طرحنا في الفصل السابق تساؤلين عن سبب وجود ذكر وأنثى، ووضعنا إجابة مختصرة مفادها، أن علّة وجود ذكر وأنثى هو لمنع صراعات قسرية جبرية داخل الخلية وخارجها، وكذلك لتكيّف الكائن الحي مع البيئة، في هذا الفصل سنعطي تعليلات علمية توضح هذا المفهوم.
التكيف مع البيئة وضرورة الجنس
البيئة دائمة التغير؛ سواء بفعل الكائنات الحية؛ أو بفعل عوامل طبيعية، بينما خُلق الكائن الحي بجينات محددة تعطي صفات وراثية محددة، وهذا يعني - حتى يتمكن الكائن الحي من الاستمرار- أنه يجب أن يغير من صفاته الوراثية أو محتواه الجيني ليتمكن من مسايرة التغير في البيئة. في واقع الأمر أن المحتوى الوراثي للكائن الحي يتغير بصورة بطيئة جداً عبر الزمن؛ إلا أن أفضل طريقة للحصول على جينات جديدة هو اكتسابها من أفراد أخرى من المجتمع، فلذلك ينتج الأفراد الجدد في المجتمع عن طريق اندماج مادتين وراثيتين مختلفتين من فردين مختلفين وهذا ما يعرف بلغة العلم «عملية جنسية» أو «تكاثر جنسي»، إذاً فالحاجة للجنس ملحة لاكتساب صفات وراثية جديدة، وعلى رغم ذلك فهناك ما يقارب من 2000 نوع (أي قرابة 0.1 في المئة من الكائنات الحية) لا تعرف الجنس أبداً، وهذا يعني أن 99.9 في المئة من الكائنات الحية لا ملاذ لها من الجنس.
حروب المايتوكندريا
ذكرنا في الفصل السابق المايتوكندريا العضية ذات الاستقلال الذاتي داخل الخلية، هذه العضية تكيفت عبر العصور مع السلطة المركزية داخل النواة، ولكن في حال حدث اندماج بين خليتين ودخلت جينات جديدة وتكونت النواة أو السلطة المركزية الجديدة بعوامل خارجية هنا يحدث صراع بين المايتوكندريا والجينات الجديدة، وهو صراع أقل حدّة من ذلك الصراع الذي سينتج لو دخل مع الجينات الجديدة مايتوكندريا جديدة من فرد آخر. المايتوكندريا ذات طابع حربي وأناني ترفض وجود أي ما يتوكندريا جديدة داخل الخلية، وهذا يعني حتى يكون التكاثر الجنسي مثالياً إلى حد ما يجب أن لا تكون هناك خلايا متشابهة تندمج مع بعضها، في الإنسان هناك حالة مثالية، ولكن نريد أن نعرف ماذا لو حدث اندماج بين خلايا متشابهة.
