ضمن سلسلة الحلقات التي كتبها عبدالشهيد الثور عن تجربته في السجن أثناء انتفاضة التسعينات والتي نشرها على عدد من المواقع الالكترونية، منها موقع حسينية الحاج أحمد بن خميس كان ما يأتي:
في غيابة المعتقل يختلف طعم الأشياء.... يكبر الشوق لأشياء كانت تافهة في الخارج أما الآن فلا وجود لها... التفاحة التي تراها أمامك ولا تعنى بها، تصبح أمنية كالأساطير، بل وتصبح حلما أن تجدها بين يديك تقضمها منتشيا بلذتها. الأستاذ (ع) يسند ظهره للحائط يتذكر ماضيا جميلا... وإن لم يكن جميلا... لكنه أجمل من حاضره... يعصف به الحنين إلى تنسم أريج الزهور في باقة منها... إن لم توجد الزهور فلا أقل من صورتها، شرع الأستاذ في رسم سلة الزهور فوق الحائط... سلة كالتي يطلب منا المدرس في المدرسة رسمها في كراسة الرسم... أتم رسم السلة في الركن الذي يمد فيه فراشه كل ليلة... أتمها باللون الرصاصي بقطعة الألمنيوم، لوحة متناسقة الأبعاد، تحمل إيحاء بعمق الشوق الكامن في الذات... لوحة بقيت ولو بقينا لاخترعنا ألف وسيلة لنصل إلى تلوينها كما تمكن اللاحقون من صنع الألوان من ألوان الأكياس البلاستيكية.
اللون المفرد في اللوحة لم يفقدها الشعور بجمالها... كنا نتنفس من باقة شذاها عبقا... بلى عبقا يزيل طبقة الأكدار المتلاحقة على زنازيننا من تضييق وتتالي أنباء محزنة... الأستاذ «ع» تعددت المواهب في شخصه، خطاط ورسام... ومصمم ومتعدد الإمكانات الفنية... قدير في المواد الفلسفية، وضليع في الدين. تستطيع أن تعطيه صفة الإبداع براحة الضمير، مبدع بمعنى واسع... ألا تكرم الدول مبدعيها ونابغيها، وتسبغ عليهم من تقديرها... ها هو الأستاذ ينال أوسمة التقدير، صادروا حريته وعطلوا إبداعاته... وأودعوه عند كم من المرتزقة يسومونه ذل المعاملة... يعبثون في إحساسه بالجرح والتحقير. كيف لا تضيق الدنيا عليه وهو يشعر بالوطن يتنكر لأبنائه يسلبهم قوتهم، ويعطيه لأغراب حلوا عليه على غير رغبة منه... يرى هويته يسلخونها من جلده وينصبونها وساماً على صدور الدخلاء.
وفي أخريات الليل تحاصر عينه الهموم... وتشحذ في وجهه سيوف الأرق... أستيقظ ليلا لأجد الأستاذ جالسا على فراشه، وخيط من الضياء يتدفق من النافذة يعبر من شعر رأسه واصلاً إلى نهاية شعرات ذقنه الوافرة بالشيب. أراه ولا يراني وكأن عيونه تنفث اشتياقاً مستعراً... تدور عيناه صاعدة في السقف... هابطة تستعرض الجدار وكأنها تخاطب المكان... رأسه يحركها يميناً وشمالاً تحريك المتضايق... تلامسني حال روحه، يتقمصني ألمه وأسرح عن مراقبة ضجره.
ما أكثر المرات والصور المتكررة من يقظة الشجن تلك... لكن أملاً غنياً يتبرعم من خبايا أفكارنا، يصنع إشراقة تهب مزمجرة في وجوه السجانين. أخيرا أرسل الأهل لي مصحفاً وملابس جديدة كملابس العيد... ألا يعرفون أنه لا عيد لنا؟... ثياب تفوح من قماشها رائحة الحياة، الحياة التي أصبحت في الطرف الآخر من البحر، وبدأت الثياب تتتالى علينا... بحجم فرحتنا بها كانت تشبعنا حسرة. الفانيلات الجديدة والقديمة على السواء أصبحت ضحية لابتكاراتنا... يستل الاخوان الخيط من رأسه... فتأتي الفانيلة كلها متفككة في صورة خيط واحد... نجمع الخيط في كرة واحدة... نفتل الخيط ونكون منه خيوطاً سميكة نبدأ في نسجها.
