اجتمعوا وبينهم أفسحوا لي المكان...
حيث يتسنى لي أن أراهم...
وأسمعهم...
وأشعر بمدى قربهم...
فالغرفة ذاتها تجمعنا...
والظلال ذاتها ترقب حركاتنا والتفاتاتنا لتقتنص لحظة
إسكات أحاديثنا!
ما كان شيءٌ يميّز واحدنا عن الآخر في غمرة ذلك
الضجيج وذلك الصخب المزعج!
لكأنّ الكلّ صار يحمل نفس الوجه وينطق بنفس اللسان!
ولكأنّ الملامح جميعها غدتْ تعبيراً عن حالة واحدة وإحساس واحد واتجاه واحد!
جمعٌ يدور في فلك ضيق محدود...
ويتحرك في أفق ذي وجهة ثابتة لا مخرج منه ولا مفر
من ثقله وإزعاجه!
كمْ كان مثيراً للعجب حالهم...
الغرابة كانت في قرب الأجساد والتصاق الأماكن ببعضها... وبُعْد الأفكار والأرواح والقلوب...
كلٌّ يسكن مكاناً لا يمتّ إلى الآخر بصلة...
وكلّ يحصر وجوده بعالم لا يشبهه في الشكل العام أو في
المميزات أيّ واقع!
هناك كنّا...
نتنفس ذات الهواء ونستمع إلى ذات الحوار، بينما يتكرر ويُعيد نفسه بمنتهى الرتابة!
لا جدران تفصل بيننا...
ولا أبواب تصدّ عني وجودهم الكئيب...
لا شيء!
إلاّ إغماضة عين مقصودة...
وجفنٌ يرفض الرؤية فيسدل بملء اختياره الستار على محيطه بالجمع الذي يشغله...
أجل...
قد يبقى الجسد في مكانه...
مشلولاً وعاجزاً كلّ العجز عن الابتعاد - بل عن الفرار -
لكنّ الروح تبقى طليقة يحكمها طموحها ويسيّرها إصرارها على بلوغ حلمها...
فتملك عندئذ أمرها...
تملك قرارها...
تملك مصيرها...
عندها فقط قد ترحل إلى أيّ مكان...
وأي أرض...
وأي بلاد!
دونما قيد...
ودونما اعتبار لفكرة الحصار...
حصار المكان!
كتابة - مريم إبراهيم مختار
لكنني لم اعد كما كنت...
هكذا بدأت بمعاتبة نفسي على حديثي الثائر أمام مرآتي كل ليلة
لما الوحدة تعذبني؟
لما الذكريات المعتقة على ارفف الحنين مازالت مكسوة بتعلقي
ظمآنةٌ أنا...
أناشد حنيني الثائر
أراقص خواطر عشقي المترجلة بيت أرفف اكتست بغبار التائبين!
ارتوائي من بئر ظمئي
اكتسائي من ذاك التراب الرطب بعرق من يئسوا وهم يكدحون
قد عودني أن ارتكز بين مصراعي الحياة الدائمة!
اليأس... والأمل
وكأنني لا اعرف يأسي من أملي!
اكتسي من جرحي يقيني
أداعب نفسي الواقفة في المرآة
أراقص زوايا قد زلزلت بأوراقٍ قد قُذفت عليها ممتلئة بمعاني تثير الجنون المتثائب
وشمعةُ ترسو هناك
تخبو... تستعد لذوبانها المثير للشفقة
وانطفاء...
أرعد بقائي في تلك الغرفة المغلقة نوافذي
وأصبحت تشتاق غرفتي لهواء قد يشعل جوا من الانسياب اللامتناهي
فأغدو... كطفلة... احتضن وسادتني
وافتح النوافذ... فأغني
بصوتٍ صاخب
وكأنني أحتضن يأسي منذ سنين
وبصرخة مني... أخرجتني من عزلتي
لأنطلق في دوامة غربتي الراقصة!
ارتجل هناك... برفع قدم! أتحدى نفسي على الوقوف ناقصة من شيء في جسدي الظامي
المتعرق
وتغزوني هناك... في وسط صدري! عاهة اللانهاية... اندب حظي معها
فأبتسم... وأنا أيقن بأنني فرحة لعزلتي!
نص - فرح
سأنتظر...
حتى يملّ الانتظار إعارتي ثوبه!
هكذا كانت رسالته الأخيرة لها،
بكثير من الألم وقليل من الحبر... وذرّة من الدموع...
تسلّمت عباراته...
وبكت...
بكت كثيراً...
دموعاً... وروحاً تتسرب بين يديها وهي لاتزال... تبكي!
أكانت تعلم...
أن رحلة الانتظار لا تملّ
بل يملّ المنتظرون!
