العدد 1323 - الخميس 20 أبريل 2006م الموافق 21 ربيع الاول 1427هـ

حوار المسلمين مع المسيحيين جزء من تراثنا وتاريخنا

الشيخ عبدالعظيم المهتدي في حوار بمناسبة مرور 100 عام على افتتاح الكنيسة الإنجيلية الوطنية في البحرين:

المحرق - محرر الشئون الإسلامية 

20 أبريل 2006

في 23 فبراير / شباط الماضي احتفلت الكنيسة الانجيلية الوطنية في البحرين بمرور مئة عام على تأسيسها، والبحرينيون كانوا - ومازالوا مثالا للتسامح والحوار بين الأديان.

فالكنيسة شاركت مسلمي البحرين في استنكار الرسوم المسيئة التي نشرتها صحيفة دنماركية ضد شخص الرسول الكريم (ص) وقال حينها عضو الكنيسة يوسف حيدر: «ان التبريرات التي تسوقها بعض الجهات الغربية بأن ما قامت به هذه الصحافة الحمقاء يعتبر حرية رأي، ما هي الا تبريرات للخطأ ومكابرة وعنصرية بغيضة، وان الحرية بعيدة كل البعد عما قامت به هذه الجهات فلكل حرية سقف وللأديان السماوية وللأنبياء الكرام قدسية يجب الحفاظ عليها والدفاع عنها ومعاقبة كل من تسول له نفسه الاساءة اليها. ان من يتشدقون بالديمقراطية وحرية الرأي وحرية العبادات في الغرب يجب ان يعلموا ان هذه الاساءات لا تمت للحرية بصلة وهي اساءة ليست للدين الاسلامي فحسب بل هي اساءة لكل الاديان والمقدسات، وتؤكد ان بعض الدول في الغرب كانوا ولايزالوا يرون الامور بمعايير مختلفة في كل مرة، فعندما قامت حركة طالبان بتحطيم تماثيل بوذا في افغانستان وقتها قام الغرب ولم يقعد واعتبر ان ما أقدمت عليه حركة طالبان تعد سافر على الاديان، بينما الان ورغم فداحة الاساءة لنبي ورسول ورمز الاسلام فان الغرب لم يحرك ساكنا، وليتهم سكتوا بل علقوا الفعلة الشنعاء على شماعة حرية الرأي».

«الوسط» كان لها لقاء مع رئيس جمعية أهل البيت (ع) الشيخ عبد العظيم المهتدي لاستشراف بعض الآراء حول تعامل المسلمين مع أصحاب الديانات السماوية.

كيف يمكننا أن نتعامل كمسلمين مع أصحاب الديانات السماوية من الناحية الاجتماعية؟

- أقول حتى مع غير أهل الكتب السماوية قد أوجب الإسلام على المسلمين أن يتعاملوا معهم بأحسن المستويات الأخلاقية، يقول النبي محمد (ص): «المسلم من سلم الناس من يده ولسانه» فالناس كل الناس حتى لو لم يكونوا مسلمين أو لم يكونوا من أتباع الديانات السماوية، فيجب أن يتعامل المسلمون معهم بالسلم. وهذه الكلمة التي اشتقت منها كلمة الإسلام وسمي المسلمون بها، تحتوي على جميع المفاهيم الإنسانية في التعامل مع الإنسان الآخر. فمثلاً الأمن وعدم إرعاب الغير مفهوم من السلم، إطعامه واستضافته وإكرامه والترحيب به والابتسامة في وجهه وإسعافه في الحوادث والكوارث مفهوم من السلم... صدق الحديث معه وحفظ الأمانة مفهوم من السلم... حسن الجوار مع الآخرين وتفقد حال مريضهم والحضور إلى جنائزهم ومجالس أفراحهم وأحزانهم.. كل ذلك من مفاهيم السلم، فلا يجوز للمسلم أن يمارس العنف مع الناس لا باللسان ولا باليد. وهكذا فإن التعامل السلمي مع الذين ينتمون إلى دين سماوي يكون واجبا، فضلا عن تعامل المسلم مع أخيه المسلم.

