شكت مجموعة من أعضاء المجالس البلدية من استمرار سياسة التهميش والتقويض التي تمارسها الحكومة ضدهم، فضلاً عن امتعاضهم من انشغال الجمعيات السياسية التي دفعت بهم إلى المجالس البلدية، ومن ثم تركتهم للتفرغ لأجندتها السياسية وقضايا أعضائها من النواب، كما لم ينسوا أن يذكروا إجحاف مجلس النواب بحقهم، حتى أنه لم يبادر لتعديل قانون البلديات الذي يحد من الصلاحيات والممارسات التشريعية. ومن جهته أكد عضو مجلس بلدي الشمالية جمعة الأسود « أنها أكبر وزارة تقف أمام تطور العمل البلدي والارتقاء به نحو الأفضل».
الوسط - أحمد الصفار
اتفقت غالبية الأعضاء البلديين على وجود تهميش صارخ لهم من قبل بعض الوزارات الخدمية، التي تتصدرها «الكهرباء والماء» و«الإسكان» و«الإعلام»، مؤكدين أن عدداً من الجمعيات السياسية انشغلت بأجندتها السياسية وبالأزمة الدستورية فنسيت أن لديها أعضاء في المجالس البلدية بحاجة إلى دعمهم في ظل وجود قانون معوق وصلاحيات محدودة، على حد تعبيرهم.
كما أبدى البلديون استياءهم الشديد من الإهمال والتحجيم الذي يمارسه مجلس النواب تجاه قضاياهم الحساسة والمفصلية، ومنها توسيع أدوات وصلاحيات المجالس في قانون البلديات، وتوفير ضمان اجتماعي يحفظ للبلديين كرامتهم الإنسانية، على اعتبار أن مجموعة كبيرة منهم تركت وظائفها الحكومية والخاصة من أجل خدمة المواطنين وتوفير احتياجاتهم، ومن حقها أن تحتسب لها سنوات الخدمة في العمل البلدي.
تأخر المشروعات الإنشائية
من جهته، أعرب نائب رئيس مجلس بلدي المحرق مبارك الجنيد، عن تذمره من تأخر بعض الوزارات في تنفيذ المشروعات الإنشائية في بعض الدوائر، وتجاوز المواعيد المقررة للانتهاء منها، ما يتسبب في تسرب اليأس إلى نفوس الأهالي، فيشعرون بالخيبة وعدم الرضا عن أعضاء المجلس لأنهم لم يحققوا ما وعدوا به.
ولفت إلى أن عدداً من الوزارات لم تعرض برامجها التي ستتم خلال العام الجاري والأعوام المقبلة على المجالس، حتى يتسنى لها التعليق عليها وتعديل ما يمكن تعديله بحسب حاجة الأهالي، فضلاً عن عدم وجود لجان تنسيقية ما بين المجالس البلدية والوزارات لمناقشة الموضوعات ذات الأهمية، وإذا ما وجدت هذه اللجان فإنه لا يمكن الالتقاء معها، متمنياً تحديد ممثل لكل مجلس في اللجان التنسيقية مع الوزارات.
وذكر الجنيد، أن بعض الوزارات لا تعرض مشروعاتها على الأعضاء البلديين في الوقت المناسب، لإتاحة الفرصة لإبداء الرأي ومشاركة الأهالي فيها.
ضعف الإعلام الرسمي
أما عضو مجلس بلدي المنامة سيدجميل كاظم، فقد رأى أن التهميش يكمن في الجهات الرسمية، لضعف تعاطيها من الناحية الإعلامية مع جلسات المجلس البلدي وقراراته وتوصياته والمشكلات التي تعترض مسيرة عمله، إلى جانب أنها لا تدعم مشروعات المجلس ومقترحاته وخصوصاً مع الوزارات الخدمية، التي ترتب أولوياتها وبرامجها بعيداً عن مقترحات ومرئيات المجالس، وهو مخالفة صريحة لاختصاصات المجلس البلدي بحسب قانون البلديات.