«الكلاميدوموناس» يوفر لنا الإجابة
الكلاميدوموناس هو طحلب وحيد الخلية يتكاثر في الغالب بصورة لا جنسية عن طريق الانقسام الثنائي لكنه بحاجة أيضاً لتغيير محتواه الجيني لكي يتمكن من التكيف مع البيئة، وفي سبيل ذلك عليه أن يتكاثر جنسياً، وعادة عند ما تسوء الظروف يلجأ الكلاميدوموناس للتكاثر الجنسي وذلك بأن يندمج فردان مع بعضهما ليكونا فرداً جديداً يحمل صفات وراثية جديدة، وهذا يعني أن خليتين متشابهتين في التركيب ستندمجان، في هذه الحالة يمكننا دراسة سلوك المايتوكندريا العدائي؛ إذ تقوم كل مايتوكندريا من الخلية الأولى بالقضاء على المايتوكندريا في الخلية الثانية، فلو افترضنا أن أعداد الميتوكندريا في كلا الخليتين متساوية وقضت كل واحدة على الأخرى لن تبقى هناك أي مايتوكندريا، وبما أن الخلية غير قادرة على تصنيع هذه العضية التي تصنع نفسها بنفسها، فإن كلا الفردين سيموتان نتيجة لهذا الاندماج دون أي إنتاج وبدلاً من أن ينتج أفراداً تتحمل الظروف القاسية سيقضي كل منهما على الآخر. لذلك يوجد أفراد من تلك الطحالب بها عدد كبير من الميتوكندريا ويرمز لها بالرمز «+» وأخرى بها أعداد أقل من الميتوكندريا ويرمز لها بالرمز «–»، فيندمج أفراد من فئة «+» مع أفراد من فئة»–» بعد أن يتبادلا رسائل كيميائية معينة للتأكد من عدم تشابههما. نعم تحدث الحرب بين المايتوكندريا لكلا الفردين ولكن يتبقى منها شيء بسيط، وفي الغالب يتبقى 15 في المئة من المادة الحيوية فقط، ثمن باهظ لكي تكتسب جينات جديدة وبالتالي صفات جديدة.
علة وجود الذكر والأنثى
من هنا نرى الحاجة الملحة لجنسين مختلفين، ففي الكائنات التي تتكون من مجموعة من الخلايا؛ أو ماتسمى بالكائنات الحية متعددة الخلايا، وجميع خلاياها تحتوي على أعداد كبيرة من الميتوكندريا، وحتى يتم التكاثر الجنسي يجب أن تندمج خلية تناسلية ذكرية وأخرى أنثوية، فلو جعلت كلا النوعين من الخلايا التناسلية تحتوي على ميتوكندريا فلن تستطيع أن تتفادى تلك الحرب الشرسة وكان من الضروري فصل الجنسين، جنس ذي خلايا تناسلية تحتوي على الميتوكندريا وجنس آخر يتم أفراغ خلاياه التناسلية من كل محتوياتها (ماعدا المادة الوراثية أي الجينات) وذلك لإعداده ليتحد مع الخلية التناسلية الأخرى. وبذلك يصبح هناك جنسان مختلفان ويتوجب أن يتنازل أحد الجنسين عن الميتوكندريا التي في خلاياه التناسلية أو بمعنى آخر على أحدهما أن يلقي سلاحه ويسلم للآخر.
وقع الاختيار وأفرغت الخلايا التناسلية الذكرية (الحيوانات المنوية) من كل محتواها من المايتوكندريا وكل السائل الذي تحتويه بداخلها (أي السائل السيتوبلازمي) باستثناء النواة التي تحتوي على المادة الوراثية، بينما احتفظت الخلايا التناسلية الأنثوية (البويضة) بجميع مكوناتها والتي من ضمنها المحارب المتمرس على جميع فنون الحرب «الميتوكندريا».
الذكورة وجين حواء
هكذا رأينا إذاً أن انفصال الجنسين الذكر والأنثى جاء ليحل مشكلة الحرب السيتوبلازمية الذي يقودها البطل الأسطوري «الميتوكندريا»، ولكن هل حل هذا جميع الحروب الأخرى؟، فمازالت هناك مادة وراثية جديدة دخلت النواة وهي تعتبر سلطة جديدة لم تتكيف معها بعد المايتوكندريا.
رأينا أن الميتوكندريا لا توجد إلا في البويضة؛ أي الخلية التناسلية الأنثوية، هذا يعني أن مصدر الميتوكندريا هو الأم فقط وقد ورثت هذه الأم الميتوكندريا من أمها، وهذه الأخيرة ورثتها عن أمها وهذه عن أمها أيضاً وهكذا تستمر السلسلة حتى ينتهي المطاف بنا بأم البشر «حواء» مصدر المايتوكندريا عند جميع البشر ذكورها وإناثها. إذاً فالمادة الوراثية التي توجد في الميتوكندريا تمثل لنا جين حواء الذي ينتقل من جيل إلى جيل عبر الإناث فقط، وينتقل إلى الرجل عن طريق أمه. فلو أردنا معرفة أم كل رجل لبحثنا في المادة الوراثية التي توجد في ميتوكندرياه، أو بمعنى آخر في «جين حواء». وبالمثل فإن كانت حواء لها جين فكذلك آدم له جين أيضاً، إنه كروموسوم «Y» الذي ينتقل للرجل من أبيه، وهذا الأخير ورثه من أبيه وهذا من أبيه، وهكذا حتى ننتهي بأبي البشر «آدم».
فلنتأمل الآن خلايا الأنثى التي تحتوي على الميتوكندريا التي ورثتها من أمها لكنها لا تحتوي على كروموسوم «Y» بل ترث من أبيها كروموسوم «X»، وكروموسوم «X» هذا قد ورثه الأب أساساً من أمه، وهذا يعني أنه لا يوجد جين خاص للرجل داخل خلايا المرأة. بينما نلاحظ خلايا الذكر تحتوي على ميتوكندريا ورثها عن أمه، وتحتوي خلاياه أيضاً على كروموسوم «Y» الذي ورثه عن أبيه. هذا يجعل من الذكر متميزاً بأنه يحمل جين آدم وجين حواء، أو بمعنى آخر أن جسده لا يخلو من جين الأنثى، وبصياغة أخرى هناك «أنثى» بداخل كل رجل. ومن هنا نسمع بعض الباحثين، وحتى في علم النفس، يتحدثون عن الأنثى التي بداخل الرجل، وكيف تؤثر فيه.
انتقام «حواء»
البعض يزعم أن هذه الأنثى المتمثلة في المايتوكندريا وكروموسوم «X» تقود حرباً لا أخلاقية داخل الرجل لتفككه من الداخل؛ بل ذهب بعضهم للقول إن هذه الحرب الانتقامية التي تقودها جينات حواء هي من أسباب تردي الذكورة التي بدأت تضعف، وأن جينات الأنوثة أصبحت في الغالب تتفوق على جينات الذكورة. ولكن ما هي الأسباب التي أدت لهذا الصراع والذي غالباً ما يدفع ضحيته الأفراد، فالجينات تتصرف بصورة أنانية فلا تفكر في مصلحة الفرد الذي يحملها، وكأنما الفرد مجرد روبوت يحمل تلك الجينات التي تتصارع فيما بينها. إن سبب تلك الصراعات هي التطبع بالأنانية وحب الخلود، ويرى علماء الجينات أن الصراع يبدأ من الجين؛ أي بين الجينات ثم بين الخلايا ثم بين الأفراد وبعدها يكبر أكبر من ذلك. ولمن أراد التوسع في هذه النقطة فهناك عدد من الكتب المشهورة التي تناولتها من مثل: «سايكس» في كتابه «لعنة آدم» و»دوكنز» في كتابه «الجين الأناني» (العنوان العربي المترجم هو الجينة الأنانية)، و»ريدلي» في كتابيه «الملكة الحمراء» و «الجينوم» وغيرهم من الكتاب الذين يستقرؤون الجينات ومنها ينطلقون للأفراد والمجتمع. ويمكننا أن نستنتج من تلك الكتب وغيرها من الكتب الشبيهة أن جينات الكائنات الحية كما الأفراد تطبعت بالأنانية وحب الخلود تتحرك لتضمن مصلحتها حتى وإن كانت ضد مصلحة الفرد نفسه فتسبب له الأمراض، كذلك الأفراد عندما يتحركون لمصالحهم الشخصية فقط فهم يسببون الأمراض الإجتماعية
العدد 3232 - الأربعاء 13 يوليو 2011م الموافق 11 شعبان 1432هـ
سبحان الله
سبحان الله العضيم
مقال علمي بسيط
شكرا استادي
يستحق التعليق
موضوع يستحق التقييم
علمي بحت