قليل ممن يلتزم بهذا السلوك في عصرنا الذي حمت فيه الصراعات الدموية، فهل من طريق للعودة إلى قيم السلم في الأخلاق الاجتماعية؟

- لا توجد صراعات بين الأديان نفسها، لأنها من مصدر سماوي واحد، وما تدرج ربنا تعالى في إرسال الكتب السماوية إلا لمواكبة النضج البشري وتكامل الحضارات. والصراعات الدموية قد أحدثتها أهواء الناس المنتمين إلى هذه الأديان بالاسم من دون الحقيقة. فالأديان إذاً بريئة من الحروب وسفك الدماء. وما جاء في الإسلام من تعليمات قتالية هي خاصة بحالات الدفاع... بمعنى أن الإسلام حمل رسالة تحرير العقول والارتقاء بالإنسان إلى الأخلاق الإنسانية لكي يبني بها مجتمعاً مسالماً وعادلاً شمولياً، فهناك فئة منتفعة من استعبادها الناس، تعمل على الاحتفاظ بسيطرتها الظالمة عليهم، فمن الطبيعي أن تقاوم الإسلام حينما يدخل بلاداً للحديث عن تلك القيم، فتشن حرباً دموية على الكلمة الطيبة. هنا أمر الإسلام بالدفاع للحد من إراقة الدماء وإنجاح عملية الهداية فقال مثلا «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة» (الانفال: 60). إنه مجرد الأمر بالإعداد وليس التنفيذ وهذا يدلك على أن المطلوب هو الدفاع للوقوف بوجه المعتدين على الدعوة السلمية وهي الدعوة إلى القيم السماوية المشتركة بين جميع الأديان.

كيف ينظر الإسلام إلى الديانات الأخرى؟

- الإسلام دين خاتم الأنبياء محمد (ص) وهو آخر الأديان السماوية في التكامل الهرمي للأديان، فالإسلام قمة هذا الهرم المبارك. وبالتالي فالنظرة الإسلامية إلى بقية الأديان قبله هي النظرة إلى الأجزاء المترابطة صعودياً من ناحية واحتواء الإسلام لحقيقة الأديان قبله من ناحية أخرى، بمعنى أن الدين عند الله الإسلام الذي حوى روح الشرائع السابقة كلها، وعلى الأمم بعد مجيء الإسلام أن تتخذه الدين المبرئ للذمة بينها وبين ربها، من دون أن نعني بهذه العقيدة مواجهة الذين لم يقتنعوا بها، فأصحاب العقائد الأخرى قد منحهم الإسلام حريتهم وكفل حقوقهم وأمر المسلمين بالدفاع عنهم أمام أي خطر يهدد كيانهم. فالعقيدة الثابتة شيء والموقف العملي مع مبدأ الحرية شيء آخر، وبهذه المرونة أراد الإسلام أن يهتدي هؤلاء إلى العقيدة الصحيحة وخصوصاً حين يرون من المسلمين هذا السلوك الإنساني الرفيع. إلا أن بعض المسلمين العنفيين في التاريخ لم يلتزموا بهذا المبدأ الإسلامي فشوهوا صورة الإسلام، كان رسول الله كما قال عنه تعالى: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك» (آل عمران: 159).

ما هي أبرز الصعوبات التي تواجه العلاقات بين الديانات في مملكة البحرين؟

- يعيش أتباع الديانات الأخرى وخصوصاً الاخوة المسيحيين في مملكتنا الحبيبة بكامل حقوقهم الدينية وحريتهم في العمل والتجارة والأمن والراحة، ولم نسمع من صعوبات يعانون منها كي ندرس طريقة التغلب عليها. الكنيسة اليوم تحتفل بعامها المئة، وأنشطتها مستمرة ولا يوجد قانون يمنع المسيحيين من ممارسة حرياتهم، يكفي دلالة على هذه الحقيقة أن الاحتفال المئوي للكنسية الإنجيلية الوطنية في البحرين ينعقد هذا العام تحت رعاية عاهل البلاد (حفظه الله). وأما علاقات الناس بالمسيحيين عندنا فهي جميلة وليس فيها أي توتر ولله الحمد.

هل حث الإسلام على توطيد العلاقات بين الديانة المسيحية؟ وكيف يمكننا الاستفادة من ذلك؟

- نعم... أكثر من الحث، فإننا حينما نقرأ سيرة نبينا محمد (ص) مع المسيحيين نجدها محطات فخر واعتزاز، وقد كان النبي الأكرم (ص) يعبر عن النبي عيسى (ع) بأخي.