وأوضح كاظم أن غالبية أعضاء مجلس النواب يعرفون مدى التحديات التي تواجهها المجالس من جهة تداخل الاختصاصات، وترتيب الأولويات، وتقصير كثير من الوزارات في التنسيق مع المجالس، وامتيازات الأعضاء البلديين المحدودة، غير أن جميع هذه الموضوعات مهمشة على طاولة النواب، وعلى رغم أن بعض الكتل لها ممثلون في المجالس البلدية، فإنها بمنأى عن الاهتمام بالتحديات التي تواجهها المجالس من قانون محدود الصلاحيات وموازنات قليلة تدعم عمل المجالس، ولا تفكر حتى في مساءلة الوزراء بشأن تقصيرهم في التعاطي مع مشروعات المجالس البلدية.
وأكد عضو «بلدي المنامة» أن الجمعيات السياسية ليس لديها اهتمام يذكر بنجاحات وإخفاقات المجالس، وقد تكتفي بالنقد من بعيد، مبيناً أن جمعية «الوفاق» التي تمثل الكتلة الأكبر في المجالس، لم تهتم الاهتمام المطلوب بسير عمل أعضائها وذلك بحكم تداخل الأولويات لديها وتغليب الملف الدستوري والسياسي على الملف الخدماتي.
إهمال رسائل البلديين
إلى ذلك، قال عضو مجلس بلدي الشمالية جمعة الأسود: «التهميش من الوزارات الحكومية أمر واقعي، فبعضها لا يرد على رسائلنا وأحياناً عند التحدث عن مشكلة معينة يعاينون المشكلة لحلها من دون الرجوع إلى المجالس، في حين نجد أن الوزارة الوحيدة التي قدمت برامجها هي وزارة «الأشغال» فيما يتعلق بالطرق والمجاري، أما باقي الوزارات فلم تقم بتقديم أي برنامج يمكن للمجالس أن تتفق معها عليه».
وأردف «وإذا جئنا إلى الجمعيات السياسية، فلا أعتقد أنها أهلت نفسها للتعامل مع البلديين، فقد انشغلت بالملفات السياسية وأهملت العمل البلدي، وأغفلت مساندة أعضائها الذين يمثلونها في المجالس، ولم توضح للمجتمع الصورة البلدية عن المجالس من ناحية الصلاحيات والإمكانات، كما أنها لم ترفع الاتهام بالتقصير عن البلديين». وأضاف «أود أن أوضح أن وزارة الإعلام هي أكبر وزارة همشت البلديات، فنصيب مجلس بلدي الشمالية دقيقتان من البث التلفزيوني فقط، ومع تخييم أجواء المقاطعة من قبل بعض من الجمعيات السياسية للبرلمان، فإن ذلك أثر على علاقتنا مع البرلمانيين، وأتاح الفرصة للآخرين لكي يتدافعوا على تقديم الخدمات بدلاً من الانشغال بالتشريع ومراقبة الحكومة».
فلسفة المجالس غير مفهومة
وألمح نائب رئيس مجلس بلدي المنامة طارق الشيخ، إلى أن التهميش جاء تباعاً لضعف صلاحيات قانون البلديات، وهو ما جعل البلديين في زاوية محصورة، إضافة إلى أن معظم الوزارات الخدمية لم تتفهم حتى الآن فلسفة المجالس والمبنية على إيصال صوت المواطن إلى المسئولين في الوزارات المعنية، ولم تستوعب حقيقة المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، بمعنى أنها أخرت مشروعات المجالس ولم تتفاعل معها وعطلت تنفيذ رغبات وتطلعات الأهالي. وتحدث الشيخ عن بعض النواب المتسلقين الذين يصعدون على أكتاف البلديين واختصاصات المجالس، والذين هم غير متفهمين لتخصصهم فيلجأون إلى الخدمات البلدية للوصول إلى قلوب الناس حتى يتم انتخابهم من جديد.
وبيّن نائب رئيس «بلدي المنامة»، أن الجمعيات السياسية تعمل على استحياء في دعم المجالس البلدية، ولا تولي المجالس الاهتمام المطلوب، فعملها منصب على العمل السياسي والنيابي، داعياً الحكومة إلى تدارك قصور وزاراتها الخدمية.
نواب برتب عالية
وصولاً إلى عضو مجلس بلدي المحرق صلاح الجودر، فقد جزم بعدم وجود أي تعاون من قبل النواب مع البلديين، لأنهم يرون أنهم أعلى من المجالس، لذلك لم يبدوا أي استجابة حتى في موضوع يمس شرائح المجتمع كمسألة البيوت الآيلة إلى السقوط.