أنـه حين يقول أنتظرك
يقول وداعاً ببطء!
إنه حين يغادره الشوق
ويحل العتب
سيحل الملل يوماً
وسينسى يوماً
ما خطّته يداه!
أكانت تعلم...
أن الانتظار حكرٌ على النساء كما كان
وكما سيكون
وكما سيبقى
أن قليلاً من الرجال في شرقنا
يحترفون الانتظار
كما يحترفون العشق حقاً!
أكانت تدري...
قصتي معك...
أخبرتها كما تفعل دوماً...
كما تتفاخر دوماً
كما تتبجح دوماً!
كيف تركتني على محطات الشوق
أتبع آثار عطرك
وأناجي أنغام غنائك
وأتصّفح الدفاتر بحثاً عنك
وكيف تركتني أعاني التعّلق بين السماء والأرض
وأعاني الحب وحدي
والسهر وحدي
والربيع وحدي
وحتّى الشتاء وحدي!
يا صاحب القلب الجليدي...
لم أنته...
بل،
لم أبدأ بعد!
كتابة - فاطمة حسن عبدالرسول
هل لي موعد مع الموت
أم الموت له موعد معي
لا يهم...
المهم هو الفناء
الأهم هو الخلاص من غـــابة سـوداء اسمها الدنيا
أخاف الموت... ولكنه الحل...
لقد كافحت لكي أخرج من ظلمة هذه الغابة
لكن لا مجال...
كلما أردت الخروج... دخلت أكثر
كلما تمنيت أن أرى الملائكة
ولكني أروى الوحوش والوحوش
كلما حاولت الفرار مع أحد
أساعده ويساعدني
لكن الكل يدخل ويدخل داخل هذه الغابة
ادعوهم للخروج... يدعونني للدخول
باسم المحبة
وهم لا يعلمون ما يفعلون
افاعٍ تلتف بنا...
تضغط بجسمها على صدورنا
وحينها...
نسمع تكسر الأضلاع
وصوت طبول القلب
وسكونه
وعندها...
نلتقي...
أنا والموت.
كتابة - ميساء أنور البشيتي
صوت الرائعة فيروز يغرد ويشدو (لما عا الباب نتودع) صوت يوقظ كل مشاعر الحنين والشوق والامل بالعودة ونهاية للفراق ، نعم الفراق فمن منا لم يذق مرارة الفراق والابتعاد عن الاحبة؟! لن اجزم بأن الجميع، ولكن ما عدا ذلك فهي الندرة المحظوظة والمحسودة بلا شك على هذه النعمة؛ دعونا نتخيلها الكثرة الغالبة، بل واكثر من ذلك دعونا نتخيلها العالم جميعة ليس فيه فراق، أو أكثر من ذلك أن كلمة الفراق ليست من مفردات قاموس حياتنا فكيف تكون الحياة؟ هل تكون أجمل؟ هل تزداد عذوبتها؟ هل تتسرب منها مشاعر الخوف كما تتسرب منها مشاعر السعادة الآن؟ الفكرة مجرد الفكرة قد تعطي املا بأن الغد القريب والبعيد سيجمعنا، أنت لن تذهب وهو لن يذهب وأنا لن اذهب وهذا الطفل سيتربى في حضن والديه واجداده؟ الجميع لا يذهب ولا يفكر بالذهاب، اذا بماذا يفكر الجميع؟ بالتأكيد يوجد الكثير مما يحتاج الى التفكير بعيدا عن رهبة الفراق. فعلى رغم أن الفراق يفتح باب الهروب إلا أنه يضع سورا منيعا على تفكيرنا بحيث لا نفكر الا بموعد اللقاء؛ وتذوب كل الأمور الأخرى وتتحجم على رغم أهميتها وتتبلور أكثر وأكثر فكرة متى نلتقى. الفراق لمجرد التفكير بأن هناك افتراق تقتل الكثير من المشاعر الحالمة والآمال والاحلام وربما قبل ان تولد.
لكن مع كل هذه القساوة التى يحملها الفراق فهو حقيقة قائمة لا يمكن افتراض انقراضها الا بالخيال؛ الخيال الذي قد يحيي هذه المشاعر الحالمة والآمال والأحلام المركونه لفترة من الوقت ربما فقط لحين ان تنتهي اول حلقة من سلسلة حلقات الفراق.
تعالوا معي الى لحظة الخيال هذه مهما طالت او قصرت حتي تدب الحياة في أوصالنا وتسري الدماء في عروقنا ويشع بريق الامل في عيوننا ثم ان يأتي أو لا يأتي الفراق فلقد أخذنا شحنة امل
العدد 1317 - الجمعة 14 أبريل 2006م الموافق 15 ربيع الاول 1427هـ