العدد 3162 - الأربعاء 04 مايو 2011م الموافق 01 جمادى الآخرة 1432هـ

البشري مهندس التعديلات الدستورية قاضياً ومفكراً (2 - 3)

في كتاب جديد لممدوح الشيخ

وقد ارتبطت معرفة طارق البشري بالفقه الإسلامي ارتباطاً وثيقاً بعمله القضائي، حيث تشابكت المؤثرات في مسيرة طارق البشري الفكرية والمهنية، يقول طارق البشري: «في عملي القانوني هناك مناهج في تفسير النصوص درسناها بينها أصول الفقه وجميع رجال القانون التطبيقيين متأثرون بمناهج أصول الفقه. وقد اكتشفت أن تاريخ النص وتأثيره على الفهم قادم من التاريخ، وهكذا أصبحت هناك تأثيرات غير منظورة بين المجالين، وهذا اكتشفته متأخراً».

بل إنه بعد المراجعة والتحول الفكري انتبه إلى حقيقة أنه في الفترة العلمانية أيضاً لم تنقطع صلته بالفقه الإسلامي من موقع مهني، ويضيف طارق البشري: «هذا الجانب كان يحل لي مشكلة مهمة هي أنني لم أشعر يوماً أن الدين من علامات التخلف، ولم تكن عندي أي مشكلة في تجديد الفقه الإسلامي لأنني كنت أعرف أدواته. لكن ما جاء تالياً هو سؤال: هل هناك إسلامية فيها تجديد أم لا؟ ولم أفكر أبداً هل يمكن التجديد في الفقه الإسلامي أم لا لأنني كنت أعرف أدواتها وميكانيزماتها وإمكانياتها، ولكنني كنت أبحث عن تحققها في الحركات الإسلامية»، فخلال عمله القانوني كان طارق البشري «قاضياً بدرجة فقيه».

الفصل الرابع «طارق البشرى مؤرخاً»، يكشف فيه ممدوح الشيخ عن أن مجالات اهتمامه تستوعبه إلى حد كبير؛ فهو لم يكن المؤرخ المدرسي الأكاديمي الذي يتخصص بحقبة أو تاريخية أو ظاهرة يراكم الدراسات عنها بشكل «كمي»، بل استوعبه التاريخ طولاً وعرضاً وجمع بين «نظرة الطائر» و «نظرة النملة»، تعميماً وتدقيقاً. وهو في عمله التأريخي كان «واعياً» ولم يكن «أداتياً»، فهو اختار موضوعاته ودرسها انطلاقاً من قناعات بدور المؤرخ كمثقف لا مجرد «حرفي»!

الفصل الخامس «المراجعة الفكرية» يتناول المراجعة التي بدأت بعد نكسة يونيو/ حزيران 1967، فحسب البشري: «إذا اختلف في يدك الميزان فيجب أن تعيد وزن كل ما وزنته من قبل حتى لا تتناقض مع نفسك، وأنا أخذت من العمل القانوني شيئاً هو أن أبتعد عن التناقض لأنه شيء سيّئ، ففكرة الاتساق أساسية وقد أصبحت عادة عقلية. وأحياناً عندما تخرج من مرجعية فكرية لمرجعية فكرية أخرى تمر بمرحلة لا تكون هذه فقدت وجاهتها تماماً ولا تلك اكتملت جاذبيتها لك فتصبح كأنك بين جاذبية كوكبين، وفي هذه اللحظة أيقنت كمؤمن أن هداية الله هي الحل والفيصل». وقد ختم ممدوح الشيخ الفصل بعبارة موحية لطارق البشري يقول فيها: «الحمد لله؛ أنا مارست حياتي بصدق، والحمد لله أن هناك أحكاماً علمية أنا مختلف معها الآن، ولكن حين كتبتها لم أكن أريد مصلحتي الشخصية. والحمد لله أنني لم أخطئ بقصد».

الفصل السادس «الإسلاميون المستقلون: المراجعات والخطاب الجديد»، محاولة لتحديد موضع طارق البشري من ظاهرة الإسلاميين المستقلين.

أما الفصل السابع «تعقيب عام على التحولات»، فيوجه فيه المؤلف نقداً لطارق البشري. وقد تمحور فكر البشري حول الموقف الاستقلالي وقام على تلاقي عدة مركزات: الديمقراطية، البناء الاقتصادي المستقل، الاشتراكية، الوحدة العربية، رفض التبعية لأي قوة خارجية، عسكرية أو سياسية أو اقتصادية. والديمقراطية عنده قيمة شعبية سياسية والاشتراكية قيمة شعبية اجتماعية، وهما من لوازم الاستقلال وحفظته، والعروبة هوية الاستقلال ولازمته وحافظته على النطاق الفسيح».

ويرى ممدوح الشيخ أن رهان طارق البشري الثابت على الاستقلالية قبل التحول الفكري وبعده، إلى حد وصف نفسه بأنه «استقلالي»، ينطوي على تناقض، وهو يعتبر أن من أهم ما تعلمه من عمل القضائي خلو الفكر من التناقض واتصافه بالاتساق. ومصدر التناقض أن مقولة «الاستقلال» تعني بالضرورة تغليب «الوطني» على «ما فوق الوطني» أممياً كان أو قومياً أو دينياً، وهو قبل المراجعة لم ير تناقضاً بين الاستقلال والأممية وبعد التحول لم ير تناقضاً بين الاستقلال والبعدين العروبي والإسلامي، صحيح أنه قدم تصوره لحل هذا التناقض لكنه في النهاية يظل الحل الخاص بطارق البشري، بمعنى أن التناقض ما زال قائماً، وتلك سمة من سمات عالم الأفكار؛ إذ يمكن أن يزيل المفكر «شكلياً» التعارض بين متناقضين دون أن تكون الإجابة التي قدمها حاسمة شافية.

كما أن المستشار طارق البشري، في رأي المؤلف، في سبيل تحقيق الهدف الأسمى «الاستقلال» جعل رهانه الرئيسي على الدولة، وهي دولة تجمع بين مفهومين متقاربين: «الدولة الوطنية» بمفهومها التنويري المستند لميراث الثورة الفرنسية، وهو في هذا متأثر بالتأثير الكاسح لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وكلاهما لعبا دوراً كبيراً - نرى أنه لم يحظَ حتى الآن بتقييم دقيق لـ «أسلمة فكر الثورة الفرنسية وتسويقه عربياً» - وهو ما أصبح سمة غالبة لرؤية الأجيال التالية من دعاة الإصلاح الإسلاميين.

والمفهوم الثاني الذي أصبح من لوازم موقف المستشار البشري - رغم اهتمامه بعد المراجعة بحرية العمل الأهلي وإبقائه قوياً لموازنة سلطة الدولة - هو مفهوم الدولة المركزية وهي حسب معجم مصطلحات عبد الوهاب المسيري «دولة مطلقة». والموقف الرمادي من الدولة المركزية واحد من أعمق مشكلات الفكر الإسلامي المعاصر

العدد 3162 - الأربعاء 04 مايو 2011م الموافق 01 جمادى الآخرة 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً