ميراث حبي بين الاحباب مهمول
هذا عصب عينه وهذا تلعثم
ميراث عز وما طمع فيه مذلول
ولا لقى به راعي الجرح بلسم
عبدالله العويس
شللي يرجعك لي دام الزمن غافي
أجهدتْ روحك وصوتك تركض خلافه
شاعر خيالك يسافر للسما وافي
ويشح غيم الأمل بمصافح انصافه
أحمد المطيري
وله شان الصقر لا... لا أخذ منه الصقر له شان
يجي مثل الوضو لا طب حنينه فوق راحاتي
يقولون الولد هو خان أقول وليدي لا ما خان
وهم يدرون ما غطى منامي غير وناتي
سالم سيار
المحرق - ظما الوجدان
إن أوائل الأشياء في حـياة الإنسان لا يمكن نسيانها... فهي تـظل محفـورة في الذاكرة حتى ولو جارت عليها عواصف النسيان وغطت وجهها بالأتربة فلن تغير من معالمها شيئاً، وبمجرد أن تهب رياح الاسترجاع فإنها حتما ستمسح عن ذلك الوجه كل ما علق به من أتربة لـتعلن عـن صمود تلك الأشياء وبقائها إلى ما شاء الله لها البقاء... إذاً ستـظل تعـيش بداخل كل إنسان وتبقى ببقائه... والغريب أنها لا تـفنى بفنائه بل تظل آثارها خالدة كخـلود أعمال الإنسان وآثار وجـوده على وجه الأرض.
فعلى سبيل المثال، من منا ينسى اليوم الأول من التحاقه بالمدرسة الأولى في حياته؟ ومن ينسى أول أستـاذ تلـقى على يديه الدرس الأول في تلك المدرسة؟
إنني لا أنسى ما حيـيت أول مدرسة شعرية تلقيت فيها الدروس الشعرية الأولى التي تعد اللبنة الأساسية الأولى في البناء الشعري لأي شاعـر.
كنت طالبة بالمرحلة الثانوية، وعلى رغم تفوقي في اللغة العربية إلى درجة الامتياز حتى من دون مذاكرة، وعلى رغم تميزي بقـدرات بلاغية كانت تلفت انـتباه كل مدرسة تقـوم بتدريسي تلك المادة، إلا أنني لم أحاول أن أكتب شيئاً من الشعر ربما لأنه في البداية أراد لي الوقوف في صفوف المتذوقين له لكي أدرك قيمته الحقيقية ومكانته الأدبية،أو ربما حتى اتوق إلى دعوته لي، فيمد لي جسراً يساعدني على اجتياز بحوره لأصل إليه فيعلن بعدها عن وجودي الشعري في مملكته.
في أحـد الأيام وقع في يدي ديـوان الشاعـر الكبير لحدان بن صباح الكبيسي (الجـد)، وجدته بين بيت جدي... قرأت السطور الأولى من حياته فازددت شوقاً لقـراءة قصائده وطلبت من أحد أفراد عائلتي أن يمنحني هذا الكنز هكذا بدا لي ومن أول وهلة ولكنه رفـض وعلل رفضه بأن هـذا الديوان نادر، وهو هديـة عـزيزة من أحد أصدقائه ولا يسـتطيع أن يفـرط فيه، ولكن ما أن رأى سحابة الضيق تكتسح أجزاء وجهي مع بوادر سقـوط دموع غـزيرة، حتى عدل عن رأيه ومنحني شرف قراءته بشرط ألا يخرج هذا الديوان عن نطاق بيت جدي، ولعـل شدة حرصه تلك جعلتـني أوافـق على الشرط من دون أي تردد بل إن ذلك الحرص زاد من رغبتي في الإطلاع على محتويات هذا الكنز.
كنت أمسك بالديوان وكأنني أمسك بقطعة أثرية نادره تماما كعلماء الآثار الذين نراهم ينظرون إلى الآثار المكـتشفة نظرةً فاحصة، دقيقة ويتحسسون أشكالها ورمـوزها بأناملهم لحـرصهم الشديد عـلى سلامتها، ولشـدة انبهارهم بها، ورغبتهم الملحة في معرفة أسرارها، ومعرفة العصر أو الحضارة التي تنتمي إليها.
لقد قرأت ديوان الشاعر الكبيسي (الجد) بنهم شديد... لقد جذبني اسلوبه الشيق وكثيراً ما استوقفـتني جزالة اللفـظ مع قوة المعنى في قصائده، فهو الذي قال :
وأنا فريض القيل والقـيل محجوب
في مهجـتي ومطيع لي مير دومي
وكات به من هو له الحبر مشروب
له من على صفح السجلي إرسومي
إمنحف جسمه من القـشر مسلوب
ينقش على القرطاس مثل الوشومي
يمشي على راسه مطـيع ومصلوب
ما يسـتريح من الدهـر ربع يومي
وأنا من الشعار ماني بمـرهـوب
وأجازي الطـيب بطيب العـلومي
قيلي كما بحـر ضرب فيه دالـوب
في كنة التسعـين حـل الغـيومي
له جدول يسقي ولاهـو بمجـذوب
وإلى طمـى ماجـودته الحـزومي
كما أدهشتني قدرته العجيبة في الوصف، فمن يقـرأ أبيات قصائده يشعر بريشة الوصف تـتشكل أمامه بدقة، لـترسم في النهاية لوحـة فـنية رائعة، ما إن يتحسسها القارئ بفكره حتى يراها وقد تجسدت وأصبحت صورة حية ناطقة تتحرك أمام عينيه، وخير دليل على ذلك عندما قال :
ياماحـلا لي من ضـربها بيـمناه
وأقبل بها يبري لها ويحـداها
بتشوف نثر الريش في الجو يذراه
لانحت كما دلو تقـطع عراها
وله في قصيدة أخرى :
وأقبل على طلعه وقامت إتمارى
وتزافنه شروى لعاعـيب مزمار
تشوف منه الريش هو والغبارى
شرواة عافور سبق وبل لأمطار
وغيرها من اللوحات الوصفية التي أبدع فيها الكبيسي وخصوصاً في وصف الطير ورحلات القنص...
لقد عشت مع هذا الشاعر الكبير من خلال قصائده. فشعرت بروحه ورأيت ملامح وجهه وشخصيته من خلال اسلوب قصائده الذي يترجم ماهية هذا الشاعر رحـمه الله كثيرا ما شعـرت بحزنه، فحزنت معه وبكيت لأجـله ولاسيما عندما قال:
أياعـيني إلى كـم تهـملينا
على مافات أوكم تـندبينا
أكتم ماجرى لي من حسودي
وأبدى الدمع مكنون كنينا
إلى من شاف سح الدمع مني
صديـق كدره ماصار فينا
فقالت له عيوني وهي تجري
بنهـرين حرقـن المقلتينا
فلو إن البـكا بـيرد فايـت
هملنا الدمع لين إنه يجـينا
وكاد أن ينفـد صبره فقال في موضع آخر:
ترى ثوب الصبر مني تقطع
بقى جـيبه ومنه قفـلتـينا
إلى ماثبـتني شقـيت جيبي
على اللي فات له دورإسنتينا
وكثيرا ماشعرت بقـوته وثقته بنفسه، فحينها ازداد معه قوة وثقة بالنفس، لقد وهبته ثقـته بنفسه،السيادة على شعراء عصره، بل وجعلته يتحدى كل من سولت له نفسه نفي تلك السيادة أو التصدي لها وهو في ذلك يقـول:
إن كان إمرؤ القيس سيد من مضى
فأنا سيد الباقين من أهل الأنشادي
واللي مكذبني ويبغي معـاجـزي
يبدع ثلاثــين ألف بيت على آدي
لم تكن أنا الأنانية، ولكنها أنا الفخر والإعتزاز بالذات، وأنا على يقين من أنه لم يعلن عن سيادته إلا بعد أن عرف قدر نفسه، ورأى حجمه وحجم كتاباته في عيون الآخرين، وأدرك النعمة الجليلة التي منحه الله إياها وميزه بها عن غـيره، ولم يستطع أي من الشعراء أوغيرهم أن يتصدى لشاعرنا أو أن ينقص من قدرته ومكانته الشعرية، حتى عقـدة لسانه هي الأخرى لم تستطع ذلك ولم تنل أبداً من فخـره واعتزازه بذاته... لقد قالها للجميع وبأقـوى حجة:
أعرف تاريخ العرب والمجاري
وعـقدة لساني ما اخلفت منه مجراه
قلبي صحيح والمعاني إغزاري
وكم من فصيح لسان ويضيع معناه
ولكم وقفـت لهذا الشاعـر احتراما وتعـظيماً لرجولته، ولشهامته، ومروءته، وكرمه، والتزامه بمبادئه التي يؤمن بها أشد الإيمان، والأمثلة في هـذا الصدد كثير...