واتفق مع نظرائه من الأعضاء على أن الوزارات في بداية العمل البلدي في العام 2002، كانت تهمش المجالس بصورة كبيرة، ولكن في نهاية السنوات الأربع بدأت بعض الوزارات مثل «الأشغال» في تحريك بعض الملفات، و«الكهرباء» في إنارة الطرق، وبالنسبة إلى وزارة البلديات كان هناك تهميش من المسئولين في الوزارة ولكن الأمور بدأت تتحسن في الوقت الحالي إذ تحركت المشروعات وبدأت تنفذ، لأن الوزارات تفهمت دور المجالس.
الانشغال بالمسألة الدستورية
من جانبه أشار عضو مجلس بلدي الوسطى إبراهيم حسن، في تعليقه على وضع العلاقة المشتركة بين البلديين والجهات المختلفة، إلى أن الجمعيات السياسية انشغلت بأمور وجدت أنها أكثر أهمية، وتحل مشكلات كثيرة بالنسبة إلى المواطنين، تأتي في مقدمتها المسألة الدستورية وما يتفرع منها، ما صرف أذهانهم عن الاهتمام بالشأن البلدي.
ونوه حسن، إلى أن التهميش الحكومي واضح، على رغم تعالي الشكاوى من قبل المجالس البلدية، فلم يخطر على بال الحكومة معالجة المشكلات ولو بشكل ملحوظ، في الوقت ذاته لا تتعاطى بعض الوزارات مع المجالس بصورة صحيحة، تتقدمها «الكهرباء والماء» و«الإسكان» ودوائر أخرى أيضاً، وهناك موضوعات عالقة مع «الإسكان» ولكن لم ألاق أي تجاوب من قبلها، ولا يوجد أي تحرك لحلحلة الوضع، وهذا التهميش سينعكس مستقبلاً على الانتخابات البلدية، إذ سيفقد المواطن الثقة بالمجالس ودورها، محملاً الحكومة معاناة المجالس وشعورها بالتهميش.
حداثة التجربة وواقعها
وعن وجهة نظره في هذا الموضوع رأى رئيس مجلس بلدي الشمالية مجيد السيد علي، أن الجميع كان جديداً على تجربة العمل البلدي، بما فيهم الجمعيات السياسية والأعضاء البلديون، إذ سيطر على الوضع، عدم معرفة التفاصيل للتعاطي مع تلك التجربة خلال العامين الأولين، فحدث تخبط كبير في أداء الأعضاء، بينما جاءت التصريحات الصحافية على مستوى شخصي وليس جماعي، إلا أنه مع مرور الوقت استطاع البلديون من دون دعم أي جهات، أن يتأقلموا ويتفهموا المشروع والقانون، معتقداً أن على المراقب أن يشهد أن أداء البلديين تحسن خلال العامين الماضيين.
فيما تطرق في حديثه إلى الجمعيات السياسية الأخرى التي لم تهتم بالبلديين وركزت على النواب، مشيراً إلى أن هذا التصرف يعتبر خللاً ومؤشراً غير جيد لأداء الجمعيات، فالمواطن البحريني يهمه الجانب الخدمي، حتى ان بعض النواب اتجهوا إلى الخدمات فأصبحوا نواب خدمات، وهو ما يعطي فكرة أن العمل البلدي لا يمكن الاستخفاف به أو تهميشه، فمن خلاله يمكن رصد مؤشر رضا الناس وإذا ما كانوا سيرشحون هذا الطرف أو ذاك للانتخابات البلدية أو النيابية.
تقويض وليس تهميشاً
وفي سياق الموضوع ذاته، قال عضو مجلس بلدي الشمالية محمد جابر الفردان: «أنا لا أطلق على ما يجري حالياً مسمى التهميش فقط، بل هو تقويض للعمل البلدي الذي لا يستطيع أن يتحرك، إلا بعد أن تكون له قوة وفعالية لخدمة المجتمع، فالوزارات وأولها شئون البلديات والزراعة، لا تبدي تعاوناً حقيقياً وجدياً لمعالجة المشكلات وتنفيذ البرامج والخطط، ما أثر بصورة سلبية على صدقية أعضاء المجالس».
واستطرد «النواب لم يهتموا بمشروع المجالس وتعديل قانون البلديات الذي لم يعط صلاحيات كاملة أو مقبولة للبلديين، حتى يستطيعوا تحقيق طموحات الأهالي»
العدد 1300 - الثلثاء 28 مارس 2006م الموافق 27 صفر 1427هـ