نحوك من خيوط فانيلاتنا حروفاً ثلاثية الأبعاد... تأتي الحروف مرة بلون واحد ومرات أخرى بألوان ممتزجة. كلما مارسنا أكثر استقامت الصناعة في أيدينا... طبعاً لكل قدرة تميزه عن أقرانه، ولم تفتنا كلمة الإمام علي (ع): من تردد في شيء أوتي حكمته... وكانت ثقافتنا القرآنية تقول: «ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا» (البقرة: 269)... مارست حياكة الأحرف حتى أتقنت إحكام عقدها... ثم تركتها لباقي زملائي يبدعون في أحجامها ويبالغون في جودتها... يطرزون بها أوقاتهم... وانصرفت لما رأيته أهم... هذا هو الشعب الجائع من جراء فقره وبطالته... هذا هو يصنع من معتقله تحررا يشمخ به في وجه مستصغريه... فلماذا تعطل أياديه عن إثراء أرضه ووطنه... لماذا تقيد أياديه ولا تطلق لتعمر وطنها بفلذات جهودها... لماذا... لماذا؟ تالياً طور أصحابي حياكة الأحرف الفنية... صرت أكتب لهم أحرازا على جلد نقتطعه من غطاء الفراش: أكتب «كهيعص». «حمعسق». «وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما» (طه: 111). نطوي القطعة لتتحول إلى أصغر ما يمكن فينسج عليها الاخوة بمهارة ويتدلى من أسفلها خيط سميك ليكون حاملاً لها حول الرقبة... عظام الدجاج المتبقية أيضا ساهمت في تطوير الصنعة، يحوك زملائي حول العظم بأكمله بألوان متداخلة لتكون ميدالية خفيفة حلوة المنظر، يتهاداها السجناء فيما بينهم بوسائلهم الشتى.
هدايا تعبر الحيطان المغلقة... تصنع تزاورا خفيا، يخفف من أثقال المجهدين، فما أحوج المحبوسين عن الدنيا وزهرتها لكف تحمل في وسع راحتها عناءها... يتبادلون هدايا تنتصب الأحراز في أجوافها... فتنام أعينهم ساهدة في حفظ من عينه لا تنام...
كتبت عضوة منتديات شبكة الماحوز الاسلامية (ريحانة المصطفى) موضوعا بعنوان «الأسئلة الثلاثة التي هزت العالم» جاء فيه:
كان هناك غلام ارسل الى بلاد بعيدة للدراسة وظل هناك فترة من الزمن... ذهب بعد عودته الى أهله ليطلب منهم ان يحضروا له معلم دين ليجيب على أسئلته الثلاثة، ثم أخيرا وجدوا له معلم دين مسلماً ودار بينهما الحوار الآتي:
الغلام: من انت؟ وهل تستطيع الاجابة على اسئلتي الثلاثة؟
المعلم: انا عبد من عباد الله... وسأجيب على اسئلتك بإذن الله.
الغلام: هل انت متأكد؟ الكثير من الأطباء والعلماء قبلك لم يستطيعوا الاجابة على اسئلتي!
المعلم: سأحاول جهدي... وبعون من الله.
الغلام: لدي 3 أسئلة:
1- هل الله موجود فعلا؟ واذا كان كذلك ارني شكله؟
2- ما هو القضاء والقدر؟
3- اذا كان الشيطان مخلوقا من نار... فلماذا يلقى فيها بعد ذلك وهي لن تؤثر فيه؟
صفع المعلم الغلام صفعة قوية على وجهه.
فقال الغلام وهو يتألم: لماذا صفعتني؟ وما الذي جعلك تغضب مني؟
اجاب المعلم: لست غاضبا وانما الصفعة هي الاجابة على أسئلتك الثلاثة
الغلام: ولكني لم أفهم شيئا.
المعلم: ماذا تشعر بعد ان صفعتك؟
الغلام: بالطبع اشعر بالالم.
المعلم: اذاً هل تعتقد ان هذا الالم موجود؟
الغلام: نعم.
المعلم: ارني شكله؟
الغلام: لا أستطيع.
المعلم: هذا هو جوابي الاول... كلنا نشعر بوجود الله ولكن لا نستطيع رؤيته.
ثم اضاف: هل حلمت البارحة بأني سوف أصفعك؟
الغلام: لا
المعلم: هل خطر ببالك اني سأصفعك اليوم؟
الغلام: لا.
المعلم: هذا هو القضاء والقدر.
ثم اضاف: يدي التي صفعتك بها، ممَّ خلقت؟
الغلام: من طين.
المعلم: وماذا عن وجهك؟
الغلام: من طين.
المعلم: ماذا تشعر بعد ان صفعتك؟
الغلام: اشعر بالالم.
المعلم: تماما... فبالرغم من ان الشيطان مخلوق من نار... ولكن إذا شاء الله فستكون النار مكانا أليما للشيطان
العدد 1316 - الخميس 13 أبريل 2006م الموافق 14 ربيع الاول 1427هـ