قال رحمه الله :
ينصب قلبي بين الأضلاع ويميع
إذا بغى له مطلب ماقـدر فيه
ماهـمنا في ذا الدنـيه تجـميع
إلانبي سمت العـرب مانخليه
وقال بحزم شديد شارحاً لأحد مبادئه :
ويذكر لنا بالمرجله فيه شيمات
حيث الكبيسي مذهبه مايسيبه
حنا ذخر له في جميع المهمات
لى طرش النباب لزما نجـيبه
وإحنا لنا في لطمة الضد عادات
والديـن منا ما ينـاله طـليبه
فهولايسعى للهجاء، ولكنه حتماً سيتصدى لكل من يحاول إيذاءه، وفي ذلك أيضا يقـول:
محنب على هرج المذمه بحرصين حسبي على من قادها وإفتكرها
وكانت متعتي الحقيقية معه، عـندما أراه وهو يعد القهوة العربية الأصيلة من خلال أبيات تجعلك تشم رائحتها وتتمنى لو أن بـيدك ولو فنجاناً واحداً منها...
قال الكبيسي في وصف الكيف:
وصفـت أنا الأمداح والجيل توصيف
والبن كـيف للـذي يعـتـني به
هو كيفـكم يوم السكارى لهم كيـف
لى غاب ذهن أهل العقـول السليبه
أما المتعة الأخـرى فهي رحـلات القنص، إذ اصطحبني الكبيسي معه في الكثير من رحلاته، وعلمني ما لم أكن أعلم عن الطير، كنت أشعر بكل خطوة يخطوها على كل أرض مارس فيها هوايته المفضلة وهي الصيد... وتكاد لاتخلو أية قصيدة في ديوان الشاعـر من وصف الطير، ورحلات القـنص التي أبدع في وصفها... وكم كنت أسعـد بتلك الأجـواء وبالطبيعة الجميلة التي جعلني الشاعر أعيش فيها وأستمتع بنسيمها، حتى سحر أنفي برائحة عـشبها وترابها الذي عطره المطر وأكسبه رائحة تعجز كل شركات العالم عـن تقليدها...
وصفها فقال :
جينا الرميثة منوره بالأعشابـي
مع فزة الخضره وهي تنور أنوار
فيها القـطيفي كاسي للروابـي
لبست هدوم العيد من عقب لغبار
تجـملت بمشكّلات الثـيابـي
رناق خارات غريـبات الأشجار
شعر - جعفر الديري
(أ) لا تقعوا في الفخ الذي وقعت فيه... يوم أن بدأت بقراءة هذا النص بالفصحى... لأنه يبدو هكذا. نص يبشر بإمكانات عالية.
فجأه
على وقت اللقا
والريح تتبعني
تجشمت الطريق
وفي الخواطر
من عيون الليل رقه
تسمع أحزاني
وصوت الذيب
ياخذ من شقوق الليل
نظرة ما تبارحتي
تجشمت الطريق
اقبال عيني
ساهر له أربع عيون
بليا آذان ينعب
والغراب يظلل متونه
وأياديه اتلاعب
بالمسا
والديره غبرة والسما
ترمي بقية نار
في اخدود التراب
وناظري
ما مل من شوفة
سحاب يفارق المرفا
وينزل بالعذاب
ويبقى تابعني
وكني راحل
قضى بقية عمره
واتخير
طريق ما لفاه انسان
وقال اليوم موتي
ابها المكان
ارتاح من ظلمة
قلب مجروح
ومصفد بثوب النوح
وكني من كلام امبارح
اشباح تلاقت
في ظلال الليل
ترصد هالفضا
وترد تاخدني
(ب) من بين بحرين أيضا... بحر العامية والفصحى، تطلع تجربة الديري، وانحياز أي واحد منا الى تجربته الفصحى حال طبيعية، بحكم تمرس الرجل في التجربة، ولكن ذلك لا يعني أن تجربته في العامية يمكن أن تقف عند حد. فقط هي المحاولة.
المرخ - جعفر المرخي
ما نعرفه عن الحلم أنه سيد الأخلاق، لكن الحلم والصمت هنا لا ينسجمان، مع تلك التصرفات الغريبة التي سنشير إليها في موضوعنا هذا لاحقا، فما امسكنا بهذا القلم، وتعلمنا القراءة والكتابة، إلا لكي نقول كلمة الحق، فكيف نبتغي سواها؟ ولكي نثري بالعلم ثقافاتنا، ونوطد علاقاتنا الإنسانية، ولكي نسمو باتباعنا سنن الخالق، فنحترم قوانين هذه الحياة الفسيحة. فما أصعبه من موقف، حينما تقتضي المسئولية، أن يكون ذلك الذي سنشير إليه (...)، صديقاً قد جمعنا الزاد والاحترام به، فأغدقنا بحبه العقل والقلب والضمير. نعني هنا بمن رفع بيمينه راية التحدي، وبيساره راهن على صفحة الكراس، وعلى الأدب والعلم والثقافة والقيم. فراح يستجدي مشاعر المقربين منه، بدعوى إيمانه بقضية عادلة، فلنعتبر قضيته، تشبه إلى حد بعيد، قضية الرئيس الأميركي وأسلحة الدمار الشامل الملفقة.
فلا تختلف القضيتان هنا، سوى أن الرئيس الأميركي كان يمتلك مفتاح القوة والتحكم في هذا العالم الحديث، بيد أن الزميل الذي اشرنا إليه، لا يمتلك أن يحرر نفسه من أوهام الوجاهة والعز والنفوذ، من ذاتيته ومن عنفوان باطنه المضطرب المنكسر. فهكذا بكل مرارة وتأسف، يتطلع العقل المثقف إلى مجريات نرصدها حديثاً بساحتنا الشعبية، فنلمس جليا ما تعاني بعض العقول الواهمة، من تذبذب ومن طغيان للنفس، ومن تحول غريب عن صفة كتاب الأعمدة ونقادها الحقيقيين، لمستوى اختلاط المفاهيم، وانحراف الحوار الثقافي إلى معنى يحمل مغزى آخر، غير الذي نبتغيه ونحتاجه من فن حرفنة التعامل مع النقد، ومقتضيات الأدب والكتابة.
فكيف لا يتألم العقل المثقف؟! وكيف لا تتحرك الأقلام لتعري مثل هذه الظواهر المريبة التي فتكت بحراك ساحتنا الشعبية؟
فبات كل ناقم منتقم، صاحب عمود وكاتباً يشار له بهذه الصفة السامية! فلكي نصل بفهمنا إلى التعريف عن مثل هذه الانحرافات، لابد لنا أن نعي دور العقل المثقف، ودور الناقد المؤهل، نحو إثراء حراكنا الثقافي، ونعني هنا بما يمكن أن نصل إليه، إذا ما فهمنا من هو الكاتب والناقد الأكاديمي المتمكن، وهو الذي يشخص لنا الأمور بمنظار وعيه وبرؤيته الثاقبة العميقة، وقدرات فهمه وعلمه وموهبته، حينها سنعرف كيف نحافظ على مثل هذه الأقلام الصادقة الندية.
فليس من المنطقي أن نثق بمن لا حقيقة لهم، وليس من المعقول أن يكون مستقبل ساحتنا الشعبية، مقروناً بمثل هذه الأقلام والعقول الهشة الركيكة المنغلقة. أليس من المفترض يا أعزائي، أن تكون كتابة الأعمدة، أكبر وأسمى من أن تصبح مجرد نزوة لمتطفل دخيل، حينما يختلف معك فكريا، يصل به الحال والعجز في حواره، حتى يذهب بعقله، إلى تصرف غريب، كإرسال رسالة هاتفية تحتوي على كلمات نابية وشتم ولعن وسباب؟ وهل هذا هو النموذج الذي نبتغيه، من أجل أن نرفع من قيمة أدبنا الشعبي، ونسمو بقيمنا الأخلاقية الإنسانية؟
هل يصنع فرد كالذي اشرنا إليه، من سجيته أن يحارب المختلفين معه فكريا، حتى في لقمة عيشهم وأرزاقهم وخصوصياتهم، فيواجه البينة والدليل بعدائية مريضة، سوى انهيار لقيمة الأخلاق والثقافة، وتقديم صورة مشوهة، مشوشة للمتلقي عن مستوى الشعر والأدب لشعراء وكتاب مملكتنا الحبيبة؟
فالمفارقة أن يرى هذا الفرد بنفسه الفهم والفتوة، فيدعي إصلاح الساحة، وهو أكثر حاجة إلى إصلاح وعلاج نفسي صعب ومكلف! فهل نتوقع من شخص لا تتجاوز ثقافته حدود كتابة نص طلب لوظيفة، وشاعر ضعيف، هزيل منهك، أن يؤسس مشروعا ثقافيا أدبيا رفيعا، فيصلح به ساحتنا؟
فكم هو مجحف أن نعول مستقبل ساحتنا على أقلام مضطربة إنسانيا، يعتريها الحسد، وتتحكم بها المزاجية، ويدفعها حب الظهور ووهم الشهرة، إلى قلب الحقائق، باتباع أساليب الكذب والتدليس والغيبة والتملق وتحريف المعاني والمضامين، عن موقعها؟
فلا غرابة أن نرى صفحاتنا تعج بمقالات باهتة لا تغني ولا تسمن من جوع، حينما يكون الدافع من الكتابة هو استعراض العضلات وتصفية الحسابات الشخصية، والانسياق خلف المعايير المغرضة. على اعتبار على أن مثل هذه التداعيات تعتبر بمثابة إساءة إلى العقل المثقف، بتمكين بعض كتاب الأعمدة، من دون إمعان النظر إلى الوراء قليلا، وقراءة تاريخ مثل هؤلاء الدخلاء على الكتابة والنقد، بشكل دقيق منصف.
ولنعتبر ذلك أيضا، دليل عجز، وبرهاناً على أن الساحة بحاجة إلى أقلام جريئة صادقة مؤهلة، لا تمارس الكتابة بغية الوصول إلى مصالح ذاتية ضيقة. فما الهدف من إضرام الحرائق وإشعال الفتن في الساحة، بإعطاء كل متسلق حقود مضطرب، الفرصة للنيل من أنبل الأقلام، وأكثرها فهما وحنكة؟
أمعن النظر أيها القارئ العزيز، فستجد أننا في ساحتنا الشعبية، قد أخفقنا في المحافظة على أرقى وأجمل الأقلام النقية الصادقة. وابتليت الساحة بمنظرين لا يعلمون من الكتابة سوى النيل من الآخرين وإلغائهم، أو التنفيس عن احتقانات نفسية لا تمس الأدب بشيء، ولا تعني للمثقف أي مقدار أو قيمة. لن نستثني منهم هذا الفرد المعني بهذا الموضوع، فقد اتضحت لنا صورة أخرى عن أكاذيبه وبطلان نواياه المقيتة.
لم أجد في سجل ادعاءاته غير اسمه صحيحاً، والمتبقي إما مكذوب أو عليه علامات من التعجب والأسئلة. لم أجد في تاريخه الأدبي، قصيدة واحدة توازي صراخاته الباهتة وتطاولاته على الآخرين. والصحيح أني صدمت بتطاوله على معظم أسمائنا الشعرية، ورموزنا الثقافية في هذا الوطن الطيب، وأكثر من ذلك. لم يسلم منه حتى أصحابه وأقرانه، ولم يسلم منه حتى لسانه وخصوصيته. فبعد كل ما قيل وذكر، كان الأحرى بكل محرر صفحة مؤهل، أن يعي هذا الدور الصحافي النقدي المهم والبارز، فلا تترك الأعمدة على الغالب لعقول منهمكة في تضخيم الذات، ومتشبعة بالتعالي والغرور، ومتوهمة بمكانة رفيعة، وطامعة في نيل مآرب تحت مسمى أدبي فاره وعريض.
فيجب أن تنتقى الأقلام التي يمكن أن ترفع من قيمة المثقف، ويجب أن نستبعد كل الأقلام المريضة المغرضة، لكي نستطيع أن نراهن على مستقبل واعد لساحتنا
العدد 1331 - الجمعة 28 أبريل 2006م الموافق 29 ربيع الاول 1427هـ