فالمسلمون في كل العالم ينبغي لهم السير على هذا النهج المحمدي ويوطدوا علاقات طيبة مع إخوانهم المسيحيين... فإنهم إخواننا في المشترك السماوي وإخواننا في الروح الإنسانية. وكما يرى المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي أن المسيحيين هم أقرب إلى الإسلام والمسلمين من اليهود، مستدلاً بقوله تعالى: «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى» (المائدة: 82).

وسؤالك في الشق الثاني... كيف يمكننا الاستفادة من ذلك؟ أقول اولاً: أن نري المسيحيين بأعمالنا هذا الوجه الناصع للإسلام والأخلاقيات المحمدية العظيمة. وثانياً: أن نعطيهم كتباً إسلامية قد فصلت هذه المفاهيم، فكما يوزعون علينا كتبهم فلنوزع عليهم كتبنا في عملية حضارية لتبادل الأفكار. وأما ثالثاً: أن ندعوهم إلى مجالسنا الجيدة ليتعرفوا على عاداتنا الحسنة. فالعلاقة تتوطد هكذا. وهي تتوتر إذا انعدمت جسور التواصل الصحيح كهذه النقاط الثلاث.

ما هو في اعتقادكم دور الديانة المسيحية في الرد على ما عرض من إساءة تجاه الرسول الأكرم (ص)؟

- نحن نعتقد أن أكثر المسيحيين في زماننا مخترقون باليهود الصهاينة... ويؤسفنا جداً أن نرى شرذمة ممن غضب الله عليهم عبر التاريخ قد تغلغلوا في دول المسيحيين ووسائل إعلامهم، واستطاعوا أن يحدثوا بينهم وبين المسلمين عداوات تصب فائدتها في مخازن الصهاينة. فالرسومات التي أساءت إلى العلاقة بين المسيحيين والمسلمين قد أتت بتأثيرات من الصهاينة، ولاسيما تكرارها في دول أوروبية أخرى لتأجيج نار الفتنة العالمية بين المسيحيين والمسلمين واستثمارها لصالح الصهيونية التي أفسدت الأرض بالحروب والانحلال الأخلاقي ونشر الكراهيات بين الشعوب كي يبقى الصهاينة هم شعب الله المختار والآخرين عبيدهم. وهذا الهدف كتبوه في كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون».

فعلى الإخوة المسيحيين أن يدركوا عمق هذه المؤامرة، ومن مسئولية مثقفيهم الأحرار بث هذا الوعي ونصيحة ضحاياهم بالحذر من التآمر الصهيوني على الديانات السماوية وحتى الديانة اليهودية نفسها.

وهذا الدور تفرضه عليهم الديانة المسيحية كونها الديانة الأقرب إلى الإسلام. وقد أثنى عليها القرآن الكريم وذكر النبي عيسى بخير وبرأ أمه العذراء مريم من تهمة اليهود. بينما هذا القرآن لم يذكر اليهود إلا بأنهم كانوا متآمرين على الأنبياء ومحرفي الديانات السماوية.

يذكر أن البحرين تعد أفضل الدول العربية احتراماً للديانة المسيحية، ما مدى صحة هذا الكلام؟ وإذا كان كذلك كيف يمكننا المحافظة عليه؟

- لم أطلع على وضع المسيحيين في دولنا الأخرى لأقارن، ولكن بالنسبة إلى مملكة البحرين فقد احتضنتهم في حدود القوانين الإنسانية، ولم نسمع لهم شكوى أو نقرأ لهم تذمراً من سوء معاملة.

هل نحن في حاجة لعقد مؤتمرات مشتركة بين الديانتين الإسلامية والمسيحية كمؤتمر «الحوار الإسلامي المسيحي» الذي عقد قبيل عدة سنوات؟

- قال الله تعالى: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (الحجرات: 13).

المؤتمرات المشتركة للتعرف على وجهات النظر والتقريب بين جهود البشر ظاهرة حضارية قد أيدها القرآن الكريم بهذه الآية الصريحة وغيرها... وكان النبي محمد (ص) والأئمة من أهل بيته (ع) وصحابته الراشدون وعلماء المسلمين يعقدون هذه المؤتمرات مع المسيحيين واليهود والصابئة وحتى الدهريين الذين لم يؤمنوا بوجود الإله... فهذه كتب التاريخ والسير مليئة بأخبار المؤتمرات واللقاءات والمناظرات، أحد علمائنا وهو الشيخ الطبرسي من القرن السادس جمع (363) من هذه الحوارات وسماها «الاحتجاج» ومازالت هذه السيرة مستمرة ولله الحمد بين أتباع الديانات، وما المؤتمر الذي عقد في مملكتنا إلا حلقة ضمن هذه الحلقات المضيئة... إلا أن الاستثمار إلى حد الظهور على أرض الواقع ربما كان ضعيفاً، إذ لا تكفي توصيات ختامية إن لم تتبعها خطوات عملية على المسار الصحيح لتمنع سلوكيات تسيء بين المسلمين والمسيحيين.

هل هناك تحرك من قبلكم لتوطيد العلاقة مع المسيحيين في البحرين أو بلدان أخرى؟

-أنا كعضو في المجلس الأعلى للشئون الإسلامية أفكر في طرح مشروع على المجلس لإيفاد بعض أعضائه إلى الدنمارك وإعطاء الرؤية الإسلامية الصحيحة عن الموقف من قضية الإساءة وتفاعلاتها.

ان ما يبرزه بعض المستشرقين والإعلام الغربي من أن الإسلام دين السيف والدم والعنف ليس صحيحاً، وان سلوك بعض المسلمين لا يعبر عن الإسلام كما سلوك الصليبيين في سفك الدماء لم يعبر عن دين المسيح وهكذا سلوك المسيحيين في الحرب العالمية الأولى والثانية مع أنفسهم وسلوك قوات الاحتلال في العراق اليوم. فالمسيحية عرفناها عنواناً للحب والسلام وهو عنوان الإسلام ايضاً.

لذلك أرى من الضرورة بعد تصاعد الاحتجاجات ضد الدنمارك والغرب أن نراجع الحادث ولقد آن الأوان لندرس ما لنا وما علينا ونقول بصوت الحكمة ما لهم وما عليهم.

إن ما لنا هو أن نحتج على اساءتهم ولكن بأحسن الأساليب السلمية وبطرح الفكر البديل الحضاري والنصيحة بلغة جذابة للضمائر الحية في العالم... وذلك عملا بقول الله تعالى: «ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» (فصلت: 34). وأما الذي علينا فهو ألا نكسر ولا نحطم سفاراتهم وممتلكاتهم عندنا، فإنها أمانات لدينا كما لديهم أماناتنا، لذلك ينبغي أن ندين العنف الذي مارسه بعض المتظاهرين.

وأما الذي لهم فأن لا نسيء إلى مقدساتهم فقد قال الله تعالى: «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون» (الأنعام: 108).

وكذلك لنا عليهم أن يغيروا مفهوم الحرية في ثقافتهم، فللحرية حدود وضوابط وأخلاقيات، هم يلتزمون بها في قضاياهم اليومية مثل قوانين المرور وعدم الإضرار بالغير والحقوق العامة وحتى احترام ملكهم أو ملكتهم في الصحافة، فهذه حدود يعترفون بها للحرية، فعليهم أن يعترفوا أيضاً بما للأنبياء من قدسية وللشعوب من قيمة وللمشاعر من احترام لا يجوز اختراقها بحجة الحرية.

إن الرسومات المسيئة لنبينا (ص) نحن الذين رسمناها في ذهن الرسام الدنماركي حينما أعطيناه وأمثاله صورة عن ديننا ونبينا بالتفجيرات الجبانة في العراق وخطف الأبرياء وقطع رؤوسهم ثم نشر صورها على الفضائيات والانترنت ومكتوب على جباه القتلة أو خلفهم «لا إله إلا الله محمد رسول الله». فلماذا الأمة لا تحتج على هذه الإساءة الصادرة عن التكفيريين تجاه نبي الأمة المبعوث رحمة للعالمين

العدد 1323 - الخميس 20 أبريل 2006م الموافق 21 ربيع الاول 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً