أفضل إنتاجات الموسم»، وأنا أقول في نفسي، هل كنا حاضرين نفس الفيلم، أم أن الجماعة كلهم «ما شافوا» أفلام من قبل، أم انني لا أفهم في الأفلام أصلاً. بصراحة أنا «حسيت» اني في فيلم لما انتهى الفيلم، لأن الحضور والتعليقات كانت تمثيلاً بارعاً ومتقناً جداً.
وخفت أن أقول تعليقاتي حتى لا يتهمني الحضور بالتجني، وأني ضد المرأة، وخفت أن أقول للجماعة «يا إخوان ما في داعي ناخذ مخرج أميركي حتى يصور لنا إنجازات نسائنا، وأن ما تفعلونه فينا هو تغريب حقيقي». وخفت أن أقول لهم اذهبوا للشوارع، والقرى والمدن، في البحرين وفي الخليج لتجدوا قصصاً رائعة لنساء صارعن كل شيء، حتى المجتمع، من أجل مبدأ ما. وخفت أن أقول لهم أيضاً إن أبسط طريق للوصول إلى الشابات الصغيرات، هو أن ننقل لهن قصة ما تلهمهن، وأن ما فعله المخرج الأميركي لن يلهم أحداً، لأن المشاهدين (ومنهم أنا) لا يعرفون في البداية ما هي قصة النجاح التي حققتها السيدات بطلات الفيلم.
ولأنني لم استطع أن أقول أياً من ذلك، قررت الخروج بكرامتي حتى لا «يطردوني» من القاعة، وفي نفسي سؤال وددت أن أسأله المخرج عندما قال إنني صنعت هذا الفيلم، كنت أريد أن أقول له: «Are you kidding?»
العدد 1297 - السبت 25 مارس 2006م الموافق 24 صفر 1427هـ