العدد 1313 - الإثنين 10 أبريل 2006م الموافق 11 ربيع الاول 1427هـ

عبدالرحمن النعيمي: «شهادتي عليكم»...

«الوسط» تسأل: اليسار السياسي في البحرين هو اليوم يسارات، وصراعات... كيف تقرأ اليسار اليوم؟ ما شهادتك على مستقبله؟ ما أوجاعه، وكيف له أن يصل من جديد، وفي ضوء هذه التجاذبات أين يقف اليسار على شتى تفرعاته؟ هل هو كائن سياسي يستند إلى القوى الإسلامية والحكومة؟ أم أنه كائن سياسي بملامح خاصة... شهادتك الكريمة.

تلك سنة الحياة... يسارات وصراعات... كما هو يمينات وصراعات... ووسطات وصراعات.

قد توحد الايديولوجيا معتنقيها بعض الوقت... وقد توحد السياسة أتباعها بعض الوقت... لكننا نشاهد باستمرار بروز خلافات في تفسير النص الديني أو الماركسي أو القومي انطلاقاً من المصالح والمواقع الطتبيقية، وبالتالي ما يجب علينا القيام به من سلوك سياسي أو اجتماعي... ويمكن القول إن الصراع والاختلاف سمة من سمات المجتمعات الحية، وان الركود والجمود والتحجر والتقوقع والتبعية من سمات المجتمعات والأحزاب الراكدة... شريطة أن نعرف كيف ندير الصراع لمصلحة التطور والتقدم وليس لمصلحة تدمير القوى الحية.

إذا كان المقصود باليسار هو الماركسي أو الشيوعي أو الاشتراكي... فقد شهد العالم خلال القرن الماضي وقبله صراعات مستمرة في صفوفه، منذ أيام ماركس ولينين وماوتسي تونغ حتى كاسترو وكيم ايل جونغ... ايديولوجيا وسياسياً... وبرزت الكثير من الفرق والمذاهب... وكل يدعي بأنه الأكثر التصاقاً بالمنبع الماركسي... من الأممية الأولى إلى الثانية والثالثة والرابعة، وبرزت التحالفات المتضادة (الصين والاتحاد السوفياتي، بالإضافة إلى الأطروحات الغيفارية)... حتى سقطت تجربة الاتحاد السوفياتي وبقيت عوالم اشتراكية وجزر اشتراكية قد لا تكون متفقة مع بعضها بعضاً في الوقت الحاضر (الصين وفيتنام وكوبا وكوريا الشمالية)، لكنها وضعت الايديولوجيا في الصف الخلفي، وبات الصراع السياسي ضد قوى الهيمنة العالمية ممثلة في الولايات المتحدة تحتل الصدارة سواء في أميركا اللاتينية التي عرفت كيف يتزاوج فيها لاهوت التحرير مع الماركسية أو كيف تطوع آليات السوق الماركسية أو العكس... أو التحالف الصيني الروسي في الوقت الحاضر لقلب ميزان القوى العالمي...

ليس اليسار في البحرين مختلفاً عن غيره، العربي والأممي، وهو ليس يساراً مبدعاً وإنما هو يسار تابع، سياسياً وايديولوجياً في الفترة السابقة، من دون أن نقلل من القيمة النضالية له ومن تضحياته، ولم يتمكن بعد سقوط الاتحاد السوفياتي أن يدرس بعمق ما جرى ويستخلص الدروس، على الأقل بالنسبة إلى اليسار الرسمي... وأعتقد أن حيوية الحركة السياسية تكمن في صراعاتها من جهة وفي آلية حسم هذه الصراعات، بحيث لا يكون التنظيم أو الجبهة أو الايديولوجية مقدسة في حد ذاتها... نتغنى بها ونصبح طائفيين من طراز معين، سياسيين أو ايديولوجيين... وقد حرصنا في العقد الماضي (1992) على توحيد أبرز فصيلين ماركسيين هما الجبهة الشعبية (وهي بالمناسبة تنظيم فريد من نوعه في التحالفات والاندماجات الكثيرة التي عبّرت عن حيوية التيار القومي الشعبي في البحرين) وجبهة التحرير الوطني... على أساس وحدة البرنامج السياسي الديمقراطي على أرضية تقدمية عريضة... إذ لم يعد ممكناً استمرار الصراع بين الجبهتين على أساس ايديولوجي أو ارتباط خارجي... وشكلنا لجنة التنسيق بين الجبهتين... وكنا نطمح إلى تشكيل حركة ديمقراطية تقدمية جديدة، تعبّر عن معارضة سياسية تستند إلى ارضية ايديولوجية تقدمية عريضة لا تفصح عن نفسها كماركسية لينينية، وإنما تحترم كل الايديولوجيات التقدمية، مستندة إلى الفهم العلمي للتاريخ وتطوره... فشلنا في ذلك (1999)... لكننا حققنا نجاحات مشتركة... مع بعضنا... ومع التيار الإسلامي الشيعي المناضل ممثلاً في حركة أحرار البحرين الإسلامية والجبهة الإسلامية لتحرير البحرين... وبعد عودتنا إلى البحرين حاولنا توحيد الشخصيات والقوى الديمقراطية (القومية بتشعباتها والماركسية بشقيها) في جمعية ديمقراطية واحدة... ونجحنا في مطلع الأمر... ثم اختلفنا وتفرقنا... إذ أراد الإخوة في جبهة التحرير تأكيد هويتهم الحزبية، في الوقت الذي وجدنا في الجبهة الشعبية أنها باتت ملكاً للتاريخ ويجب خلق نموذج آخر... ونحترم خيار كل من اختلف معنا من تحرير وشعبية... لكننا اختلفنا سياسياً بعد ذلك في فهمنا للطبيعة الطبقية للنظام (إذ أكدنا ولا نزال نقول إن الطبيعة الطبقية للنظام لم تتغير ولا يمكن أن تتغير لمجرد تغيير أدائه السياسي) وما قام به من تكتيك بارع خلال العام 2001... حتى صبيحة الرابع عشر من فبراير/ شباط 2002، إذ بدأ الاشكال الدستوري... وما أفرزه من تباين في الفهم بشأن المشاركة في الانتخابات النيابية... وأعتقد بأن جمعية العمل الوطني الديمقراطي التي ينتمي إليها الكثير من الشخصيات اليسارية من شعبية وبعثية ومستقلة قد وضعت مسافة واضحة بينها وبين النظام أكثر من غيرها من الجمعيات ذات المنشأ اليساري، معتبرة أنها يجب أن تدافع عن مصالح الطبقات الشعبية بالدرجة الأساسية وعن مصالح القوى الاجتماعية ذات المصلحة في الحداثة والتقدم، مع الاحترام الكامل للخيارات الايديولوجية التي هي بالضرورة خيارات تقدمية لكنها ليست بالضرورة ماركسية.

أرى أهمية التركيز على الجانب السياسي... واحترام خيارات الأفراد الايديولوجية... فالسياسة تعني أرزاق الناس وحياتهم ونمط العلاقات بينهم وبين السلطة... وعليها يختلفون في حقيقة الأمر، أما الايديولوجيا، وعلى رغم أهميتها البالغة، فإنها منهج لدراسة ومعرفة الواقع وتفسيره... وبالتالي فإن المنهج المادي في تفسير التاريخ لم يعد حكراً على الماركسيين، بل بات منهجاً للتحليل لدى الكثير من المحللين والباحثين وصناع القرار في الكثير من دول العالم وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، إذ إنها أداة ناجحة إلى حد كبير في معرفة الواقع المادي من أجل معرفة الخريطة الطبقية ومصالح الفئات الاجتماعية وما يجب أن تكون عليه السياسات في هذا البلد أو ذلك... وعلاقته مع الدول الأخرى التي تنبع سياساتها من مصالحها الاقتصادية بالدرجة الأساسية، بعيداً عن أية أوهام مثالية لا علاقة لها بالواقع المادي.

من المفيد احترام قناعات النشطاء السياسيين... لكن من المفيد أيضاً التفتيش عن القواسم المشتركة في العمل السياسي على أساس البرامج السياسية... وليس على أساس الايديولوجيا... فنحن على استعداد أن نقف مع كل القوى السياسية المناضلة (الإسلامية والماركسية والقومية وغيرها) ضد الفساد المالي والإداري وكل من قلبه على مصلحة المواطن والبلد، وسنقف ضد كل القوى المدافعة عن فساد النظام أو المطبلة له (سواء كانت إسلامية أو قومية أو ماركسية) ويمكن القول ذاته بالنسبة إلى قناعاتنا في الصراع القومي والأممي ضد الكيان الصهيوني العنصري الاستيطاني في فلسطين وضد الامبريالية الأميركية المتوحشة...

وبالتالي فإن (اليسار) لا يعني حالياً قوى الماركسية... بل كافة القوى المضادة للظلم والاستغلال والقهر الطبقي والاجتماعي والروحي.

إذا كنا مؤمنين بالخيارات الديمقراطية، فمن الضروري احترام التعددية اليسارية أو السياسية... وفي الوقت الحاضر يمكن رؤية انقسامات جديدة للحركة اليسارية... ويجب ألا نجزع... بل يجب التفتيش باستمرار عن تحالفات جديدة من أجل تطوير العمل السياسي في البحرين... ولكن يجب ألا تكون هوايتنا الانشقاق... والقفز من حائط إلى آخر ومن جمعية إلى أخرى، ومن ايديولوجيا إلى أخرى ومن ضفة سياسية إلى ضفة أخرى... كما أننا لا ننسى أن الضرورة تقتضي باستمرار خلق التحالفات السياسية... تحددها طبيعة المرحلة والمهمات السياسية المتفق عليها بين القوى السياسية.

المستقبل للقوى السياسية المستندة إلى القوى الشعبية، والمستقبل للقوى التي تستند إلى الفهم العلمي لحركة التاريخ، وليس للقوى التي تعيش في التاريخ ولا تنظر إلى المستقبل إلا من منظار الماضي وصراعاته، شريطة أن تكون البوصلة واضحة والعدو واضحاً والأهداف واضحة، والوعي بالقدرات الذاتية والموضوعية واضحة ما أمكن

العدد 1313 - الإثنين 10 أبريل 2006م الموافق 11 ربيع الاول 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً