يقدم هذا الكتاب تساؤلات بشأن الهوية، التي ظلت محور اهتمام كل الأمم الكبرى، حيث أثارت الأقلام الثقافية في أواخر القرن التاسع عشر السؤال، وفي مطلع القرن العشرين، ومع غروب الهيمنة العثمانية، والاتصال بالحضارة الغربية التي بدأت تثبت وجودها وهيمنتها.
وتجدد السؤال مع مطلع القرن الواحد والعشرين، بمعالم «العولمة»، حين جعلت ثورة الاتصالات العالم قرية صغيرة، ووفرت آليات جديدة لإنتاج المعرفة، ووفرت وسائل إنتاجها السهلة والقادرة على البحث والحفظ والتسجيل. وهو ما جعل المعرفة سلعة، ذات صفة تراكمية كثيفة وذات إيقاع متسارع؛ إذ أصبحت تتضاعف مرة كل 18 سنة، بعد أن كانت تتضاعف مرة كل مئات السنين!
ويتعرض الكتاب لهذه الميزات، وما قابلها من سلبيات، مثل خلق نمط ثقافي واحد، وهو النمط الذي تروج له عقول الدول الكبرى، وهو ما أطلقوا عليه نمط (الكوْكَلة) نسبة إلى انتشار مشروب الكوكاكولا عالمياً، إضافة إلى الهيمنة الاقتصادية والسياسية.
ويتحدث عن كتاب التنوع الثقافي لــ «اليونسكو»، عن تعدد طرق التنمية الإنسانية، والتي لا يمكن أن تحدث إلا من خلال التنمية الثقافية، وربما عبر الكاتب طارق علي الباكستاني الإنجليزي الجنسية في كتابه «صدام الأصوليات»، قد عبر عما آلت إليه الصورة الثقافية للعالم. حيث قال إن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة في العالم، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، أصبحت نوعاً من الأصولية (فى توحشها وسعيها للهيمنة) تمثل تبريراً دينياً يماثل تبرير منظمة القاعدة، وكل التوجهات لعودة الخلافة.
وكلا الأصوليتين تسعى إلى هيمنة على الكرة الأرضية، تتسم بالتعصب لا التسامح، والصوت الواحد لا التعدد. تبدو فكرة مناقشة قضية الهوية عند الكاتب، في مقابل الواقع الآني (ما سبق الإشارة إليه)، تبدو مع مناقشة مفهوم الثقافة الوطنية.
وهي التي تشكلت خلال فترة مواجهة ثقافة المستعمر، وأصبح مفهوم الثقافة الوطنية نقيضاً لمواجهة المستعمر (تأسيساً على فكرة ابن خلدون أن المغلوب يميل إلى تقليد الغالب). وهو ما أفرز مفهوماً أقرب إلى المفهوم القومي أو الثقافة القومية، وهو ما جعل البعض يؤجل مفاهيم الثقافة المحلية.
وهذا الظرف التاريخي (وجود وهيمنة المستعمر)، جعل الجميع يتناسون التناقضات الثانوية في مقابل مواجهة التناقضات الأساسية، وشارك مفهوم الثقافة الوطنية في مواجهة المستعمر والمشاركة في معركة التحرير.
وهو من انعكس أدبياً في أعمال القاص يوسف إدريس تحت دعوته بالخصوصية المصرية في كتابة القصة القصيرة على خلفية أن الاختلاف والتنوع من سمات الشعوب والأمم.
ويستعرض تحديات الهوية، حين انقسم المدافعون عنها إلى فريقين: الفريق الأول يرى حمايتها من التهديدات والمخاطر التي تحيق بها، متمثلة في الاستعمار تارة، ومن العولمة تارة أخرى، ومن الانغلوفونية والفرانكفونية تارة ثالثة (الأخيرة تحدث حولها أهل المغرب العربي كثيراً). أما الفريق الآخر فهم من يرون بأهمية حماية الهوية الثقافية، أو تصويرها على أنها نسق مغلق.
ثم أفرد الكاتب فصولاً بشأن موضوع الهوية الثقافية واللغة، والهوية الثقافية والدِّين. لأن اللغة مكون أساسي من مكونات الهوية، لكنها ليست المكون الحاسم. وضرب في ذلك مثالاً في اللغة النوبية لسكان أهل النوبة، التي لا تزاحم العربية في شيء، ولكنها لغة مختلفة في إطار الثقافة المصرية.
كما اعتبر الدِّين من أهم عناصر الهوية الثقافية، ولكن ليس بالمعنى المفرد، بل لمجمل الأديان داخل ثقافة المجتمع. وهو ما يرجعه إلى أن الثراء الثقافي في التنوع والتعدد هو «التنوع الخلاق».
وتوقف الكاتب عند مفهوم «الهوية المنفتحة»، وهى نقيض الهوية المغلقة أو الممزقة بين نقائضها؛ إذ تحقق أكبر قدر من التوازن والتفاعل والتناغم بين مكوناتها الأساسية، لأن تجاور العناصر المختلفة للهوية يسمح بالتسامح واحترام كل عنصر لبقية العناصر، وتلك الهوية المنفتحة هي التي جعلت طه حسين يكتب كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»، العام 1938.
ولا يغفل الكاتب تحديات الهوية الإبداعية، باعتبار الإبداع صورة المنجز البراق للهوية؛ إذ أشار إلى أن نكسة العام 67 كانت سبباً في وضع الوعي العربي في مأزق، كما أنه بات من الصحيح أن ملاحقة الإبداع العالمي، من الأمور الضرورية واللازمة.
ويتوقف الكاتب أمام ما أطلق عليه بــ «الهوية المزدوجة» التي تعبِّر عنها أعمال: إدوارد سعيد، وحليم بركات، وأهداف سويف، والطاهر بن جلون، وآسيا جبار، وغيرهم. حيث شكلوا إبداعاً ينطوي على ما يمكن تسميته بالهوية المزدوجة.
ويعد هذا الكتاب من أهم الكتب التي تناولت موضوع «الهوية الثقافية»، نظراً إلى المنهج التحليلي والتاريخي الذي استخدمه الكاتب، مع غلبة التناول، من خلال مفاهيم النقد الثقافي
العدد 3217 - الثلثاء 28 يونيو 2011م الموافق 26 رجب 1432هـ